عيون بيروت: حين تصبح المدينة بطلاً يرى ويُرى

عيون بيروت

الأحد، 10 مايو 2026 - 11:09 ص

أخبار الأدب

محمد فرحات فى رواية «عيون بيروت»، الصادرة عن شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، للكاتبة اللبنانية عزة طويل، لا يبدو العنوان مجرد تسمية جمالية أو استعارة شعرية، بل يتحول منذ الصفحة الأولى إلى مفتاح تأويلى للرواية كلها. فـ«العيون» هنا هى عيون الشخصيات التى تتقاطع مصائرها فى المدينة، وهى أيضاً عيون المدينة نفسها: عيون جميلة، حائرة، دامية، وأحياناً مفقوءة بفعل العنف والاضطراب فى مشاهد الاحتجاجات البيروتية. ولعل أكثر الشخصيات التصاقاً بهذه الرمزية هو كنان، المصوّر الذى يعشق تصوير العيون تحديداً. فالصورة بالنسبة إليه توثيق بصرى ومحاولة للقبض على اللحظة الإنسانية الأكثر صدقاً: لحظة انكشاف الروح فى العين. ليتجلى سؤال الرواية العميق: هل يكفى أن نرى الواقع؟ أم يجب أن نكشفه ونفضحه؟ فالعين هنا تتحول إلى أداة معرفة، يحاول كنان بها أن يقرأ العالم من خلال عدسته. ما يميز بناء الرواية أيضًا هو تلك الجدلية المستمرة بين الخاص والعام؛ فالحكايات الشخصية لا تنفصل عن تاريخ بيروت المضطرب بين عامى 2019 و2021. فالحب فى الرواية مثلًا لا يحدث فى فراغ رومانسى هادئ، بل فى مدينة مثقلة بالكوارث: احتجاجات الشارع اللبناني، تراكم الأزمات الاقتصادية، جائحة كوفيد-19، انفجار مرفأ بيروت المروّع، هكذا يصبح الحب نفسه تجربة مهدَّدة، أو محاولة للنجاة وسط عالم يتداعى. تتبدى هذه الجدلية فى تداخل الألم الشخصى إثر علاقة عاطفية مضطربة مع الألم الجماعي؛ فالشخصيات تعيش جراحها الخاصة بينما المدينة كلها تنزف. تبدو شخصيات الرواية وكأنها شخصيات انشطارية؛ لكل منها مرآة تعكسها داخل النص. >>> تلجأ الروائية عزة طويل إلى ما يمكن تسميته «حيلة المرآة الكتابية»، حيث تنعكس الشخصيات بعضها على بعض: شخصية الراوية تنعكس على شخصية لمياء. شخصية كنان تنعكس على شخصية رامي. فعل الكتابة لدى الراوية يوازى فعل الكتابة لدى لمياء. كأن الرواية تقول إن كل شخصية تحمل نسخة أخرى من نفسها فى شخص آخر. حتى العلاقات العاطفية تُبنى على هذا التضاد: فـرامى يمثل نموذج العشق المستبد المتملك، بينما يمثل كنان نموذج العشق المتفهم والإنساني. وبين هذين النموذجين تتحرك الشخصيات النسائية بحثاً عن صوتها الخاص، وعن قدرتها على النجاة من علاقات تُخضعها أو تُعرّيها. حتى بيروت بطل الرواية الرئيسي؛ مدينة تشبه إلى حد بعيد أم الراوية. وهنا تظهر مرآة أخرى فى النص: بيروت أم الراوية، كلتاهما حاضنة، صابرة، تتحمل الألم بصمت، وكلتاهما قادرة أيضاً على القسوة. بهذا التشابك بين المدينة والأم تتحول بيروت إلى رمز للأمومة الجريحة التى تحاول حماية أبنائها رغم العواصف فلا تبدو الشخصيات سوى امتدادات لروح المدينة، بيروت هى التى تجمعهم وتفرقهم، وهى التى تمنحهم الحب وتوقعهم فى الألم. ولذلك يمكن القول إن الرواية ليست رواية شخصيات بقدر ما هى رواية مدينة، مدينة ترى العالم بعينين متعبتين، لكنها لا تزال تحلم. من العناصر اللافتة فى الرواية حضور ذاكرة الرائحة بوصفها أداة سردية قوية. فالمدينة لا تُرى فقط، بل تُشمّ أيضاً. نجد فى النص طبقات من الروائح المتناقضة: رائحة البحر البيروتى المتغير، رائحة النفايات التى ملأت شوارع المدينة فى أزماتها، رائحة القهوة، رائحة الجلد المحترق، فالروائح هنا تعمل مثل ذاكرة حسية لاشعورية تكشف ما تحاول الذاكرة الشعورية أن تخفيه. من الشخصيات الرمزية أيضاً شخصية عدنان، الطفل الذى فقد أبويه، عدنان يمكن قراءته بوصفه رمزاً للشعب اللبنانى نفسه: شعب يعاقَب بلا تهمة واضحة، سوى أنه يحب الحياة ويعشق الجمال، هذا الطفل الضائع يصبح علامة على براءة مهدَّدة فى عالم لا يكف عن إنتاج المآسي. >>> تطرح الرواية سؤالاً مركزياً يتكرر بين السطور: لماذا نكتب؟ هل الكتابة مجرد توثيق للواقع؟ أم أنها محاولة لكشفه وفضحه؟ يبدو أن عزة طويل تميل إلى الاحتمال الثاني، فالكتابة فى الرواية هى فعل مقاومة فى حد ذاته. ومن هنا نفهم التوازى بين كتابة الراوية وكتابة لمياء: كلتاهما تحاول استعادة الصوت المسلوب عبر السرد. لتصل الرواية فى النهاية إلى ما يمكن تسميته الفعل التطهيرى للسرد، فالكتابة تصبح وسيلة لمواجهة الألم، لا للهروب منه. تقول الراوية فى أحد المقاطع: “كنت طفلة ضائعة وموجوعة، وامرأة راشدة عانت من انفجار لم يشهد له العالم مثيلاً، فأدى إلى وجع فى جنبها، لتأتى ركوة قهوة تحرق جلدها كله؛ فكرة خاطئة واحدة، دعسة ناقصة واحدة تكفى لاستجلاب المزيد من الألم.” فى هذا المقطع تتكثف فكرة الرواية: الحياة يمكن أن تنكسر بلحظة صغيرة، لكن السرد يمنح الألم معنى. وفى موضع آخر نقرأ: «لا، رامى الذى كتبناه معاً انتهى… هدّته بيروت هذه المرة». هنا تصبح المدينة قوة قادرة على تفكيك الأقنعة وإسقاط العلاقات الزائفة. من أكثر التقنيات السردية نضجاً فى رواية «عيون بيروت» اعتماد الكاتبة عزة طويل على توازى ثلاثة نصوص داخل النص الروائى الواحد. فالرواية لا تُروى بصوت واحد أو بسرد خطى تقليدي، لكنها تتشكل من ثلاثة مستويات سردية تتقاطع وتتناقض أحياناً، بحيث يصبح كل نص منها محاولة للسيطرة على الحقيقة أو استعادتها. النص الأول هو النص الذى يكتبه رامى داخل الرواية، حيث يسرد تجربته العاطفية مع لمياء بوصفها علاقة امتلاك. فى هذا النص تبدو لمياء شخصية ثانوية داخل عالمه، مجرد مادة سردية يطوّعها لرغبته فى صناعة بطل رومانسى على غرار أبطال العشق التراجيدي. هنا تتحول الكتابة إلى أداة هيمنة؛ فالرجل الذى يكتب يفرض رؤيته على القصة وعلى المرأة التى شاركته التجربة. أما النص الثانى فهو نص لمياء الذى تكتبه لاحقاً بتشجيع من الراوية. هذا النص يأتى بوصفه فعلاً من أفعال المقاومة السردية؛ محاولة لاستعادة الحكاية من يد من صادرها. فإذا كان رامى قد حوّلها فى نصه إلى موضوع للحب والفضيحة معاً، فإن لمياء تعيد كتابة التجربة من موقعها هي، لا بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها ذاتاً واعية قادرة على تفكيك العلاقة وكشف آليات التلاعب العاطفى التى مورست عليها. أما النص الثالث فهو النص الروائى الأشمل الذى ترويه الراوية نفسها، وهو النص الذى يحتضن النصين الآخرين. فى هذا المستوى نتابع تجربتها مع رامى أيضاً، لكننا نرى كذلك تطور علاقتها بكنان، مع الخلفية التاريخية والوجودية التى تتحرك فيها الشخصيات: انفجار بيروت، الاحتجاجات، الجائحة، وانكسارات المدينة. وهكذا تتحول الرواية إلى فضاء تتجاور فيه ثلاث رؤى للحقيقة: رؤية الهيمنة، ورؤية المقاومة، ورؤية التأمل. >>> هذا البناء المتوازى يمنح الرواية بعداً تأويلياً عميقاً؛ إذ لا تعود الحقيقة السردية واحدة أو نهائية، بل تتشكل من احتكاك الأصوات وتناقضها. فكل نص يحاول أن يفرض تفسيره الخاص لما حدث، لكن القارئ يكتشف تدريجياً أن الحقيقة لا تقيم فى نص واحد، بل فى المسافة بين النصوص الثلاثة. تنتهى الرواية بسؤال مؤلم يختصر مأساة الشخصيات والمدينة معاً: «ماذا فعلت بنا يا ست الدنيا؟ لمَ عاقبتِ أياً منا سواء أخطأنا أم لم نخطئ؟ فما ذنب عدنان مثلاً؟ وما ذنبى حين كنت طفلة؟ وما ذنب كنان ولمياء؟ وماذا عن أمى التى لم تقترف إلا الصبر؟ أما رامى فهل جاء عقابه عادلاً؟ فلنفترض أن لكل منا خطيئته، لماذا كنا نحاسَب جماعياً عليها هكذا على الأرض قبل الفناء»؟ إنه سؤال يتجاوز الرواية ليصبح سؤالاً عن مصير مدينة بأكملها. لكن ربما تكمن قوة «عيون بيروت» فى أنها لا تقدم إجابة نهائية، بل تترك العيون مفتوحة على الألم… وعلى احتمال الأمل أيضاً. كاتب وناقد مصرى