السحر الأسود للكلمات: لماذا تغرى الفاشية الكُتَّاب؟
الأحد، 10 مايو 2026 - 11:27 ص
أخبار الأدب
إد سيمون ترجمة: أسماء يس
ولد الكاتب والسياسى الروسى، الذى كان أيضًا من رواد موسيقى البانك (بهذا الترتيب)، فى مقاطعة جوركى باسم «إدوارد ڤينيامينوڤيتش ساڤينكو». لكنه حين كان يعيش فى منفاه بمدينة نيويورك فى سبعينيات القرن الماضى، اعتمد «ليمونوڤ» كاسم روائى، وهو اسم يستحضر كلاً من حموضة الحمضيات وقوة انفجار قنبلة يدوية من طراز F-1 (“ليمونكا» كلمة عامية سوڤيتية تطلق على هذا السلاح).
إدوارد ليمونوڤ إذن اسم مستعار يلائم شاعرًا منشقًا وصل عام 1974 إلى نيويورك؛ المدينة الصاخبة الملطخة برسومات الجرافيتى وحرائق المشاريع السكنية وانقطاع التيار الكهربائى وجرائم القتل المتسلسل. مدينة نوادى سى بى جى بى وماود، وفرقتى نيويورك دولز وتوكينج هيدز، ومصنع [آندى] وارهول واستوديو 54، وفرق الدى چى التى يتكرر استخدامها فى برونكس، والبريك دانس على أنغام الهيب هوب، بالإضافة إلى «ابن سام» [لقب استخدمه القاتل الأمريكى المتسلسل دايڤيد بيركوڤيتز فى السبعينيات].
فى نيويورك، حيث استهوته أجواء التمرد فى وسط المدينة، أتيحت له حريات افتقدها فى لينينجراد، وقد جسدت ثلاثيته الروائية، المكتوبة بالروسية -«أنا إيدى» (1979)، و«مذكرات بانك روسى» (1983)، و«قصة خادمة» (1987)- المشهد الإبداعى المتألق للمدينة.
فى قصيدته «أنا إيدى» يكتب ليمونوڤ: «هذا العالم بحاجة إلى الحب، العالم يصرخ طلبًا للحب». ويضيف: «أظن أن العالم لا يحتاج إلى حق تقرير المصير الوطنى، ولا إلى حكومات فلان أو علان، وأن حب الناس لبعضهم بعضًا ضرورى لحياتنا جميعًا». التزام مثالى من شاعر يحمل اسم قنبلة يدوية، لكنه التزام لم يطل؛ فبصفته معارضًا، لم يجد نيويورك جنة للمهاجرين، بل مدينة قاسية، حيث أفراد الطبقة المخملية فى وست أبر سايد ساخطين ومنهكين كأعضاء المكتب السياسى. ومع ذلك، كان هناك شعور بالنشوة فى تلك الشوارع.
فى روايته الأولى يقول إديتشكا: «روحى وجسدى متاحان للجميع. سأذهب معك أينما تشاء، إلى أحياء الجانب الغربى المظلمة أو شقق بارك أڤينيو الفخمة»
فى عالم مواز، كان ليمونوڤ، بنظارته الدائرية ذات الإطار المعدنى، وشعره الأبيض المصفف للخلف، ولحيته الصغيرة على طريقة تروتسكى، ليتلقى تعليمه مع كاثى آكر وريتشارد هيل، لكنه فى الواقع، انخرط فى نوع من الخدمة العامة. ومع انهيار الاتحاد السوفيتى، عاد إلى روسيا عام 1991. وفى عيد العمال عام 1993 أسس الحزب الوطنى البلشفى، مزيلاً الصليب المعقوف من الدائرة البيضاء فى وسط علم الرايخ الثالث، ووضع مكانه المطرقة والمنجل، مجسدًا بذلك آيديولوچية تجمع بين اليسار واليمين، والأحمر والبنى، والشيوعية والفاشية.
قبل ذلك بعام، زار ليمونوڤ الزعيم الصربى (المدان لاحقًا بارتكاب جرائم حرب) رادوڤان كاراديتش، وأطلق وهو يبتسم للكاميرات عدة رصاصات على سراييڤو. وكان شعار الحزب الوطنى البلشفى الذى صاغه ليمونوڤ «نعم للموت!». ذلك أن التجاوز لا يساوى التسامى، والمتحررين ليسوا دائمًا أحرارًا.
فى نيويورك، كان من بين أصدقاء ليمونوڤ الكاتب ترومان كابوت، ومؤسس ستوديو 54 ستيڤ روبيل، لكنه فى موسكو، كان على علاقة ودية مع ڤلاديمير جيرينوڤسكى، عضو مجلس الدوما المعادى للسامية، والفيلسوف ألكسندر دوچين «راسبوتين بوتين»، الذى كان شعاره «روسيا وبس والباقى خس!».
>>>
ينبغى دراسة دور رجل مثل هذا -موهوب ومتفان- دراسة متأنية عند بحث متى يكرس الكاتب نفسه طاقاته لأنشطة بغيضة كهذه. كانت حركة البلاشفة الوطنيين، أو النازبول -التى شارك دوچين فى تأسيسها، وحظرها الكرملين لاحقًا- هى ما وصفه كاتب السيرة إيمانويل كارير بأنها «الثقافة المضادة الروسية»، بل و«الوحيدة»، فى فترة ما بعد الحرب الباردة. لكن الثقافة المضادة ليست بالضرورة خيرًا محضًا، بالطبع. فالتخريب قيمة محايدة فى حد ذاتها، والسؤال دائمًا هو ماذا يُخَرَّب، خشية أن تكون النتيجة «شرطة سرية ترتدى جلد الغزال والچينز» حذر منها چيلو بيافرا فى أغنيته «كاليفورنيا فوق الجميع».
كانت الابتسامة الساخرة والضحكة الخافتة سمتين أساسيتين للفاشية المعاصرة «المستهزئة». ومع أنه كان يصور نفسه كمعارض للحاكم الشاب آنذاك، فقد تخيل ليمونوڤ بوتين قبل بوتين نفسه، ما وصفه بيتر بوميرانتسيڤ فى كتابه «لا شىء صحيح وكل شىء مباح: القلب السوريالى لروسيا الجديدة» بأنه «مزيج موسكو الفريد من الابتذال والتهديد». رؤوس حليقة ترتدى أحذية دكتور مارتنز وتؤدى التحية النازية، ومتصوفون أرثوذكس يهللون لروسيا الأم العظمى. كان ليمونوڤ ليبرر ذلك بأنه استفزاز على طريقة موسيقى البانك روك، مثل الصليب المعقوف على قميص سيد فيشوس، وهو أسلوب دعائى مشوش للثقافة تعلمه فى حيى باورى وألفابيت سيتى، لكنه ينذر بالخطر فى عام 2025. لأن ما أزعج ليمونوڤ لم يكن نفاق الغرب، بل القيم الليبرالية نفسها. فهو، فى النهاية، ناشط اعتقلته السلطات الأوكرانية عام 1999 بعد تظاهرة غير مرخصة فى سيڤاستوبول ضد معاهدة الصداقة والتعاون بين كييڤ وموسكو.
لو لم يمت ليمونوڤ قبل عام من اندلاع الحرب الحالية، لكان من الصعب ألا نتخيله يهلِّل للجرائم الروسية. ربما كان بوتين خصم الكاتب، لكنهما سيتفقان على ما يصف به كارير مواقف النازية البلشفية فى كتابه «ليمونوڤ: المغامرات الفاضحة للشاعر السوڤيتى الراديكالى الذى أصبح متشردًا فى نيويورك، وشخصية مثيرة فى فرنسا، وبطلاً سياسيًا مناهضًا فى روسيا» بأن «الإيمان بحقوق الإنسان والديموقراطية» وهم هزلى قائم على «يقين منح الحقيقة والخير والجمال للمتوحشين».
>>>
من سجن ليفورتوڤو، حيث احتجز ڤلاديمير بوتين إدوارد ليمونوڤ بتهم ملفقة تتعلق بالأسلحة، وتهمة زائفة بأنه كان يخطط لغزو كازاخستان (فالشموليون لا يطيقون أى منافسة)، طرح الشاعر فى كتابه الصادر عام 2003 «روسيا الأخرى» -أحد ثمانية كتب كتبها خلال فترة سجنه- بأن «أنواعًا كثيرة من الناس عليها أن تختفى… سيموت الناس صغارًا، لكن ذلك سيكون ممتعًا… سنحرق الجثث». أهو قناع؟ مناورة؟ حيلة بلاغية؟ حتى لو كان كذلك، فثمة خطر دائم فى أن يتحول القناع إلى وجه.
يُظهر ليمونوڤ فى ليفورتوڤو أن الكاتب المضطهد ليس بالضرورة صوتًا للتسامح وحرية التعبير، ويشهد على ذلك إزرا باوند الذى عمل فى راديو روما خلال الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، ففى الدولة الشمولية غالبًا ما يصبح الكتاب شهداء لحرية التعبير، منهم منشقون، مثل ڤاتسلاڤ هاڤل وألكسندر سولچينتسين، أو منفيون مثل تشيسواڤ ميلوش وچوزيف برودسكى.
«إن أمتن دفاع ضد الشر هو الفردانية القصوى»، هكذا تحدث برودسكى فى خطاب تخرج ألقاه فى كلية ويليامز عام 1984 «أصالة التفكير، النزوع إلى الطرافة، بل -إن شئت- الغرابة». كلام معقول وفق حدوده، لكن ليمونوڤ كان أيضًا فردًا، وكان أصيلاً، بل وطريفًا وغريب الأطوار. وهذا يشى بالطبيعة المزدوجة -اليانوسية- [يانوس الإله الرومانى ذو الوجهين] للكتابة: أن تفكر فى نفسك ككاتب، وأن تؤمن بقدرتك على إنتاج الأدب، أى إعادة تنظيم الواقع. وهو ما يتطلب قدرًا من النرجسية هو ذاته سمة من سمات الشمولى. فما القائد الشمولى إن لم يكن فردانيًّا يدفع بهذا المبدأ إلى نهاياته القاسية، ماحيًا فرادة الجميع محولاً إياهم إلى مجرد شخصيات درامية؟
فى حفل تسلمه جائزة نوبل عام 1989 قال هاڤيل: «لا شك أن عدم الثقة بالكلمات أقل ضررًا من الثقة المفرطة بها»، وهذا تحديدًا ما يجعل المستبدين يتوددون للكتاب بنفس سهولة قمعهم لهم، لأن الكلمات غامضة، ساحرة قادرة على إحداث التغيير.
قبل سبعة عقود من إطلاق ليمونوڤ النار من رشاشه على سراييڤو، انطلق شاعر آخر فى مغامرة كرواتية على بعد نحو خمسمئة ميل شمالاً من رييكا، التى عرفت آنذاك باسم فيومى. لم يكتفِ الروائى الإيطالى، الأرستقراطى والمغامر والكاتب المسرحى والعاشق والراوى والطيار والرومانسى والمتحرر والشاعر والجندى جابرييل دانونزيو بإطلاق النار خلال فترة السلام الهشة التى أعقبت الحرب العالمية الأولى، بل قاد جيشًا كاملاً، رغبة فى تغيير معاهدة مؤتمر باريس للسلام لدول الوفاق الثلاثى.
كان دانونزيو، وهو أرستقراطى أنيق بلحية مدببة ورأس أصلع (ما جعله، للمفارقة، يشبه و إى ب دو بواز [W. E. B. Du Bois مفكر وعالم اجتماع ومؤرخ وناشط سياسى أمريكى، 1868-1963. من أبرز المناضلين من أجل حقوق السود فى الولايات المتحدة])، انتقاميًّا لا يلين ومؤيدًا راديكاليًّا لاستعادة الأراضى، فجمع كتيبة من رفاقه المحاربين القدامى من الكتيبة الأولى من فوج جرينادير الثانى التابع للجيش الملكى الإيطالى، وفرقة من قوات أرديتى النخبوية، ممن انجذبوا إلى بطولاته التى تضمنت إلقاء منشورات من طائرة ذات جناحين فوق ڤيينا، وزحفوا إلى فيومى، طاردين قوات الحلفاء التى كانت تحتل المدينة آنذاك، معتبرين فى هذه البقايا من الإمبراطورية النمساوية المجرية حقهم الشرعى المقدس.
وكما كتبت لوسى هيوز-هاليت فى سيرته الذاتية «الرمح»: «كان جابرييل دانونزيو، شاعرًا مغويًا، وواعظ حرب… ورجلاً ذا آراء سياسية حادة، وإن كانت غير متماسكة»، وفى الوقت نفسه «أعظم شاعر إيطالي» (وهى صفات لم تكن منفصلة).
كان دانونزيو مثالاً متأخرًا للانحطاطيين والرمزيين فى الزمن الجميل، إذ كرس شعره ونصوصه الأوبرالية ومسرحياته ورواياته للتجربة الجمالية قبل كل شىء. وكان شغوفًا بالفن معارضًا للوعظ والتلقين، إذ يذوب فى روايته «طفل المتعة» عام 1889 فى وصف كيف أن هناك «أفواه نساء تبدو كأنها تشتعل بحب تشرعه الأنفاس… بدم أغنى حمرة من الأرجوانى، أو متجمدة بشحوب العذاب، من العشاق الذين يشعون بجمال مختلف، سعيد وحزين، بارد ومتقد، قاس ورحيم، متواضع ومزهو، ضاحك وساخر».
شخصية عاشت فى تناقضات، خصوصًا فى آرائها السياسية، الشاعر الحالم ورجل الميدان الذى استولى على فيومى. وفى روايته «اللهب» 1900، التى ظهر فيها التأثر بفريدريك نيتشه، أسهب دانونزيو فى وصف مدينة ڤينيسيا، لكنها بعد عقدين من الزمن، كانت فيومى. فالمدينة العريقة التى أنهكها الزمان، برخامها المتآكل وأجراسها البالية، وكل تلك التفاصيل المثقلة بذكريات الماضى... كانت ربما تنتظر جيلاً جديدًا من العمالقة، وكان الشاعر قائد هؤلاء العمالقة. بذكائه وشجاعته غرق الشاعر والجندى ذاته، وحول مدينة الأدرياتيكى إلى مخطوطته الشخصية.
أسس دانونزيو ولايته الخاصة، مقاطعة كانارو الإيطالية، وعُين قائدًا لها. واستمرت ولايته لما يزيد على عام. كانت أشبه بمملكة شعراء (أقيمت دروس اليوجا فى ساحة المدينة)، وضمت من بين «الجماعات» العشرة التى حكمت، نقابات العمال والمزارعين والمعلمين (وغيرهم)، جماعة مكرسة لـ»الإنسان الأعلى»، وهم الشعراء والحالمون الذين تجاوزوا الخير والشر، مثل القائد نفسه.
ولأن دانونزيو كان يتأرجح بين أقصى اليمين واليسار، فقد دمج عناصر من نظام الجماعات والنقابات فى الدستور، لكن عبادة شخصيته القوية كانت هى المبدأ المنظم. ولأنه ضجر من السياسة، رأى الحكم مشروعًا مسرحيًّا ضخمًا، فأدخل بعض المستجدات، منها القمصان السود والتحية الرومانية، وخطابات الشرفات والمسيرات العسكرية، واتخذ الرجل المعروف باسم «الشاعر» و«النبى» لقبًا جديدًا هو «الدوتشى».
دولة خيالية، متخبطة، خلقت من العدم، لا يحكمها العقل بل شىء باطنى وبدائى وخفى. كان الاستبداد هو الموضوع الشعرى لدانونزيو، وقد سطع كنجم الصباح للفاشية، تلك الآيديولوچية العدمية التى نتجت عن الفن للفن الذى وصل إلى أقصى حدوده اللاإنسانية.
>>>
ما وصفه الروائى اليابانى يوكيو ميشيما -وهو زعيم شبه عسكرى فاشى متطرف، مفتول العضلات، مهووس بالساموراى، ذو نزعة قومية متطرفة، كان يمارس العادة السرية أمام صور الشهداء الكاثوليك- فى روايته «معبد الجناح الذهبي» عام 1959، هو كيف احتوى إحساسه بالجمال على «أحلك الأفكار الموجودة فى هذا العالم». كتب ميشيما هذا السطر قبل أحد عشر عامًا من محاولته الفاشلة للانتحار (بالسيبوكو) عقب محاولته الاستيلاء على قاعدة عسكرية فى طوكيو، فى تذكير بقصة ليمونوڤ فى كازاخستان، ودانونزيو فى فيومى.
فى عام 1920 احتل الجيش الإيطالى فيومى، وعاد دانونزيو إلى إيطاليا حيث لم يواجه أى عقاب رسمى على تمرده. وبعدها بعامين، زحف بينيتو موسولينى على روما، لكن ليس قبل أن يقنع دانونزيو بالتنحى عن العمل السياسى الانتخابى، ما تطلب مزيجًا من الرشوة والإلقاء من النافذة (استمتع الشاعر بالأولى ونجا من الثانى).
قبل أن تصل الفاشية إلى السلطة، كانت مجرد تمرين أدبى لدانونزيو، وجدها فى «جحيم من الفراغ الفاسد»، كما كتب فى قصائد الفردوس، حيث «كل شىء حلم، كل شىء لا شىء/ زهرة العالم هى زهرة البروق»، بحيث ينبغى السيطرة على المواطنة والتعاطف والتضامن، وأن يتعلم المريد «الخضوع... أكثر فأكثر لسحر النوم».
الأسطورة والخيال هما ما يتاجر به الفاشيون؛ عن روسيا التى ستعود عظيمة، أو إيطاليا التى ستعود عظيمة، أو أى مكان آخر سيعود عظيمًا (دائمًا ثمة مكان ما)، على حساب أرواحنا. هذا هو خطر المزاج الفنى فى أقصى حالاته، ما احتفى به نيتشه فى كتابه «مولد التراچيديا» بوصفه «ديونيسوسيًّا»، حيث يثرى الفنان كل شىء من فيض ذاته: فكل ما يراه، وما يريده، يُرى منتفخًا متماسكًا قويًّا مثقلاً بالقوة، حتى يصبح كل الواقع مجرد «انعكاسات لكماله».
هذا التمجيد للتجربة الخالصة هو عبادة للموت، إذ لا يستطيع هذا الفنان أن يتصور العالم خارج نطاق فرديته، ولا أن يتصور بقاء الآخرين بعد فناء الشاعر. ولنتأمل فى قصيدة ليمونوڤ «نعم، أيها الموت!»، وفى رواية دانونزيو «انتصار الموت» الصادرة عام 1894. إذ يتوهم الفاشى، مثلما يتوهم الشاعر المتعجرف، أن بإمكانه إعادة خلق العالم بالكلمات وحدها. وثمة نزعة جمالية خالصة خطيرة لدى الفنان الذى يرفض التعاطف، لأنه حين يُنصِّب نفسه سيدًا، يعتقد أنه هو من يقرر الاستثناء.
قد يتلذذ ليمونوڤ أو دانونزيو أو ميشيما، ناهيك بجوبلز (الذى كتب روايات)، أو كاراديتش (الذى كتب شعرًا)، بالتجاوزات المناهضة للحرية، وبالسلطوية المناهضة للقواعد، لكن ذلك نتاج عبادة للجمالية. وكعادته المتمردة فى مقابلاته يرفض ليمونوڤ «المحافظين»، مع أن الجمالية غير السياسية غير محايدة إطلاقًا، فقد اختارت جانبها بالفعل. ومهما بدت هذه الفكرة بديهية، فإن قيمة الكاتب -بعيدًا عن موهبته الفردية- تكمن فى عدم تأييده للموت والاستبداد، بل فى تأييده لنقيضهما.