جدل فنى قديم
جدل فنى قديم: «يا فايتنى وأنا روحى معاك» بين رامى وأبو سمية
الأحد، 10 مايو 2026 - 11:32 ص
محمد الحمامصى
بدأ عبد العزيز سلام تجربته فى زمن كان فيه الزجل أحد أبرز أشكال التعبير حضورًا فى الحياة الثقافية المصرية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، إذ كانت الصحف والمجلات تعجّ بنصوص الزجالين الذين يوقّعون بأسماء مستعارة مثل «أبو سمية» و«أبو بثينة» وغيرها، وكان هذا اللون قريبًا من الناس فى لغته وموضوعاته، ومتصلاً بإيقاع الحياة اليومية وهمومها. وفى هذا المناخ جاور سلام أسماء لامعة مثل بيرم التونسى وبديع خيرى ويونس القاضى وحسين شفيق المصرى وسعيد عبده، ممن أسهموا فى ترسيخ حضور الزجل فى الصحافة والفن، حيث لم يكن الزجل مجرد لون أدبى، بل كان جزءًا من صناعة الترفيه والوجدان العام، يتقاطع مع المسرح الغنائى والاسطوانة والإذاعة. ومن داخل هذا السياق تدرّج سلام إلى كتابة الأغنية محتفظًا ببساطة التعبير ووضوح المعنى، وهى سمات أساسية فى الانتقال من الزجل المكتوب إلى الغناء المسموع، ليكون واحدًا من جيل نقل هذا الفن من صفحات الجرائد إلى فضاء السينما والموسيقى دون أن ينفصل عن روحه الأولى.
غير أن صعوده، وهو الذى كان لا يزال زجالا مجهولا لم يغن له أى من المطربين، وينشر باسم «أبو سمية»، ارتبط بواقعة لافتة نشرتها مجلة «الجامعة» عام 1934، دارت حول نسبة أغنية كلمات أغنية أم كلثوم «يا فايتنى وأنا روحى معاك» إلى أحمد رامى، إذ نشرت المجلة رسالة موقّعة باسم «عزت السيد إبراهيم» تشكك فى هذه النسبة، وتُرجع النص إلى «أبو سمية»، مستندة إلى دعوى نشره سابقًا فى إحدى المجلات، ومرفقة بسرد تفصيلى لظروف تأليف مفترضة. وقد أثارت هذه الرسالة ردًا من محمد القصبجى، ملحن الأغنية، الذى أكد أن النص لرامى، مستندًا إلى شهادة مباشرة بملابسات كتابته فى حضرته وحضرة أم كلثوم، وإلى ما ورد فى تسجيلات الأسطوانة وبرامج الحفلات والإذاعة.
وتكشف هذه الواقعة، فى حدود النصوص المنشورة، عن أكثر من دلالة؛ فهى من جهة تعكس طبيعة السجال الصحفى فى تلك الفترة، حيث كانت المجلات تتيح مساحة لرسائل القراء والردود، بما يحول بعض القضايا الفنية إلى موضوع نقاش عام، وهى من جهة أخرى تبرز حساسية مسألة «نسبة النصوص» فى بيئة كان فيها التداول الشفهى والنشر المتفرق يتيحان التباس الملكية الأدبية، خاصة فى مجال الزجل والأغنية. وفى الوقت نفسه، يظهر اسم «أبو سمية» هنا بوصفه اسمًا حاضرًا فى هذا الجدل، لا باعتباره مجرد توقيع مستعار، بل كهوية أدبية تحاول أن تثبت وجودها داخل حقل تنافسى يضم أسماء مستقرة مثل رامى. ومن ثم يمكن النظر إلى هذه الواقعة بوصفها مؤشرًا على آليات الحضور والانتشار فى ذلك الزمن، حيث يتقاطع النشر الصحفى، والجدل النقدى، وسوق الغناء، فى تشكيل مسار الشاعر، قبل أن يظهر عبد العزيز سلام لاحقًا باسمه الصريح فى صفحات المجلة نفسها، متحركًا من دائرة الزجل إلى فضاء أوسع من الكتابة الغنائية والفنية.
>>>
وهذا نص رسالة الكاتب المجهول (8 نوفمبر 1934) ورد محرر المجلة ونص رد القصبجى (22 نوفمبر 1934):
بين رامى وأبو سمية
من منهما مؤلف أنشودة «يا فايتنى وانا روحى معاك»؟
اطلعت فى عدد «الجامعة» الأخير فى صفحة 17 على مقال نشر تحت عنوان «أم كلثوم تحب وتبكى لسماع الشيخ محمود صبح.. السر فى وضع أنشودة يا فايتنى وأنا روحى معاك».
ولما كان حضرة الكاتب يجهل مؤلف هذه الأغنية وينسبها الى الأستاذ أحمد رامى أردت أن أوضح الحقيقة..
أما المؤلف الحقيقى لهذه القطعة فهو الشاعر الفنان «أبو سمية» عبد العزيز سلام رئيس رابطة الشباب، وقد نشرها فعلا فى إحدى المجلات فى سنة 1931 قبل ظهور هذا القطعة فى الأسطوانة بمدة عامين. وقد أرسلت المجلة التى نشرت بها القطعة مع المقال.. وأما مناسبة تأليف القطعة والسر فى وضعها والظروف التى أحاطت بها فسأذكر الشىء القليل:
حدث سوء تفاهم بين مؤلف هذه القطعة وبين صديقته، وحاول هو أن يصلح ما بينهما، ولكنها أصرت على إرجاع خطاباته إليها على أن ترجع له خطاباته، وكل شىء يختص به. كانت الصدمة قاسية على صديقنا الشاعر الذى عاد إلى بيته حزينا مهموما يفكر فى مصير هذا الحب الذى دام بينهما خمس سنوات طوال، غير أنه ما كاد يجلس حتى خطر على باله بيت هو:
يا تاركنى وأنا روحى معاك
آدى آخرة ذلى فى هواك
فأمسك القلم لكى يجعل هذا البيت ابتداء لأنشودة، غير أنه ما كاد حتى دخلت عليه صديقته، والخطابات بين يديها فناولتها له بيد مضطربة وقلب مفعم بالأسى.. ولفرط ألمها تأرجحت الدموع فى مآقيها، فغالبتها لحظة، ولكنها غلبتها فانحدرت على خديها، وعجب هو لذلك فسألها علة هذا البكاء غير أنها لم تجب وأبى كبرياؤها إلا أن تهرول إلى خارج البيت، وهى تجفف دموعها التى كانت لا تزال تسح من عينيها الحزينتين.. وهناك عرف الشاعر ما يدور بخلد صديقته من الندم على ما فعلت. وتذكر الشاعر بعد ذلك البيت الذى طرق مخيلته غير أن (العجز) لم يرقه فغيَّره فكان:
یا تاركنى وأنا روحى معاك
ما تقول لى كان إيه بكاك؟
وأتم بعد ذلك الأنشودة بعد أن غير (يا تاركنى) ووضع مكانها (يا فايتنى) فكانت أعذب منها وأوقع فى النفس.. وأرسل الأغنية إلى صديقته فى خطاب فكانت سبب الصلح حتى أنها اقترحت عليه بعد ذلك أن يهديها لإحدى المطربات فلبى طلبها.
وبعد مرور عامين ملأت الآنسة أم كلثوم تلك الأنشودة على أسطوانة بعد أن اختصرتها ورفعت منها الأبيات الأخيرة وهى:
تعالا لى يا حبيبى وعود
خلينى اتمتع برضاك
وتجدد مواثيق وعهود
وتقول لى كان إيه بكاك
وأظن أن القارئ معى فى أن الآنسة أم كلثوم غير محقة فى حذف (الكوبليه) الأخير لأنه أعذب ما فى القطعة.
عزت السيد إبراهيم
>>>
من هو مؤلف «يا فايتنى وأنا روحى معاك»؟
رد الموسيقى المعروف الأستاذ محمد القصبجى ملحن القطعة
زوبعة فى فنجان بقهوة الفن
ذكرت فى العدد 144 من مجلة «الجامعة» تحت عنوان «أم كلثوم تحب وتبكى لسماع الشيخ محمود صبح.. السر فى وضع أنشودة يا فايتنى وانا روحى معاك»، ونشر هذا المقال فى الصفحة رقم 17 من هذا العدد، وقد ذكرت فيه أن الطقطوقة من تأليف الأستاذ أحمد رامى، وقلت إن السر فى وضع تلك القطعة هو أن أم كلثوم كانت تسمع الأستاذ الشيخ محمود صبح فى حفلة خاصة ومعها الأستاذ أحمد رامى، وأنها أخذت من الدور الذى كان يغنيه الشيخ صبح فى تلك الليلة فبكت، واندهش رامى لهذا البكاء، فسألها عن السبب فيه وألح وألحف فى معرفته فلم يوفق، ففكر فى جملة يقولها لأم كلثوم قبل أن ترحل فارتجل البيت الأول من القطعة وقاله لها وهى تركب سيارتها وهو:
يا فايتنى وأنا روحى معاك
ما تقول لى كان إيه بكاك؟
وأعجبت أم كلثوم جداً بهذا البيت، وطلبت من رامى أن يجعل منه أنشودة يقدمها إلى الأستاذ القصبجى، فنفذ رامى الطلب وقدم القطعة إلى القصبجى فى اليوم التالى كما ذكرت فى كلمتى السابقة.
ولکنی دهشت عندما اطلعت على العدد 145 من «الجامعة»، وقد نشرت فيه كلمة يقول فيها كاتبها بأن الأنشودة ليست من تأليف الأستاذ أحمد رامى، ولكنها من تأليف أحد الزجالين! ثم ذكر حادثة وهمية قال فيها إن حضرة الزجال الذى ينسب لنفسه تأليف هذه القطعة كان قد تشاجر مع صديقته وقطع علاقته بها ثم دخلت عليه وبكت، ثم قال بأن هذا الحادث هو الذى أوحى إلى حضرة الزجال بوضع «يا فايتنى وانا روحى معاك»!
وكنت لا أريد الرد على هذا الموضوع لأن القراء أنفسهم يفهمون أن قطعة «يا فايتنى وانا روحى معاك» ما هى إلا من تأليف الأستاذ أحمد رامى كما هو مكتوب فى كتالوج شركة أديون، وكما هو مذكور فى بروجرامات السينما التى كانت تعمل بها أم كلثوم فى الشتاء الماضى.. فقد كانت تضع فى البروجرام القطع التى ستغنيها فى الحفلة مع أسماء مؤلفها وملحنها، ففى كل مرة كانت تضع فوق هذه القطعة أنها من تأليف أحمد رامى وتلحين القصبجى.
وقد أذاعت أم كلثوم هذه القطعة بالراديو قبل أن أكتب كلمتى الأولى بأسبوع واحد، وقالت حضرة الآنسة المذيعة فى هذه الليلة بأن الآنسة أم كلثوم ستغنى فى وصلتها الثانية طقطوقة «يا فايتنى وأنا روحى معاك» تأليف الأستاذ أحمد رامى تلحين الأستاذ القصبجى.
وعلى هذا الأساس وقفت أنا عن الرد ولكن الأستاذ محمد القصبجى ملحن القطعة أبى أن يترك هذا الموضوع يمر، فأرسل لى خطابا يجده القارئ مع هذا الكلام وقد قال فيه ما يأتى بالنص:
حضرة السيد أفندى حسين حلمى
بعد التحية أكتب إليك اليوم بصفتى ملحن طقطوقة «يا فايتنى وانا روحى معاك»، فأعرفك بأن الطقطوقة من تأليف الأستاذ أحمد رامى وهو الذى قدمها لى لتلحينها وذلك للمعلومية وللحقيقة التى نشرتها وذكرتها فى مجلة الجامعة فى العدد الماضى.
وتقبل تحياتى».
10 نوفمبر 1934
محمد القصبجى
>>>
ومن هذا الخطاب وحده يمكن أن نحكم على حضرة الكاتب إذا كان محقاً فى قوله أم لا، وعلى كل فقد يجوز أن يكون له بعض العذر للوقوع فى هذا الخطأ لأنه اطلع على القطعة منشورة فى إحدى المجلات الصغيرة منذ عامين تقريبا بإمضاء الزجال المذكور، وأنا أذكر تماما أنى اطلعت على هذه المجلة وهى «مجلة الفنون» على ما أذكر وقد تصادف يوم صدور هذه المجلة أن كان الأستاذ أحمد رامى فى الإسكندرية وكنت معه أنا والأستاذ القصبجى، وكانت هذه القطعة هى موضع فكاهتنا فى تلك الليلة لأن الأستاذ رامى نفسه دهش لجرأة ذلك الزجال الذى نشر القطعة وادعى أنها من تأليفه مع أنها من تأليف رامى، وكانت قد ظهرت الأسطوانة فى تلك الأيام، وكتبت الشركة فى كتالوجاتها أن مؤلف القطعة أحمد رامى.
وعلى كلٍّ فهذه القطعة سواء للأستاذ رامى أو لحضرة الزجال فهى لم تكن معجزة الفن فقد سمعنا منذ عشر سنوات تقريبا قطعة بهذا المعنى تماما ومن نفس نغم الحجاز «کار کرد» اسمها «یا واخده قلبى وياكى» من تأليف الأديب محمد حسين الكشير، وقد نشرت عام 1926 بـ «مجلة الصباح» وكانت تغنيها كثيراً فى صالات الإسكندرية والقاهرة السيدة سمحة بغدادى قبل اعتزالها الغناء.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا
يد من رمال: تكريس الذاكرة وحمايتها!
نعود لنرسم وجه الطفولة: الهجرة إلى الأحلام
ورود يوم القيامة: الغزّيون فى طريق الآلام العالمى
صمت الرب الطويل: ملحمة الإيمان الهادئ لماريا القبطية
إسكندرية فين.. رحلة تناجرا
الصبار: ما خطبك يا صفية؟ ماذا فعلتِ؟









