عبر دراسة أعمال الفيلسوف اللاهوتى أغسطين

وزارة الثقافة والفنون

الأحد، 10 مايو 2026 - 11:50 ص

أخبار الأدب

الجزائر:خالد منصور على مدار ثلاثة أيام نظمت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية تظاهرة فكرية تحت عنوان «اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر.. أغسطين، تجلٍّ جزائري إفريقي ومتوسطي». ولعل ما يلفت الانتباه أن يكون حدث ثقافي فكري فلسفي تحت رعاية رأس الدولة، السيد عبد المجيد تبون رئيس الجمهورية الجزائرية، وهو ما يعكس اهتمامًا الثقافة والفكر والمعرفة كما يشير إلى أهمية هذا الحدث وتنوع محاوره ومناقشاته وأهدافه. ويشير عنوان اللقاءات إلى الدائرتين الإفريقية والمتوسطية والتي تمثل الجزائر -بموقعها الجغرافي والتاريخي الفريد- حلقة وصل طبيعية بين الشمال والجنوب، بين ضفتي المتوسط وإفريقيا وهو ما انعكس في حضور أكثر من ستين باحثًا يمثلون كلتا الدائرتين. فالجزائر المؤهل لبناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب وجد في الفكر رافعة أساسية لبناء تلك الجسور مؤمنًا بأن الحوار الثقافي والفلسفي هو أفضل السبل لمواجهة العزلة والانغلاق وانتشار الصور النمطية السلبية عن الآخر، وأن الفلسفة والفكر النقدي قادر على المساهمة في معالجة القضايا الواقعية خاصة مع تنامى العنف والعنصرية والشعبوية والحروب. وبهذه اللقاءات تصبح الجزائر مساحة لاحتضان اللقاءات الفكرية العالمية وتعيد قراءة تراثها الفكري والفلسفي والثقافي قراءة نقدية ومعاصرة للاستفادة منه في اللحظة الراهنة عبر تصالحها معه وإحياء أبعاده الإنسانية والحضارية، فالقطيعة مع الماضى قد تجعلها هشة أمام تيارات العولمة والقضاء على الخصوصية. كما تسهم هذه اللقاءات عبر نقل فعالياتها في وسائل الإعلام المختلفة وتسليط الدور على محاورها وقضاياها وأسئلتها في تقريب الفكر والفلسفة إلى رجل الشارع العادي. وتحتفي اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر في دورتها الأولى بواحد من الأسماء اللامعة في تاريخ الجزائر. ويعتبره البعض أعظم فيلسوف مسيحي في العصور الوسطى، وصاحب التأثير الأعمق والأطول. ومن أشهر الفلاسفة المؤثرين في تاريخ الفكر الإنساني على الإطلاق والفكر السياسي المسيحي الكاثوليكي على الخصوص. هو الفيلسوف اللاهوتي أغسطين المولو في تاغاست (سوق أهراس بالجزائر حاليًا) ابن القديسة مونيكا المسيحية المؤمنة، وباتريسوس الوثني الذي اعتنق المسيحية على فراش الموت، وهو نفسه اعتنق المسيحية عام 386 م بعد مروره على المانوية وتحمسه للأفلاطونية المحدثة وقام امبروز بتعميده. صاحب مؤلفات «الاعترافات»، و«مدينة الرب»، و«عن الموسيقى»، و«عن الثالوث» وغيره العديد من المؤلفات التي تركت أثرها في مسار الفكر العالمي، أغسطين الرحال بين ضفتي المتوسط الذي تسعى وزارة الثقافة والفنون الجزائرية إلى توثيق مساراته ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. هو القديس الذي قدم البابا ليون الرابع عشر نفسه للعالم في أول خطاب له من شرفة كنيسة القديس بطرس قائلا إنه ابن القديس أغسطين. وفي افتتاحها لفعاليات الدورة الأولى من اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر قالت د. مليكة بن دودة وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية أن القديس أغسطين يعد حلقة مهمة في التراث الجزائري العريق في شقه المرتبط بالعلوم والفلسفة، كما تعد جامعته الأولى «مادور» حلقة مهمة في التراث الإنساني الجزائري، فقد كان حامل رسالة سلام ومحبة منطلقًا من أرض أجداده الجزائر الإفريقية والمتوسطية وأن أتباعه قد نقلوا تلك الرسالة واحتفوا بها لقرون طويلة». فأغسطين الذي ولد ونشأ ضمن طبوغرافيا تتحدد جغرافيتها بين ثنائية المدنس والمقدس على تخوم الثقافة الوثنية والديانة المسيحية، وعاش على ضفتي المتوسط، واستوعب إرثًا مزدوجًا قوامه الأفلاطونية والمسيحية، يعد تجسيدًا لنموذج الإفريقي المتوسطي بامتياز. أسس أغسطين فكرًا كونيًا انطلاقًا من تكوينه ونشأته في الجزائر الإفريقية ليشع تأثيره من المحلي إلى العالمي. وتضع الدورة الأولى من اللقاءات اللإفريقية المتوسطية للفكر التراث الأغسطيني في ميزان البحث العلمي الدقيق والفهم الفلسفي العميق عبر ستة محاور. المحور الأول تحت عنوان «الإنسان، والفيلسوف، والروحي» يطرح سؤالًا هل أغسطين فيلسوف أم لاهوتي؟ من خلال الاشتغال على مؤلفه «الاعترافات»، أم المحور الثاني بعنوان «الانتماء الثلاثي: جزائري، وإفريقي، ومتوسطي» فيبحث في العناصر المحلية التي ظلت تسكن فكره على انغماسه في الثقافة الرومانية واليونانية، وإمكانية قراءته ضمن إطار إفريقي محلي، والمحور الثالث «التأثير في الإفريقي والمتوسطي» يبحث في انتقال مؤلفاته واستقبالها وأثرها في إعادة تشكيل مفاهيم العقل والإيمان والأخلاق والمدينة والسلطة والشرعية، وما الأدوار التي لعبها مذهبه الفكري في العالم. أما قدرة فكره ومفاهيمه على فهم أزمات الإنسان المعاصر وتذليل الصعوبات وتجاوز الخلافات بين الثقافات فكانت موضوع المحور الرابع «الصحة الحضارية وأزمات الإنسان الجديدة»، وبحث ما إذا اعتبر الاختلاف نقصًا أم فرصة للتكامل والتهذيب في المحور الخامس «أغسطين والتقاء الثقافات». وقد يبدو أن المحور السادس ينحو إلى خصوصية جزائرية محلية بدراسة الحضور الأغسطيني في السياق الجزائري الحديث وخاصة خلال الفترة الجزائرية بتمجيده للإرادة والعقل ودعوته لترسيخ الكرامة الإنسانية إلا أننا نجد أن الفكر الأغسطيني والثورة الجزائرية هي نموذج لدفاع الإنسان عن حريته وتقرير مصيره وعدالة قضيته أمام الاستعمار والاستبداد. وتمت تغطية تلك المحاور من خلال خمس جلسات علمية إضافة إلى جلستين تحت عنوان «نحو استئناس فلسفي» وشارك في الجلسات نخبة من الأكاديميين والمفكرين ودبلوماسيين ورهبان من دول إفريقية ومتوسطية مختلفة. ولم يقتصر الحدث على الجلسات العلنية والمناقشات، بل أقيم حفل فني بالموقع الأثري «الضريح الملكي الموريتاني» المشيد عام 40 ميلادي بتيبازه على بعد  70 كيلومترا من العاصمة الجزائر، في موقع يكتسى رمزية تاريخية وثقافية كبيرة يتمثل في ضريح سيليني كليوباترا (ابنة كليوباترا المصرية) والذي شيده الملك يوبا الثاني ليكسب اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر بعدًا حضاريًا مميزًا كما صرحت د. مليكة بن دودة وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية، التي ربما تجدر الإشارة إلى أنها خريجة قسم الفلسفة بجامعة وهران وحصلت على الدكتوراه من الجامعة نفسها في الفلسفة السياسية إضافة إلى انتمائها لشبكة النساء الفلاسفة التابعة لمنظمة اليونسكو العالمية. خرجت الدورة الأولى من اللقاءات الإفريقية المتوسطية بمجموعة من التوصيات أعلنتها د. نعيمة حاج عبد الرحمان رئيسة اللقاءات وهي تأسيس مركز «مادور» للثقافة والفكر، وطبع أعمال الملتقى، وترجمة نصوص أغسطين، وإدراج أغسطين في النصوص الجزائرية، وتشجيع دراسة اللغتين اللاتينية والإغريقية، وتدريس الفلسفة في أطوار تعليمية متقدمة، وفتح وحدات بحثية حول أغسطين، وإنتاج أفلام وأفلام وثائقية حول أغسطين. ومن اللافت للانتباه هذا الزخم من الفعاليات الثقافية التي تشهدها الجزائر فقد تزامن ختام اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر مع ختام الدورة السادسة من مهرجان عنابة السينمائي للفيلم المتوسطي والذي اختيرت جمهورية مصر العربية كضيف شرف لهذه الدورة، وفي اليوم نفسه تمت دعوة ضيوف اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر لحضور افتتاح الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الثقافي الدولي للموسيقى السيمفونية بمشاركة احدى وعشرين دولة من بينهم مصر، وهو ما يعكس الزخم الثقافي من خلال أنشطة وفعاليات ثقافية متنوعة ومختلفة جاذبة للجمهور لينهل من المعرفة والفكر والفن الرفيع. فنحن نتحدث عن مهرجان سينمائي وحلقات نقاشية فلسفية تحت رعاية رئاسية ومهرجان للموسيقى السيمفونية، ثلاث فعاليات ضخمة في فترة تقارب الأسبوعين فقط. وختامًا. تعد اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر.. أغسطين، تجل جزائري إفريقي ومتوسطي نموذجًا للفعالية الثقافية التي تحاول توصيل المعرفة والفكر والتنوير إلى الجمهور، وتشتغل على إبراز الهوية وموقع الأمة من التاريخ الحضاري والفكري من خلال إعادة قراءة تراثها ممثلًا في واحد من أهم قاماتها الفكرية وهو الفيلسوف أغسطين الذي ضرب بجذوره عميقًا في أرض الجزائر الإفريقية وتمتد فروعه إلى الضفة الأخرى من المتوسط لتنتقل ثمار فكره للعالم كله. وليتحول هذا التراث عبر النقاش والمسائلة إلى سبل لحل إشكاليات الإنسان المعاصر.