متحف اللوفر فى باريس
زودياك دندرة.. رحلة الخروج وحق الاسترداد
الحق التاريخى والأخلاقى والثقافى فى جانبنا:
الأحد، 10 مايو 2026 - 11:55 ص
د. محمد أبو الفتوح غنيم
فى القسم المصرى بمتحف اللوفر فى باريس، يقبع أكثر من خمسين ألف قطعة أثرية مصرية، تُعَدّ من أكبر وأهم مجموعات الآثار المصرية خارج مصر. خرج بعضُها من مصر تحت غطاءٍ من الشرعية، بينما خرج الكثير منها بطرق ملتوية، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فى زمن كانت فيه قوانين الآثار شبه غائبة أو ضعيفة أو موجَّهة، وكانت مصر واقعة تحت نفوذ أجنبى وسياسى معقّد، بين الدولة العثمانية ثم الاحتلالات الأوروبية، وفى فترة كانت فيها آثار مصر مسرحًا للمغامرين وطالبى الثروة والمتنافسين عليها، وتعانى الغفلة والإهمال وضعف الاهتمام بها من أهلها والمسئولين عنها.
ومن بين هذه الآثار المصرية المحفوظة فى اللوفر، يبرز أثر ذو أهمية خاصة من الناحية العلمية والتاريخية والفنية، يُعَدّ أحد أهم الكنوز الفلكية فى تاريخ الحضارة المصرية، إذ كان جزءًا أصيلًا من سقف إحدى الغرف فى معبد المعبودة حتحور بدندرة فى محافظة قنا، قبل أن يُنقل إلى فرنسا فى مطلع القرن التاسع عشر، وهو المعروف باسم زودياك دندرة ويرجع تاريخه إلى العصر البطلمى، على الأرجح إلى عهد الملك بطليموس الثانى عشر، أو إلى أواخر العصر البطلمى، أى نحو القرن الأول قبل الميلاد.
وكلمة Zodiac أصلها يونانى، مشتقة من لفظة Zōdiakos Kyklos، ومعناها الحرفى: «دائرة الحيوانات» أو «دائرة الكائنات الحية»، وذلك لأن كثيرًا من الأبراج الفلكية التى تمر بها الشمس خلال السنة تحمل أسماء حيوانات أو كائنات حية، مثل: الثور، والأسد، والعقرب، والحوت، والجدى، والسرطان، وغيرها. ثم اتسع استخدام المصطلح ليُطلق على دائرة الأبراج، أى المسار الظاهرى للشمس والقمر والكواكب عبر السماء، والمقسَّم إلى اثنى عشر برجًا فلكيًا.
هذا الأثر المصرى الفريد يتجاوز كونه لوحة حجرية دائرية منقوشة على سقف إحدى الغرف فى معبد دندرة، ليُعَدّ وثيقة تاريخية وعلمية دقيقة تمثل خريطة سماوية تُصوِّر الأبراج الفلكية الاثنى عشر المعروفة، وهى: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والعذراء، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت. كما يضم رموزًا للكواكب والنجوم، إلى جانب رموز دينية مصرية مرتبطة بالسماء والزمن، مما جعله واحدًا من أهم وأندر التمثيلات الفلكية الرمزية للسماء والزمن فى مصر القديمة وفى تاريخ علم الفلك. وقد وصفه بعض الباحثين بأنه «الخريطة الكاملة الوحيدة التى لدينا لسماء قديمة»، كما افترض آخرون أنه يمثّل الأساس الذى بُنيت عليه أنظمة علم الفلك اللاحقة.
● ● ●
وقد كان هذا النقش فى الطابق الثانى من المعبد، فى موضع يصعب الوصول إليه، الأمر الذى ساعد على احتفاظه بحالته المميزة عبر قرون طويلة. وكان من بين الآثار المصرية المهمة التى لفتت انتباه العلماء والفنانين الفرنسيين المرافقين للحملة الفرنسية على مصر فى نهاية القرن الثامن عشر (1798–1801م)، فكان من ضمن رسومات الفنان وعالم الآثار الفرنسى فيفان دينون (Vivant Denon)، الذى قام بتوثيق عدد كبير من المعالم المصرية القديمة، وكانت رسوماته من أوائل التوثيقات الأوروبية الدقيقة لمعابد مثل دندرة، والأقصر.. وغيرها. وقد ساهمت رسوماته ووصفه للآثار المصرية فى كتابه رحلة إلى مصر السفلى والعليا (Voyage dans la Basse et la Haute Égypte) عام 1802، فى إثارة موجة واسعة من الاهتمام بالحضارة المصرية فيما عُرف لاحقًا بـ «الهوس المصرى» (Egyptomania). وكان هذا الكتاب من الأعمال المؤسسة لعلم المصريات الحديث، وساهم بقوة فى تعريف أوروبا بآثار مصر القديمة. وكانت رسوماته عن دائرة الأبراج فى معبد دندرة الأكثر شهرة، إذ أثارت جدلًا واسعًا حول عمر هذا التمثيل الفلكى، وما إذا كان يمثل خريطة سماوية أم مخططًا فلكيًا، وعما إذا كان مفتاحًا لفهم علم الفلك عند قدماء المصريين، وإعادة كتابة تاريخ الإنسانية، وتفنيد بعض الرؤى التى طرحتها الكنيسة الفرنسية عن عمر الحياة وتاريخ الإنسان.
● ● ●
وقد دفع الشغف بهذا الأثر الفريد تاجرَ التحف الفرنسى سيباستيان سولنييه - الذى شغل سابقًا بعض المناصب الإدارية فى فرنسا خلال عهد نابليون بونابرت، منها منصب مفوض الشرطة فى ليون ومحافظ بعض الأقاليم الفرنسية، قبل أن يتجه إلى الاهتمام بالتحف والآثار والمطبوعات العلمية - إلى تكليف البنّاء والمهندس الفرنسى كلود لولوران عام 1820م بانتزاع دائرة الأبراج من سقف معبد دندرة. وتذكر بعض المصادر أنه تم الحصول على تصريح قانونى رسمى من والى مصر محمد على باشا عام 1820م، ويُذكر أن محمد على باشا كان يمنح فى تلك الفترة تصاريح (فرمانات) للأجانب للتنقيب ونقل بعض الآثار، وهو ما استُخدم غطاءً قانونيًا للعملية.
استغرقت عملية الإزالة اثنين وعشرين يومًا من الأعمال الشاقة، باستخدام وسائل عنيفة شملت المناشير، والرافعات، والمقصات، بل وتفجير أجزاء من السقف بالبارود، دون مراعاة لما قد يشكّله ذلك من خطورة بالغة على السقف والمبنى الأثرى كله، إلى أن تم الاقتلاع بعنف شديد أدى إلى إحداث فراغ ملحوظ فى سقف المعبد، وترك آثار تدمير وتشويه لما حوله. كان ذلك فى أبريل–مايو 1821م، ثم نُقل عبر النيل إلى الإسكندرية، حيث غادرها فى يوليو 1821م فى طريقه بحرًا إلى ميناء مارسيليا الفرنسى، فوصل فى سبتمبر 1821م، ومنه إلى باريس فى يناير 1822م، ليشتريه الملك الفرنسى لويس الثامن عشر بمبلغ ضخم قُدّر بـ 150 ألف فرنك، وأُودع لاحقًا فى المكتبة الملكية، قبل أن يستقر فى متحف اللوفر.
وقد ألّف سولنييه كتابًا بعنوان «ملاحظات حول رحلة السيد لولوران إلى مصر ومشاهدات حول زودياك دندرة الدائرى»، ويُعَدّ المصدر الأساسى فى توثيق عملية النقل. وبعد أن اقتُلع الزودياك من سقف المعبد، بقى مكانه فارغًا لسنوات طويلة، وهو ما مثّل خسارة أثرية وبصرية كبيرة، لأنه لم يكن مجرد لوحة منفصلة، بل جزءًا معماريًا وفنيًا من تكوين المعبد نفسه. ومع تزايد الاهتمام بالحفاظ على المعبد وإظهار صورته الأصلية للزائرين، قامت الجهات الأثرية المصرية بإعداد نسخة طبق الأصل من الزودياك، اعتمادًا على الدراسات الدقيقة، والرسومات القديمة، وصور القطعة الأصلية المحفوظة فى اللوفر، ثم أُعيد تثبيت هذه النسخة فى موضعها الأصلى تقريبًا داخل السقف، حتى يتمكن الزائر من تصور الشكل الحقيقى للمشهد الفلكى كما كان فى العصور القديمة. ورغم تطابق هذه النسخة قدر الإمكان من حيث الشكل والنقوش والتوزيع الفلكى، فإنها تبقى بالطبع نسخة غير أصلية، ولا تحمل القيمة التاريخية نفسها التى يحملها الأصل.
● ● ●
وتملك مصر أساسًا قويًا للمطالبة باسترداد هذا الأثر الفريد من متحف اللوفر، من حيث الحق التاريخى والأخلاقى والثقافى؛ لأن خروجه لم يكن اقتناءً مشروعًا بقدر ما كان شكلًا من أشكال الاختلاس والالتفاف. فلم يكن قطعة منقولة نقلًا عاديًا، بل كان جزءًا أصيلًا من سقف معبد دندرة، وقد اقتُلع من موضعه بوسائل عنيفة أحدثت تلفًا بالمعبد، فى فترة كانت فيها مصر تحت نفوذ أجنبى، ولم تكن هناك مؤسسة رسمية لحماية الآثار، ولا موافقة وطنية حقيقية بالمعنى المعاصر.
أما من ناحية الإجراءات القانونية الدولية، فالأمر يبدو أكثر تعقيدًا؛ لأن القوانين الدولية الحديثة، مثل اتفاقية اليونسكو الصادرة عام 1970م بشأن التدابير الواجب اتخاذها لحظر استيراد أو تصدير أو نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، وكذلك اتفاقية المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص (يونيدروا) لعام 1995م بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدَّرة بطرق غير مشروعة، لا تُطبَّقان بأثر رجعى.
والحقيقة أنه لا يوجد نص صريح داخل اتفاقية اليونسكو لعام 1970م أو اتفاقية 1995م يقول حرفيًا إنها «لا تُطبَّق بأثر رجعى»، وهذا ما يسبب كثيرًا من الالتباس، لكن الأساس القانونى هنا يأتى من مبدأ عام جوهرى فى القانون الدولى، وهو «عدم رجعية المعاهدات، المنصوص عليه فى المادة 28 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969م، والتى تنص على:
«ما لم يظهر قصد آخر من المعاهدة، أو يثبت ذلك بطريقة أخرى، فإن نصوص المعاهدة لا تلزم طرفًا فيها بشأن أى عمل أو واقعة تمت، أو أى حالة انتهى وجودها، قبل تاريخ دخول المعاهدة حيز التنفيذ بالنسبة لذلك الطرف».
والجدير بالذكر أن فرنسا، على الرغم من انضمامها الأولى إلى اتفاقية 1995م فى 24 يونيو 1995م، فإنها لم تستكمل إجراءات المصادقة النهائية، مما أفقد هذا الانضمام أثره القانونى الملزم، كما تستند فرنسا إلى أن خروج زودياك دندرة تم وفق قوانين عصره، أو عبر شراء رسمى، وتعتبره جزءًا من مجموعتها الرسمية.
ولهذا، فإن قضية استرداد زودياك دندرة ليست قضية قانونية فحسب، بل هى أيضًا قضية سياسية ودبلوماسية وأخلاقية، تتعلق بحق الشعوب فى استعادة ذاكرتها، وحق الحضارات فى استرداد شواهدها، وحق مصر فى أن يعود جزء من سقف معبدها إلى مكانه الطبيعى، لا بوصفه حجرًا منقوشًا، بل بوصفه قطعة من روح التاريخ.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين
الصمت… حين تتراجع اللغة ويتقدم المعنى
فى محاضرة علمية بالقاهرة إعادة اكتشاف المصادر العربية لعلم المصريات
الروائى السورى هيثم حسين: الألم يسبق اللغة
د. خالد توفيق: التجربة اليابانية أفضل خطة للنهوض بالمركز القومى للترجمة
إيرينى باييخو: نحن مدينون للشرق
إيرينى باييخو: نحن مدينون للشرق









