خـــالد محمـــود
خـــالد محمـــود


‏«Michael» .. حين تتحول الأسطورة إلى إنسـان

خالد محمود

الأحد، 10 مايو 2026 - 12:45 م

الرهان‭ ‬الأكبر‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬جعفر‭ ‬جاكسون‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتقليد‭ ‬ملامح‭ ‬‮«‬ملك‭ ‬البوب‮»‬‭ ‬بل‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬التقاط‭ ‬روحه‭ ‬القلقة،‭ ‬ليس‭ ‬فيلمًا‭ ‬عن‭ ‬نجم‭.‬‭. ‬بل‭ ‬عن‭ ‬ثمن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نجمًا‭.‬

في‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬Michael‮»‬،‭ ‬يذهب‭ ‬المخرج‭ ‬أنطوان‭ ‬فوكوا‭ ‬في‭ ‬مغامرة‭ ‬مختلفة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬التقليدية،‭ ‬مقدمًا‭ ‬قراءة‭ ‬إنسانية‭ ‬معقدة‭ ‬لمسيرة‭ ‬مايكل‭ ‬جاكسون،‭ ‬أكثر‭ ‬الأيقونات‭ ‬الفنية‭ ‬تعقيدًا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الموسيقى،‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬الأسطورة‭ ‬بالهشاشة،‭ ‬ويصبح‭ ‬المجد‭ ‬مرآةً‭ ‬لثمنٍ‭ ‬باهظ‭.‬

الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬‮«‬ملك‭ ‬البوب‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬رمزًا‭ ‬معصومًا،‭ ‬ولا‭ ‬كحكاية‭ ‬سقوط‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬ككائن‭ ‬هشّ‭ ‬صنعته‭ ‬الشهرة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬حاصرته‭. ‬من‭ ‬البدايات‭ ‬مع‭ ‬عائلة‭ ‬‮«‬The Jackson 5‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬الطفولة‭ ‬التي‭ ‬سُرقت‭ ‬مبكرًا،‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬المجد‭ ‬التي‭ ‬تحوّل‭ ‬فيها‭ ‬جاكسون‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬عالمية،‭ ‬ينسج‭ ‬العمل‭ ‬خيطًا‭ ‬دراميًا‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬النجاح‭ ‬والوجع‭.‬

يعتمد‭ ‬فوكوا‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬بصري‭ ‬حاد‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الاستعراضات‭ ‬الموسيقية‭ ‬المبهرة‭ ‬واللحظات‭ ‬الصامتة‭ ‬الثقيلة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬جانبًا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬مايكل‭: ‬الإنسان‭ ‬القلق،‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬الحب،‭ ‬والمثقل‭ ‬بوطأة‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬العالم‭ ‬عنه‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الأغاني‭ ‬مجرد‭ ‬خلفية،‭ ‬بل‭ ‬مفاتيح‭ ‬لفهم‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية،‭ ‬وكأن‭ ‬كل‭ ‬لحن‭ ‬اعتراف‭ ‬مؤجل‭.‬

الرهان‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬جعفر‭ ‬جاكسون،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتقليد‭ ‬ملامح‭ ‬‮«‬ملك‭ ‬البوب‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬التقاط‭ ‬روحه‭ ‬القلقة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المشاهد‭ ‬التي‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬الاستعراض،‭ ‬مثل‭ ‬لحظات‭ ‬العزلة‭ ‬خلف‭ ‬الكواليس،‭ ‬حيث‭ ‬يبدو‭ ‬مايكل‭ ‬كطفلٍ‭ ‬تائه‭ ‬داخل‭ ‬جسد‭ ‬نجم‭ ‬عالمي‭.‬

أما‭ ‬كولمان‭ ‬دومينجو‭ ‬فيقدّم‭ ‬حضورًا‭ ‬قويًا‭ ‬بشخصية‭ ‬الأب‭ ‬الصارم‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬تتسم‭ ‬بالتوتر‭ ‬النفسي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬تلك‭ ‬المواجهات‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬جذور‭ ‬القلق‭ ‬والخوف‭ ‬داخل‭ ‬شخصية‭ ‬مايكل‭. ‬وتضيف‭ ‬نينا‭ ‬لونج‭ ‬بُعدًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬دافئًا،‭ ‬إذ‭ ‬تجسد‭ ‬الأم‭ ‬كمساحة‭ ‬حنان‭ ‬مفقودة،‭ ‬وتبرز‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬صامتة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬النظرات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬بينما‭ ‬يمنح‭ ‬جوليانو‭ ‬فالدي‭ ‬الفيلم‭ ‬طاقة‭ ‬حركية‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬البدايات،‭ ‬معبرًا‭ ‬عن‭ ‬شغف‭ ‬الطفولة‭ ‬واندفاعها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلتهمها‭ ‬آلة‭ ‬الشهرة‭.‬

فنيًا،‭ ‬يزخر‭ ‬الفيلم‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬المشاهد‭ ‬اللافتة،‭ ‬لعل‭ ‬أبرزها‭ ‬مشهد‭ ‬إعادة‭ ‬تقديم‭ ‬أداء‭ ‬‮«‬Billie Jean‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬العمل‭ ‬بإعادة‭ ‬الاستعراض‭ ‬الشهير،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬صياغته‭ ‬بصريًا‭ ‬كلحظة‭ ‬تحول‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الشخصية‭. ‬كذلك‭ ‬مشهد‭ ‬تسجيل‭ ‬ألبوم‭ ‬‮«‬Thriller‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬كحالة‭ ‬إبداعية‭ ‬جماعية‭ ‬تكشف‭ ‬عبقرية‭ ‬التفاصيل،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬مشهد‭ ‬العزلة‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬مظلمة،‭ ‬حيث‭ ‬يتجلى‭ ‬الصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬صوره‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬مشهد‭ ‬المحكمة‭ ‬الذي‭ ‬يُقدَّم‭ ‬ببرودٍ‭ ‬متعمّد،‭ ‬تاركًا‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والانطباع‭ ‬مفتوحة،‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مشاهد‭ ‬الفيلم‭ ‬حساسية‭. ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشهد‭ ‬الطفولة‭ ‬القاسي،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الموسيقى‭ ‬مع‭ ‬الخوف‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬بصري‭ ‬يختصر‭ ‬بداية‭ ‬الحكاية‭.‬

الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يتهرب‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الشائكة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬جاكسون،‭ ‬بل‭ ‬يقترب‭ ‬منها‭ ‬بحذرٍ‭ ‬محسوب،‭ ‬تاركًا‭ ‬مساحة‭ ‬للمشاهد‭ ‬كي‭ ‬يكوّن‭ ‬حكمه‭ ‬الخاص‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الفيلم‭ ‬بُعدًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التبسيط‭ ‬أو‭ ‬الإدانة‭ ‬المباشرة‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬‮«‬Michael‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬لعلاقة‭ ‬الجمهور‭ ‬بنجومه‭: ‬كيف‭ ‬نصنعهم،‭ ‬كيف‭ ‬نرفعهم‭ ‬إلى‭ ‬القمة،‭ ‬ثم‭ ‬كيف‭ ‬نطالبهم‭ ‬بأن‭ ‬يكونوا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بشر

‏‮«‬Michael‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬فيلمًا‭ ‬عن‭ ‬نجم‭.. ‬بل‭ ‬عن‭ ‬ثمن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نجمًا‭.‬

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة