مصر «وهج» إفريقى

د . أسامه السعيد

الإثنين، 11 مايو 2026 - 07:42 م

د. أسامة السعيد

لم تكن مصر يوماً بمعزل عن محيطها الإفريقى، بل كانت - ولا تزال- الجسر الحضارى الذى يربط القارة السمراء بحوض البحر المتوسط والعالم. إن الحديث عن «وهج إفريقى» مصرى ليس مبالغة، بل هو توصيف دقيق لدور تاريخى، وثقافى، وجيوسياسى راسخ. إذا كان الكاتب والمؤرخ الفرنسى روبير سوليه قد كتب فى أحد أشهر أعماله أن مصر «ولع» فرنسى، فإن ما يشهده الحضور المصرى فى إفريقيا يدفعنا بكل موضوعية للقول إن مصر باتت تمثل حالة «وهج» إفريقية؛ فمصر كما وصفها سوليه «ليست مجرد دولة فى شمال إفريقيا، بل هى قلب إفريقيا النابض، وهجها الذى لا ينطفئ، ومفتاح فهم عمقها الحضارى والإنسانى». لم تكن مصر يوماً بمعزل عن محيطها الإفريقى، بل كانت - ولا تزال- الجسر الحضارى الذى يربط القارة السمراء بحوض البحر المتوسط والعالم. إن الحديث عن «وهج إفريقى» مصرى ليس مبالغة، بل هو توصيف دقيق لدور تاريخى، وثقافى، وجيوسياسى راسخ تشكل عبر آلاف السنين. زيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون إلى الإسكندرية للمشاركة فى افتتاح مقر جامعة سنجور فى مصر، والتى لا تزال أصداؤها تشغل الاهتمام الرسمى والشعبى فى مصر ومن حولها، لم تكن سوى دليل إضافى على ما باتت تحظى به مصر من اهتمام، ليس باعتبارها فقط ركيزة للسلام والاستقرار الإقليمى، أو دولة ذات تاريخ عريق وحضارة شامخة متعددة الأبعاد، ولكن يضاف إلى ذلك اعتبارها قوة إفريقية ذات وزن وتأثير قارى كبير، فقد باتت القاهرة فى مقدمة العواصم الإفريقية التى يُستمع إلى صوتها فى القارة، وينصت إليها العالم عندما تُطرح قضايا القارة السمراء. وبعد ساعات من الزيارة الفرنسية التى استضافتها عروس البحر المتوسط، الإسكندرية، يحل الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس ماكرون والعديد من قادة إفريقيا والعالم ضيوفا كبارا على العاصمة الكينية نيروبى، التى تستضيف على مدى يومين القمة الفرنسية الإفريقية «إفريقيا إلى الأمام». وتحمل هذه القمة سابقة رمزية، إذ تُعدّ كينيا أول دولة إفريقية غير ناطقة بالفرنسية تستضيف هذا الحدث منذ انطلاقه عام 1973، بعدما ظل حكراً على فرنسا أو الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، مما يؤكد التحول فى جغرافيا الدبلوماسية الفرنسية ورغبتها فى فتح مناطق جديدة لوجودها. لكن انعقاد تلك القمة يشير أيضا إلى تحولات كبيرة فى خريطة التأثير الإفريقى، ونظرة القوى الدولية للدول الإفريقية البازغة فى شمال وشرقى القارة، وتبدو مصر فى مقدمة تلك الدول، إضافة إلى تجارب واعدة مثل كينيا ورواندا وتنزانيا. ■ ■ ■ تسلط القمة الضوء على اتساع نطاق الشراكات الاقتصادية بين الدول الإفريقية وفرنسا، خصوصاً فى مجالات الطاقة والمناخ ومشكلات التمويل والنظم الصحية، وغيرها من الملفات التنموية، لكنها تمثل كذلك فرصة لاستعراض تجارب العديد من دول القارة، وبخاصة تلك الدول التى استطاعت أن تتغلب على تحدياتها الداخلية الصعبة، وأن تقدم تجارب لافتة للنمو والتحديث، يجعلها موطنا للفرص وبخاصة للشباب الذين يمثلون ثروة بشرية إفريقية لا تقل أهمية عن الثروات الطبيعية التى تشتهر بها القارة السمراء وتجعلها محور اهتمام العالم، وتوصف فى كثير من الأدبيات السياسية والاقتصادية بأنها «قارة المستقبل». هذا الواقع عبّر عنه الرئيس السيسى فى كلمته خلال افتتاح مقر جامعة سنجور بالإسكندرية عندما وصف التعليم بأنه الركيزة الأولى لتحقيق التنمية المستدامة، معتبراً الاستثمار فى بناء الإنسان الإفريقى وتأهيله وبخاصة تمكين الشباب، هو الاستثمار الحقيقى للمستقبل، وتمثل هذه الرؤية إدراكا عميقا لما تحتاجه القارة الإفريقية، وما يمكن أن تقدمه للعالم فى الوقت ذاته، فالتعليم وبناء الفرص لم يعد مكسبا لطرف واحد فقط، بل صار تعاونا مربحا لكل الأطراف، فى عالم بات يعتمد على رأسمال الموهبة والابتكار والإبداع. معظم الدول الإفريقية هى فى تركيبتها السكانية دول شابة، أكثر من ٦٠ فى المئة من سكان مصر دون سن ٤٠ عاما، ونحو ٧٥ فى المئة من سكان كينيا مستضيفة القمة دون سن ٣٥ عاما، هذا الوضع ينسحب على الكثير من دول القارة، التى تمثل رافدا بشريا مهماً يمكن أن يمد العالم باحتياجاته من العقول والأيدى العاملة المؤهلة، ويمكن أن تكون -لا قدر الله - خطرا إذا تجاهل العالم الفرص المتاحة لتنمية دول القارة ومساعدتها على مواجهة تحدياتها، سواء على المستوى الفردى أو الجماعى. نعم، القارة الإفريقية تمتلك حظا وافرا من الثروات الطبيعية والبرية، لكنها تمتلك أيضا نصيبا وافرا من الصراعات الداخلية والبينية، وتمدد جماعات التطرف والإرهاب، ونقص معدلات التنمية فى مختلف المجالات، وهى كلها أمور يمكن للعالم أن يسهم بقسط وفير من مساعدة إفريقيا على تجاوز تلك التحديات، فمعظم الصراعات فى القارة لها امتدادات خارجية، وجماعات التطرف والإرهاب يمكن دحرها إذا توافرت الإرادة الجماعية للمواجهة الأمنية والفكرية، وتجفيف منابع التمويل التى تغذى تلك التنظيمات، فضلا عن تعزيز تجارب التنمية فى دول القارة التى تحتاج إلى مساندة مادية أو تكنولوجية وخبرات فنية، فالتنمية هى التحصين الحقيقى فى مواجهة أوبئة الفقر والجهل والمرض والإرهاب والتطرف التى تعصف بكثير من دول القارة السمراء. ■ ■ ■  إدراك هذا الواقع الإفريقى يجعلنا أمام حقيقة مهمة تتجسد فى حاجة القارة إلى دول فاعلة وتستطيع مد جسور التعاون مع العالم، وفى الوقت ذاته مدى حاجة العالم إلى القارة الإفريقية ليس من منظور استعمارى قديم تجاوزه الزمن، أو بنظرة الاستقطاب الدولى الراهن، والذى للأسف الشديد يفاقم من أزمات القارة الإفريقية ولا يسهم فى حلها، ولكن من منظور الشراكة الحقيقية التى تحترم مصالح ومتطلبات كل طرف وتسعى إلى تحقيق الكسب المشترك «win -win sitiuation». ومن هنا أيضا يمكن أن نفهم أهمية الرؤية المصرية للتوجه نحو القارة، وتعويض خسائر غياب، لا أقول طال، عن الاهتمام بالبعد الإفريقى فى السياسة المصرية، لكنه كان غيابا مؤثرا استفادت منه قوى إقليمية عدة، والآن مع العودة المصرية القوية للقارة السمراء تبدو إفريقيا بحاجة لمصر، بنفس القدر الذى تحتاج به مصر إلى تعزيز عمقها الإفريقى. منذ فجر التاريخ، كان نهر النيل هو الرابط المقدس، واليوم يكتسب الحضور المصرى فى إفريقيا بعدا أعمق، من خلال وجود رؤية واضحة تنظر إلى إفريقيا بزاوية أوسع من مجرد الحديث عن مصالح مصر فى حوض النيل، وهى الدائرة الأولى والأهم بكل تأكيد فى تحرك مصر فى القارة السمراء، لكن الرؤية المصرية اتسعت وتعمقت فى نظرتها للقارة لترى فيها أرضا للفرص، وجسرا لشراكات متينة تبنى على الماضى دون أن تقع أسيرة له. مصر، بفضل موقعها الفريد، كانت دائماً بؤرة إشعاع، حيث امتزجت الفنون، والموسيقى، والأدب المصرى بالتراث الإفريقى الغنى، لتنتج حالة من الارتباط والوجود الذى أثرى القارة. والوهج المصرى فى إفريقيا ليس وهجاً سياسياً فحسب، بل هو وهج ثقافى يعتمد على «القوة الناعمة» من خلال الأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، والجامعات، والفنون التى تتردد أصداؤها فى أرجاء القارة. استطاعت دولة «٣٠ يونيو» وفكر «الجمهورية الجديدة» أن يستعيدا الحضور المصرى فى إفريقيا، ليس عبر شعارات قديمة لم تعد تستسيغها العقول الإفريقية التى تجاوزت خطاب عصر الاستقلال، ولكن عبر استراتيجية شاملة تجمع ما بين الرؤية السياسية الواقعية التى تعى أولويات القارة، وتجيد تقديمها إلى العالم، وما بين الاحتياجات الاقتصادية والتنموية التى تدرك أهمية واحتياج القارة لمشروعات وتعاون يساهم فى تحسين الأوضاع الصعبة فى الكثير من دول القارة. أعادت مصر فى مرحلة ما بعد ثورة ٣٠ يونيو التموضع فى قلب إفريقيا، ليس فقط كجارة، بل كشريك استراتيجى. وجاءت عودة مصر بقوة إلى حضنها الإفريقى، من خلال المشاريع التنموية المشتركة، والتبادل التجارى، وتعزيز الروابط الدبلوماسية، فى لحظة مفصلية من عمر القارة، يخوض خلالها كثير من القوى الدولية سباقا محموما للسيطرة والنفوذ، وتسعى القوى الإفريقية الرئيسية وفى مقدمتها مصر لبناء خطاب ورؤية وعمل قارى يتجاوز محاولات الاستقطاب أو التدخل الخارجى، ويلبى الاحتياجات الفعلية لدول وشعوب القارة، ويرفع عنها كثيرا من أوجه الظلم التاريخى الذى عانته جراء عصر الاستعمار بكل وجوهه القديم والجديد.  ■ ■ ■   خطت مصر خطوات جذرية فى سياق إعادة ضبط المسافات من القاهرة إلى غالبية أو كل العواصم الإفريقية، والمؤكد أن الفضل الأكبر فى هذا الإطار يعود إلى رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى أعاد تقييم المشهد واستطاع صياغة استراتيجية مصرية لا تقوم على خطاب عاطفى قديم، ولا تعتمد على تحركات عشوائية أو انفعالية، بل تقوم على أساس قوى من فهم الظروف التى تعيشها القارة، وحجم التنافس الدولى عليها، فضلا عن انسجام تلك الرؤية مع ثوابت السياسة المصرية التى جرى تكريسها فى عهد الجمهورية الجديدة بأن مصر دولة تصنع السلام وتحميه، وأن سياستها ترتكز على التنمية فى الداخل والتوازن فى الخارج. كما نجحت السياسة المصرية فى أن تتوافق وتتناسق مع برنامج الاتحاد الإفريقى 2063، وبرنامج الأمم المتحدة 2030، وتمضى فى نحو 19 مجالا حيويا على أرض الواقع، عبر أنشطة للتعاون المثمر بين ما هو سياسى وما هو اقتصادى، مع التركيز بشكل واضح على مشروعات التدريب وبناء القدرات والتعليم، وهى كلها مشروعات تلبى احتياجات الكثير من دول القارة، وتخلق ارتباطا وجدانيا فى الوقت ذاته بين الكوادر الإفريقية الصاعدة وبين الثقافة والقوة الناعمة المصرية. وحتى فى أعقد التحديات التى واجهت مصر فى القارة الإفريقية، وهو ملف السد الإثيوبى، ومحاولات الإضرار بالأمن المائى لمصر، الأمر الذى شكل اختبارًا حقيقيًا للعلاقات المصرية الإفريقية، إلا أن القاهرة نجحت باقتدار فى التعامل مع هذا الاختبار الصعب، فلم تنزلق للاستجابة للاستفزازات المتكررة أو محاولات دفعها إلى مواجهات غير محسوبة، بل انتهجت مصر سياسة دبلوماسية رشيدة، قائمة على الحوار والتفاوض واحترام حق دول المنبع فى التنمية، دون التفريط فى حقوقها التاريخية فى مياه النيل. كما سعت إلى تدويل القضية فى إطار القانون الدولى، مع الحفاظ على علاقات إيجابية مع محيطها الإفريقى، مما أكسبها احترامًا واسعًا من الدول الإفريقية التى واجهت ظروفًا مشابهة فى قضايا الأنهار العابرة للحدود، ورسخ صورة مصر كدولة مسئولة تدعو إلى التفاهم وتغليب مصلحة الشعوب. بل استطاعت مصر أن تحول سياستها الداعية إلى إحلال السلام والاستقرار إلى منهج عمل وأجندة ذات أولوية قارية، وذلك من خلال قيادة العديد من مؤسسات الاتحاد الإفريقى ومبادراته المهمة مثل مبادرة «إسكات البنادق» التى أطلقتها مصر خلال رئاستها للاتحاد الإفريقى، وكذلك دورها الحيوى فى إطفاء الحرائق المشتعلة فى جنبات القارة من خلال عضويتها المستمرة فى مجلس السلم والأمن الإفريقى، وهى كلها أدوار وتحركات أكدت أن العودة المصرية القوية إلى إفريقيا باتت مكسبا كبيرا لقارة تخوض منعطفا حقيقيا لصنع مستقبلها. أتاحت مصر كذلك كل خبراتها ومواردها للأشقاء الأفارقة لمكافحة الإرهاب والتطرف، وهو الداء الذى يعانى منه الكثير من مناطق القارة، بعدما تحولت إلى ملاذ لجماعات وتنظيمات التكفير الهاربة من المطاردة فى العديد من دول الشرق الأوسط، ووجدت فى منطقتى القرن الإفريقى ودول الساحل والصحراء فرصة للوجود مستغلة اضطرابات أمنية وهشاشة سياسية واقتصادية تعانيها تلك المناطق، وسعت لبناء قواعد وحواضن لها فى تلك المناطق التى تدفع ثمنا فادحا جراء تغلغل التنظيمات المتطرفة فى أراضيها. ■ ■ ■  كذلك سعت مصر إلى تعزيز حضورها الاقتصادى فى إفريقيا من خلال تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية، لتحفيز التجارة البينية وبناء سوق إفريقية مشتركة تقلل من الاعتماد على الأسواق الخارجية، كما تشارك مصر بفاعلية فى مشروعات البنية التحتية العابرة للحدود، وفى مقدمتها مشروع طريق القاهرة – كيب تاون، الذى يجسد حلمًا إفريقيًا قديمًا لتحقيق الترابط والتنمية، ويهدف إلى تسهيل حركة السلع والاستثمارات، وخفض تكاليف النقل، وتعزيز التكامل الثقافى والسياحى. وهذا أيضا واحد من أوجه توظيف القدرات المصرية لخدمة دول القارة، فقد نجحت الشركات المصرية، خاصة فى قطاعات المقاولات والطاقة والاتصالات، وبما توافر لها من خبرات وكفاءات وإمكانات عبر دورها الحيوى فى مشروعات البناء والتعمير الداخلية، فى تنفيذ مشروعات استراتيجية فى دول مثل أوغندا وتنزانيا وكينيا والكونغو الديمقراطية، مما يعكس ثقة متنامية فى القدرات المصرية ويؤكد دورها كشريك تنموى موثوق به فى القارة. كما تبنت الدبلوماسية المصرية توجهًا استراتيجيًا متكاملًا، يستند إلى توسيع الحضور السياسى الفاعل، وتكثيف التعاون الاقتصادى، واستثمار أدوات القوة الناعمة التى تمتلكها مصر فى ميادين التعليم، والصحة، والثقافة، وقد تجلى هذا التوجه خلال ترؤسها للاتحاد الإفريقى عام 2019 لأول مرة منذ تأسيسه، وبعد 26 عاماً من آخر مرة ترأست فيها مصر منظمة الوحدة الإفريقية «قبل تطوير المنظمة وتغيير اسمها إلى الاتحاد الإفريقى». وكانت تلك الرئاسة علامة فارقة فى تاريخ العلاقات المصرية الإفريقية، وشهدت حراكًا دبلوماسيًا مكثفا، وإطلاقًا للمبادرات التنموية، ودفع عجلة التكامل الاقتصادي، وتعزيز التعاون الأمنى فى مواجهة التحديات المشتركة، لكن تبقى المشروعات الاقتصادية والتنموية واحدة من أهم أولويات التركيز المصرى، فقد أولت مصر اهتمامًا خاصًا لتعزيز البنية التحتية العابرة للحدود، من خلال مشاريع الربط الكهربائى والطرق والممرات اللوجستية، بما يسهم فى تحقيق التكامل الإفريقى، وتحويل القارة إلى كتلة اقتصادية متماسكة وقادرة على التفاوض من موقع الشراكة مما يؤسس لمستقبل أكثر أمنًا وتقدمًا للقارة بأسرها. ولم تكتف مصر فقط بالتركيز على التنمية الإفريقية باعتبارها ضرورة لبناء مستقبل أفضل لأبناء القارة، بل طورت سردية متكاملة تركز على أن تنمية القارة حق إنسانى مشروع لأبنائها، وأن عقودا طويلة من الاستعمار والتهميش تتطلب دعما مستحقا لدول القارة، وتمويلا عادلا لمشروعات التنمية ومواجهة تداعيات تغير المناخ، بما يراعى أولويات واحتياجات دول القارة، ولا يسهم فى إغراقها فى ديون تفوق قدراتها على السداد ولا تراعى الاحتياجات التنموية الهائلة التى تتطلبها إعادة بناء وإعمار دول القارة، خاصة تلك الدول التى خرجت للتو أو مازالت تخوض صراعات مريرة. ■ ■ ■  الجهود المصرية لم تقتصر فقط على العمل داخل الساحة الإفريقية، بل سعت بكل ما لديها من حضور دولى وخبرات وكفاءات دبلوماسية، إلى أن تحمل صوت إفريقيا إلى العالم، وأن تكون هى المعبّر بقوة عن تطلعات شعوب القارة وطموحاتهم فى واقع ومستقبل أفضل. أدرك العالم أن مصر قد تحولت مجددا إلى رقم صعب فى القارة الإفريقية، وقد حرصت القاهرة على أن تكون هى صوت إفريقيا فى كل المحافل الدولية وفى مقدمتها الأمم المتحدة، ووكالاتها وأجهزتها المتعددة والمنظمات المتخصصة التابعة لها، وعبر مختلف المنظمات الأخرى والمجموعات الدولية والإقليمية، التى تنشط فيها الدبلوماسية المصرية، سواء مع القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية أو مختلف التجمعات الآسيوية فى شرق وجنوب شرق وغرب آسيا. وكانت مصر شريكا فاعلا فى كل أطر التعاون الدولية مع القارة الإفريقية، مثل قمم  التعاون والتشاور مع الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، كما قادت القاهرة وموسكو القمة الروسية الإفريقية فى مدينة سوتشى على البحر الأسود، فى خطوة حملت تقديرا كبيرا للدور المصرى فى المنظومة الإفريقية وقدرتها على نسج علاقات استراتيجية متوازنة مع مختلف القوى الدولية. واليوم تأتى مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسى الفاعلة فى القمة الفرنسية الإفريقية «إفريقيا إلى الأمام»، وبعد أيام معدودة من تدشينه أحد صروح التعاون الفرنسى مع القارة السمراء وهى جامعة «سنجور» لتكون لبنة إضافية فى صرح علاقات قوية وراسخة بنتها مصر استنادا لتاريخ طويل وحضور واسع فى القارة الإفريقية، وطورته عبر خطاب وتحرك سياسى واع، يدرك تحولات الظرف التاريخى الذى تجتازه إفريقيا والعالم، ويستطيع توظيف كل الأدوات والقدرات المتاحة لتحقيق المصالح المشتركة لمصر مع دول القارة. يؤكد هذا الزخم والحضور الكبير للبعد الإفريقى فى السياسة المصرية وعلى أجندة القيادة السياسية أن العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين بالفعل قد صار عقدا إفريقيا خالصا بالنسبة لمصر والمصريين من حيث التوجه والاهتمام، وكذلك من حيث الحضور والتأثير، كما يؤكد أن مصر، بوهجها الإفريقى، تظل قصة شغف لا ينتهى، تماماً كما وصفها الفرنسيون بـ «الولع» فى كتبهم، شغفٌ يمتد عبر الرمال والماء، ليربط مصيرها بمصير القارة السمراء، مؤكدة أنها جزء لا يتجزأ من نبضها، وتاريخها، ومستقبلها.