د.أحمد إبراهيم: هدفى لم يعد التصنيفات العالمية بل تحويل الأبحاث إلى صناعات تخدم البشر
الثلاثاء، 12 مايو 2026 - 09:53 م
حازم بدر
تجاربى تستهدف مواجهة التغيّر المناخى وامتصاص الكربون وتنقية المياه
من عتمة قرية «أم الحويطات» الجبلية بصعيد مصر، حيث كانت الكهرباء تنقطع مع غروب الشمس، انطلقت رحلة الدكتور أحمد إبراهيم، الباحث بجامعة كانتربرى بإنجلترا، لم تكن حكايته مجرد سيرة نجاح أكاديمية، بل مسيرة شاقة بدأت بين المناجم وورش الرخام، قبل أن تقوده إلى قائمة العلماء الأكثر تأثيرًا عالميًا، وإلى تأسيس قناة «علم تيوب» لنشر المعرفة وبث الأمل فى نفوس الشباب.
فى مستهل الحوار، استعاد د.أحمد، ذكريات الطفولة فى قرية معزولة تفتقر لأبسط الخدمات، حيث كان يذاكر على ضوء «لمبة الكربيد» التى تعمل بغاز الأسيتيلين الناتج عن تفاعل الحجر مع الماء، ويقول إن ذلك الضوء الخافت رغم خطورته التى يدركها اليوم بعين الباحث، كان نافذته الوحيدة نحو العلم، فى بيئة كان الحصول فيها على الماء يتطلب السير لمسافات طويلة.
وانتقل بحديثه إلى سنوات العمل المبكر فى ورش الرخام، مستحضرًا جرحًا قديمًا فى يده خَلَّفه «صاروخ» القطع، مؤكدًا أن هذا الأثر تحوَّل إلى «بوصلة نفسية» تذكره دائمًا بأن مشقة البحث العلمى أهون كثيرًا من قسوة العمل اليدوي، وأضاف أن الصلابة البدنية التى اكتسبها من تلك التجارب ساعدته لاحقًا على تحمل ضغط العمل البحثى خاصة خلال سنواته الأولى بالمعامل العلمية.
كما تحدث بتأثر عن والده الراحل، الذى كان يقرأ له قصص الأنبياء فى ليالى الجمعة، ويغرس داخله يقينًا بأنه سيصبح «دكتورًا» يومًا ما. ذلك الإيمان، بحسب وصفه، كان القوة التى دفعته للتفوق الدراسي، بينما كان يعمل فى الإجازات الصيفية لتغطية نفقاته دون أن يؤثر ذلك على تحصيله العلمي.
غزارة الإنتاج
لكن الطريق لم يخلُ من لحظات انكسار، فقد وصف نفسه خلال مرحلة الماجستير فى مصر بأنه كان يشعر كـ «باحث فاشل»، ليس بسبب ضعف قدراته، بل نتيجة الروتين والبيروقراطية التى كانت تجعل تحليل عينة واحدة يستغرق شهورًا، كما استعاد موقفًا مؤلمًا حين رفض أحد الأساتذة الإشراف عليه لأسباب تتعلق بالانتماء القبلي، وهو ما جعله يدرك مبكرًا حجم التحديات غير العلمية التى قد تواجه الباحث.
وعن انتقاله إلى بريطانيا، قال إنه كان يخشى أن تكون لهجته الصعيدية عائقًا، لكنه فوجئ بقدر كبير من الاحترام والتقدير، وأوضح أن البريطانيين ينظرون إلى التحدث بلغتين باعتباره ميزة، وأن السخرية من اللهجات تُعد شكلًا من أشكال التنمر غير المقبول، وأضاف مبتسمًا: «حتى عندما كنت أخطئ فى نطق بعض الكلمات، كان التصحيح يتم بهدوء واحترام بعيدًا عن أى سخرية».
ويرى د.أحمد، أن بيئة العمل فى إنجلترا غيَّرت شخصيته «180 درجة»، بعدما استعاد ثقته بنفسه كباحث، وأكد أن البيئة العلمية السليمة قادرة على تحويل الإحساس بالفشل إلى نجاح حقيقي، مشيرًا إلى أن روح التعاون والانفتاح التى وجدها هناك تختلف كثيرًا عن أجواء السرية والخوف على الأفكار التى عايشها سابقًا.
وأوضح أن هذا المناخ العلمى كان وراء غزارة إنتاجه البحثي، الذى تجاوز مائة بحث دولي، بالتعاون مع مئات الباحثين حول العالم، وأضاف أن النظام البحثى فى بريطانيا يتيح إنجاز دراسات مُعَقَّدة خلال أسابيع عبر الشراكات الدولية وتبادل الإمكانيات والخبرات.
الكيمياء البيئية أولوية
وفى حديثه عن أبحاثه، أوضح أن اهتمامه الرئيسى يتركز على الكيمياء البيئية والحد من التغيّر المناخي، من خلال تطوير تقنيات لامتصاص الكربون وتنقية المياه، مؤكدًا أهمية دخول العرب بقوة فى مجالات الذكاء الاصطناعى المرتبطة بالعلوم البيئية.. وعند سؤاله عن أقرب أبحاثه إلى قلبه، استعاد أول أبحاثه فى الدكتوراة، الذى جاء بعد ثلاث سنوات من المحاولات المتعثرة، قبل أن يُنشر فى مجلة علمية مرموقة ويتحول لاحقًا إلى براءة اختراع استخدمت عمليًا فى تقليل عوادم السيارات بمدينة ليلاند البريطانية، أما إدراج اسمه ضمن قائمة الـ2% من العلماء الأكثر تأثيرًا عالميًا، فقال إنه يدين فيه بالفضل لوالده الذى زرع بداخله حب العلم منذ الصغر، ورغم اعتزازه بهذا التصنيف، شدد على أن هدفه الحقيقى لم يعد الأرقام أو التصنيفات، بل تحويل الأبحاث إلى تطبيقات وصناعات تخدم الناس. وفى محطة إنسانية مؤثرة، كشف أنه عمل خلال الدكتوراة فى غسل الأطباق بمطبخ الجامعة لتأمين استقرار أسرته والحفاظ على وجود زوجته بجانبه فى الغربة، واصفًا إياها بـ «حجر الأساس» فى رحلته، ولم يكن العمل مجرد مصدر دخل، بل تحوَّل إلى مساحة للتأمل والتركيز، حيث كان يستغل فترات الراحة فى قراءة الأبحاث العلمية وتدقيقها، قبل أن تُنشر لاحقًا فى مجلات عالمية مرموقة.
نشر المعرفة
هذا الشغف بنشر المعرفة قاده إلى تأسيس قناة «علم تيوب»، التى بدأت كمبادرة لتبسيط العلوم وربطها بالحياة اليومية، قبل أن تتحول إلى منصة تضم 23 مستشارًا علميًا يراجعون المحتوى بدقة، ويؤمن د.أحمد، بأن على كل باحث أن يكون صانع محتوى قادرًا على مواجهة المعلومات المضللة وتقديم بديل علمى موثوق، ورغم أكثر من 14 عامًا قضاها بالخارج، يؤكد أن جذوره الصعيدية لا تزال حاضرة فى حياته وتربية أبنائه، مشددًا على أن الانفتاح على الثقافة الغربية لا يعنى التخلى عن الهوية والقيم، كما يحرص على إشراك الجامعات المصرية فى مشروعاته البحثية، إيمانًا منه بأهمية بناء جسور حقيقية بين العلماء المصريين بالخارج والمؤسسات العلمية داخل الوطن، كما استذكر بفيض من المشاعر «زيارة العمر» التى قامت بها والدته لبريطانيا، معتبرًا إياها وفاءً بوعد قديم قطعه لها وهو طفل، معبرًا عن سعادته بتحقق هذا الحلم الذى طالما تمنى أن يشاركه والده فيه، وفى ختام الحوار، لَخَّص د.أحمد، رحلته بنصيحتين قال إنه كان سيوجههما لنفسه لو عاد طفلًا من جديد: «القرب من الله والتمسك بالعلم»، مؤكدًا أن الجمع بين الإيمان والمعرفة كان الجسر الذى عبر به من جبال الصعيد إلى مكانة علمية عالمية.