المهاتما غاندى يستند على حفيدتيه قبل اغتياله بدقائق
عباس محمود العقاد يصف «غاندى» بقديس القرن العشرين
الأربعاء، 13 مايو 2026 - 08:33 م
يقول العقاد: إن ذلك الرجل المسالم البسيط استطاع أن يجمع الهند على كلمة واحدة رغم تعدد ثقافاتها واختلاف ملل أبنائها، بشكل يجعلها أقرب لكونها دولًا مختلفة لا دولة واحدة، فكانت مهمة توحيدها ضربًا من الخيال، من خلال سياسة المقاومة السلمية التى دعا إليها واستمدها من التعاليم الدينية المتسامحة التى كانت بالهند، واستطاع بها أن يجبر الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس أن تترك مستعمراتها الثرية الشاسعة بالهند دون عنف.
ففى 28 فبراير ١٩٤٨، خرجت من أرض الهند آخر فرقة من الجيش البريطانى من ميناء بومباى بعد احتلال دام زهاء مائتى عام، واستهجن غاندى بعدها ذبح المسلمين والتشنيع بنسائهم وأطفالهم على مشهد من الشرطة وجنود الحكومة الهندية، وكان على رأس المجرمين الذين فعلوا هذه الأفاعيل جماعة وطنية متهوسة تعرف باسم الجماعة الكبرى، التى تقوم مبادئها على إقامة حكومة هندوسية واحدة وتجنيد جميع الشبان ومطاردة المسلمين ومعاملتهم معاملة الجواسيس المهددين لأمن الدولة الهندوسية، وتحريم الدخول فى الدين الإسلامى على أبناء النحل الدينية الأخرى، وكانت تحرض الغوغاء على القتل والسلب تؤكد علانية على معاونة الجيش والشرطة وحمايتهم من الاعتقال والتحقيق.
وفى صباح 30 يناير كان الزعيم الروحى غاندى يتحدث إلى السردار باتل فى شأن خطير، فأخره الحديث عن موعد الصلاة، فلما كانت الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة، قال لمحدثه العظيم: «دعنى الآن إنه موعد الصلاة»، وخرج بين حفيدتيه «آفا ومانو» ليؤدى صلاته فى معبد قريب، فاقترب منه فتى فى سترة خاكية وصدار أخضر، وهو يطوى ذراعيه على صدره علامة التحية الهندية، وقال له: «لقد تأخرت يا أبت»، فتمتم غاندى مطرقًا كالمعتذر، وهو يقول: «نعم تأخرت يا بنى»، وانحنى الفتى كأنما يهم بتقبيل قدميه، فنظر إليه غاندى نظرته الوديعة وابتسم له فى رفق وممانعة، وطوى ذراعيه على صدره ردًّا للتحية، فإذا بالفتى قد وثب واقفًا وفى يده مسدس بيريتا الصغير أطلق منه ثلاث رصاصات على صدر المهاتما غاندى الذى هتف بالصلاة «آى رام. آى رام»، وسقط إلى الأرض رافعًا يديه كما كان يرفعهما لمن يدعون له بالحياة، ولم يعش بعدها غير ثمانٍ وعشرين دقيقة، ولم يتكلم بعدها بغير هذه الكلمات: «إذا كنتم لا تريدون أن أعيش.. فلا أرب لى فى العيش»، وظل القاتل كلما سئل بعد ذلك يضحك ويقول: «لست بنادم.. ولست أجهل ما ينتظرنى.. ولكننى لا أبالى.. إننى أقحمت اسمى على التاريخ بأحرف من نار»! وتم العجب من سيرة غاندى حيًّا وميتًا، رجل رفع أبصار الناس إلى أوج السماء، فهبط بها قاتله إلى قراره الجحيم، رجل وهب للهند حريتها، فسلبته الهند حياته، رجل أراد أن يمسح العدوان من ظهر الأرض، فمات معتديًا عليه!
واستطرد مفكرنا الكبير عباس محمود العقاد فى الفصل الذى يحمل عنوان «هذا هو الإنسان» قائلًا: «وجمت حين سمعت النبأ، فما كان للكرة الأرضية من شاغل غيره فى زاوية من أقصى زواياها، لقد أوشك أن يكون حادثًا من حوادث الكون بما رحب، بل كان حقًّا حادثًا من حوادث الكون؛ لأنه على أوثق اتصال برسالة الروح، وجمت وطال بى الوجوم، بل ذهلت وطال بى الذهول؛ لأن الخبر إنما يمهد له خبر مثله؛ ولأن الحادث إنما يقاس على نظيره، ولا نعرف نظيرًا لمصرع غاندى فى كل ما سمعنا به من أنباء العالم، وفى كل ما عرفناه من حوادث التاريخ، لقد قتل من قبل مصلحين وقديسين، ولكنهم قتلوا بيد السلطة التى تخاف منهم على نفسهم، أو قتلوا بأيدى الطغام المهتاجين وهم يسفهون أحلامهم، ويحطمون أصنامهم، ويبدلون شعائرهم، وينكسون منابرهم، فيثور الشر فى نفوسهم، ويهجمون على القتلى وهم لا يفقهون ولا يفيقون، ولكن مصرعًا كمصرع غاندى لم يحدث قط فيما علمناه من حوادث التاريخ، لم يحدث قط أن ترتفع يد بالشر إلى رجل لا يسفه الأحلام ولا يبشر بغير السلام، رجل فى الثامنة والسبعين يسعى إلى الصلاة يتوكأ على حفيدتين بريئتين، ويكف الشر فى النفوس بوقار سنه وضعف شيخوخته وطيبة سكينته واستسلامه، رجل يدين بما يدين به قاتله المتعصب لعقيدته، وقصارى ما تنتهى إليه تلك العقيدة عند ذلك القاتل التعس أن قتل البقرة حرام، وأن قتل القديس العظيم مباح»!.
ويواصل العقاد قائلًا: «خارقة من خوارق الإثم تشده العقل وتشل الخيال، فلا تدرى الأذن كيف تسمعها، ولا يدرى الحس كيف يحملها إلى رأس أو ضمير، لقد خرج غاندى إلى البحر يتحدى قانون الملح المشهور، وخرج وراءه ألوف من الرجال والنساء، وأمرهم أن يصبروا للضرب ولا يضربوا، وأن يتعرضوا للأذى ولا يردوه بمثله، ثم لاح ذلك الشبح الهزيل للجند القائمين فى طريق البحر وهم صفوف من وراء صفوف، فانفرجت صفوفهم له وتركوه يمضى فى سبيله، ثم انطبقت من بعده على الجموع التى تبعته لتعمل فيها الضرب واللكم وتهوى عليها بالعصى والهراوات، فإذا بقزم الجسد مارد الروح، قد وقف عند البحر خاشع الرأس دامع العينين، يبكى وحيدًا لأنه سلم وحده، وأصيبت من ورائه تلك الرءوس والأجسام.
لقد مثل بين يدى القضاء فسأله قاضيه: أمذنب أنت بحكم القانون؟ فقال: نعم مذنب، وأعود إلى الذنب متى قدرت عليه، فأحس القاضى إحساس المذنبين أمام هذا المتهم الذى لا يحس إلا إحساس الشهداء، وقال قولته التى سيخلد بها فى سجل القضاة: إننى أحكم عليك مكرهًا، وسأكون أول من يهنئك مبتهجًا، إذا استخدم حاكم الهند حقه فى العفو عنك، وهو حق لا يملكه القضاء.
ويستمر العقاد فى وصف عظمة الزعيم الروحى غاندى فيقول: مستعمرو بلاده هابوه ويجلوه.
غاصبو وطنه أحجموا عن المساس به والقسوة عليه، ويشاء النحس لذلك الوطن المنكوب أن يشتمل على مخلوق من أبنائه: مخلوق من أبناء البشر، تتحرك يمينه بالقذيفة القاتلة إلى صدر لم يبق فيه مع الحب الشامل لبنى الإنسان، ولكل بنى الإنسان غير جلود وعظام، فلما قيل إنه قتل بيد إنسان، وسألت: كيف تحركت عضلة فى جسد بشرى بضربة قاتلة لذلك الشهيد؟
باسم الوطن وخدمته، يعتدى أكبر مسيء إلى وطنه على أكبر محسن إلى ذلك الوطن المنكوب.
غاندى الذى وهب الحرية للهند، وصنع لها ما لم يصنعه هندى قط منذ خلقها الله، غاندى الذى تفدى حياته بحياة الملايين؛ لأن الإنسانية لا تزال مفتقرة إلى أمثاله، ولو كان فيها من أمثاله ألوف، فكيف بافتقارها إليه وهو واحد مفرد فى هذا الزمان، كبر على الهند أن يظهر من أبنائها أشرف إنسان فى زمانه، فأبى عليها النحس إلا أن يظهر فيها أشأم إنسان فى كل زمان، ومن يقتل شرف الإنسانية كلها إلا مخلوق يخجل من إنسانيته كل إنسان، بل كل حى من الأحياء، وكل ضارية من ناهشات الأبدان، وكل ساعية من نافثات السموم.
ويسألون: ألا جزاء يجزى به وراء الإعدام؟
فما الإعدام فى جانب الوصمة الأبدية يحملها المسكين وحده فى تاريخ البشرية بأسرها، فيذكر وحده إذا ذكر الخزى الذى لا خزى مثله فى طوايا التاريخ، هذا هو الإنسان فى بؤرته السفلى، وذاك هو الإنسان فى ذروته العليا، وفى خشوع لا ينتهى، نحيى الإنسان المشرف للإنسانية، وفى حياء لا ينتهى نزوى البصر عن خزى الإنسانية فى جميع تواريخها.
عباس محمود العقاد
من كتاب المهاتما «روح عظيم»
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !
كنوز| الآنسة منيرة ثابت تطالب بحق الخلع والانتخاب !
كنوز| بيرم التونسى فى لوكاندة سالم !
كنوز| الحج والأضحى فى مرآة «تشيخوف العرب» فى ذكراه الـ 35
كنوز| «السعدنى» يفضح متناقضات «ماما أمريكا» !
كنوز| كامل الشناوى يرثى أسمهان
كنوز| «الموسيقار» لا ينسى «شلّوت» يوسف بك !









