الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


خواطر الشعراوى| المال وسيلة وليس غاية

الأخبار

الخميس، 14 مايو 2026 - 06:52 م

يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: ولو أن الأفراد متساوون فى المواهب لما احتاج الناس لبعضهم البعض. لكن المواهب تختلف؛ لأنك إن أجدت فنًّا من فنون الحياة فقد أجاد سواك فنونا أخرى أنت محتاج إليها، فإن احتاجوا إليك فيما أَجَدْت، فقد احتجت إليهم فيما أجادوا، وهكذا يتكامل العالم.

وكذلك خلق الله الكون: مناطق حارة، ومناطق باردة، ومناطق بها معادن، ومناطق بها زراعة؛ حتى يضطر العالم إلى أن يتكامل، ويضطر العالم إلى أن يتعايش مع بعضه ولذلك يقول الحق فى سورة «الرحمن»: ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ ﴿وَضَعَهَا﴾ لمن؟. ﴿والأرض﴾، أى أرض، وأى أنام؟. الأرض كل الأرض، والأنام كل الأنام، فإن تحددت بحواجز فسدت.

إن منع الإنسان من حرية الانتقال من مكان إلى مكان يفسد حركة الإنسان فى الكون، فقد يرغب إنسان فى أن ينتقل إلى أرض بكر ليعمرها، فيرفض أهل تلك الأرض، فلو أن الأرض كل الأرض كانت للأنام بحيث إن ضاق العمل فى مكان ذهبت إلى مكان آخر، بدون قيود عليك، تلك القيود التى نشأت من السلطات الزمنية التى تحتجز الأماكن لأنفسها، فهذا ما يفسد الكون.

فهناك بيئات تشتكى قلة القوت، وبيئات تشتكى قلة الأيدى العاملة لأرض خراب وهى تصلح أن تزرع، فلو أن الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لما حدث عجز.


ونلاحظ ما يُقال: ازدحام السكان أو الانفجار السكاني، بينما توجد أماكن تتطلب خلقًا! ويوجد خلق تتطلب أماكن، فلماذا هذا الاختلال؟ هذا الاختلال ناشئ من أن السلوك البشرى غير منطقى فى هذا الكون. والكون الذى نعيش فيه، فيه ارتقاءات عقلية شتّى، وطموحات ابتكارية صعدت إلى الكواكب، وتغزو الفضاء، ووُجِدَت فى كل بيت آلات الترفيه، أما كان المنطق يقتضى أن يعيش العالم سعيدًا مستريحًا؟


كان المنطق يقتضى أن يعيش العالم مستريحًا هادئًا؛ لأنه فى كل يوم يبتكر أشياءَ تعطى له أكبر الثمرة بأقل مجهود فى أقل زمن، فماذا نريد بعد هذا؟ ولكن هل العالم الذى نعيش فيه منطقى مع هذا الواقع؟ لا، بل نحن نجد أغنى بلاد العالم وأحسنها وفرة اقتصادية هى التى يعانى الناس فيها القلق، وهى التى تمتلئ بالاضطراب، وهى التى ينتشر فيها الشذوذ، وهى التى تشكو من ارتفاع نسبة الجنون بين سكانها.


إذن فالعالم ليس منطقيًا. وهذا التخبط يؤكد ما يقوله الحق: ﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ إنها حركة هستيرية فى الكون تدل على أنه كون غير مستريح، كون غير منسجم مع طموحاته وابتكاراته.


أما كان على هذا الكون بعقلائه أن يبحثوا عن السبب فى هذا، وأن يعرفوا لماذا نشقى كل هذا الشقاء وعندنا هذه الطموحات الابتكارية؟ كان يجب أن يبحثوا، فالمصيبة عامة، لا تعم الدول المتخلفة أو النامية فقط، بل هى أيضًا فى الدول المتقدمة، كان يجب أن يعقد المفكرون المؤتمرات ليبحثوا هذه المسألة، فإذا ما كانت المسألة عامة تضم كل البلاد متقدمها ومتأخرها وجب أن نبحث عن سبب مشترك، ولا نبحث عن سبب قد يوجد عند قوم ولا يوجد عن قوم آخرين؛ لأننا لو بحثنا لقلنا: يوجد فى هذه البيئة. وكذلك هو موجود فى كل البيئات، فلا بد أن يوجد القدر المشترك. فالأرزاق التى توجد فى الكون تنقسم إلى قسمين: رزق أنتفع به مباشرة، ورزق هو سبب لما أنتفع به مباشرة.


أنا آكل رغيف الخبز، هذا اسمه رزق مباشر، وأشرب كوب الماء، وهو رزق مباشر، واكتسى بالثوب وذلك أيضًا رزق مباشر، وأسكن فى البيت وهذا رابعًا رزق مباشر، وأنير المصباح رزق مباشر. ولكن المال يأتى بالرزق المباشر، ولا يغنى عن الرزق المباشر. فإذا كان عندى جبل من ذهب وأنا جوعان، ماذا أفعل به؟. إذن فرغيف العيش أحسن منه، هذا رزق مباشر، فالنقود أو الذهب اشترى بها هذا وهذا، لكن لا يغنينى عن هذا وهذا.


وقد جاء وقت أصبح الناس يرون فيه أن المال هو كل شيء حتى صار هدفا وتعلق الناس به.. وفى الحق أنّ المال ليس غاية، ولا ينفع أن يكون غاية بل هو وسيلة. فإن فقد وسيلته وأصبح غاية فلا بد أن يفسد الكون؛ فعلة فساد الكون كله فى القدر المشترك الذى هو المال، حيث أصبح المال غاية، ولم يعد وسيلة.


والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطهر حياة الاقتصاد للناس طهارة تضمن حِلّ ما يطعمون، وما يشربون، وما يكتسون، حتى تصدر أعمالهم عن خليات إيمانية طاهرة مصفاة؛ ذلك أن الشيء الذى يصدر عن خلية إيمانية طاهرة مصفاة لا يمكن أن ينشأ عنه إلا الخير.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة