صمت الرب الطويل: ملحمة الإيمان الهادئ لماريا القبطية

رواية مصطفى أبو حسين الوحيدة

الأحد، 17 مايو 2026 - 10:09 ص

أخبار الأدب

د. محمد سليم شوشة فى لغة استثنائية جاءت رواية مصطفى أبو حسين الوحيدة؛ الأولى والأخيرة بين أعماله الأدبية بعد أن قدم عددا من المجموعات القصصية المتميزة، قدّم هذه المرة رواية وحيدة ومات بعدها بشهور، الرواية التى صدرت هذا العام 2026 عن دار العين بالقاهرة هى فى رأينا عمل أدبى فذ وتجربة سردية استثنائية شكلا ومضمونا.  هذه الرواية التاريخية التى تقارب حياة ماريا القبطية فى سيرتها ورحلتها الإيمانية العميقة وتجربة اختبارها فى الاضطهاد الرومانى لها ولأسرتها واغترابها وبحثها عن ذاتها عبر أسفار كتبت عليها ولم تكن اختيارا، تنقب عن الإيمان فيما فرض عليها حتى من الألم، هى تجربة إبداعية مختلفة، وتشكل خطابا سرديا مغايرا للسائد، وكأنى بمبدعها قد نذر نفسه للموت إن هو أتم هذا العمل وأنجزه على نحو ما يتخيل له ويرجو من الإتقان والتوفيق.  وفى هذا الخطاب السردى الاستثنائى يمكن أن نلمس تفرده فى أكثر من بعد من أبعاده وإن كانت كلها أبعاد متشابكة ومتكاملة وابنة نبع واحد، هو هذا الخيال السردى الجبار الذى يتدفق فى تيار لغوى مثل تيار مائى جامح لا يقدر شيء على إيقافه. ذلك لأن هذا التيار التخييلى العذب لا يستند للتاريخ وحسب، بل يستند فى الأساس إلى عملية إعادة تشكيل للتاريخ ليستعيد كل ما كان له من سمات الحيوية والنبض وكل ما كان له من ثقل وحضور وكأن الكاتب يعيش حالا من التحدى مع ذاته أولا على أن ينهض كل ذرة معنى كانت منثورة فى نسيج هذا التاريخ.  هذه الرواية المشهدية التى تصلح لأن تكون عملا دراميا أو سينمائيا واضح القسمات، هى فى الوقت نفسه أقرب لقصيدة ملحمية طويلة عن التصوف ورحلة البحث عن الذات ومحاولة فهمها فى تجربة الإيمان، تجربة هذه المرأة المصرية النموذج فى عقيدتها هى وأسرتها فى تجسيد مختلف لمعنى العقيدة الدينية وتجسيدها بما يجعل منها معادلا للكرامة والحرية والإنسانية، وليست مجرد حال من المعاندة والرغبة فى الاختلاف العرقى والسياسي. بطلة الرواية هى السيدة ماريا القبطية بكل ما تحمل فى طياتها من أبعاد رمزية يتفاوت القراء فى استنطاقها واكتشافها، فهى ابنة الحضارة وابن النيل وابنة الثقافة التى ترى فى حرية العقيدة معادلا للرغبة فى الحياة نفسها، وابنة التجربة والاختبار بكل ما يحملان من معان عن الصبر والتكليف والارتباط بين الأرضى والسماوى والخضوع للقدر دون أن يكون خضوع محو تام للإرادة الإنسانية، بل بما يجعل من الخضوع تأكيدا للإرادة، حتى لتتجلى هذه التجربة بكل ما لها من أبعاد عميقة استطاع خطاب الرواية تجسيدها. والبعد الأكثر لفتا للانتباه فى هذه الرواية فى رأينا هو لغتها التى لا يدرى الناقد مهما كان بارعا أى تصنيف يلائمها، فهى أحيانا تبدو أعمق من لغة أى شعر، لما يتوافر لها من قدرات خاصة فى الغوص وراء شظايا المعانى والمشاعر التى هيمنت على هذا العالم وشكلت ملامحه بما فيها مشاعر حتى الحيوان والطبيعة، فكأن الصور الشعرية التى بدت هذه اللغة السردية مشحونة بها قد امتدت بشكل طبيعى لتغطى تفاصيل كل مشهد، وبخاصة التفاصيل التى ترتبط بتجسيد المشاعر والأحساسيس والمعانى المتوارية واستظهار الخفى منها وتجسيده فى نهر السرد بتدفقه المشهدى دون أن تكون هذه اللغة الشعرية مانحا أو حاجزا يقطع المشاهد أو ينأى بخيال المتلقى عن عملية وصل الأحداث والتصورات المادية لحدود هذا العالم وإدراكها على نحو ما يكون مع مشاهد الأفلام والأعمال الدرامية المصورّة. وفى هذه التجربة الإبداعية تتجلى قدرات خاصة للغة فى تتبع أدق المعانى وأخفاها مما يتصل بتجسد الشعور والأحساسيس وانعكاس الفعل والحدث الروائيين على البشر. والحقيقة أن لغة هذه الرواية بما مالت له من أنماط التعبير والتصوير البانورامى والتكثيف الشعرى ومطاردة الغائر والدقيق من المعانى تحتاج لدراسة موسعة فاللغة فيها تتجاوز الأبعاد الوظيفية لأن تصير وجودا معادلا للذات حتى فى غيابها أو عجزها عن التعبير لدى الشخصيات كما يتجسد فى مشهد دخول مأبور المسجد وراء عليّ بن أبى طالب (ض) فى مشهد أقرب للمحاكمة التى بدت فيها لغة الشخصيات عاجزة عن التعبير. والواقع أننا فى رحلة التفاعل مع ما يطرح علينا خطاب هذه الرواية نكون أمام خطاب فكرى وعقدى وتاريخى وإنسانى ونفسي، تتجلى فيها أحوال عديدة وغريبة للبشر بين القوة والضعف، بين الحب والكراهية، بين التسامح والعصاب الذى يطحن فيه كل صاحب معتقد الآخر دون أدنى شعور بالندم. رواية تاريخية لكنها فى الوقت نفسه عن الإنسان الآن، بما يترسخ فى تكوينه من عجز عن السيطرة على تحيزاته الدينية والعرقية، عن الإنسان بصورته القديمة المتجددة بما فيها من السلبيات والإيجابيات، بما يشكل فى النهاية لوحة عالم صاخب بالأحداث والمواقف والمشاعر.  رواية تاريخية تقابل بين الحضارة القديمة الراسخة فى مصر بما تملك من مقومات التسامح، وما يحيط بها من حضارات أخرى بما توافر لها من جموح وجنوح وشطط نحو العنف والاندفاع، بين عقيدة المصريين بما ترسخ فيها من التسامح وقبول الاختلاف بما أحاط بهم من نزعات إيمانية جديدة لدى الروم أو العرب أو الفرس. رواية تقابل بين النيل والصحراء، بين الأرض التى تحتضن البذورة بلهفة لتنبتها مثل قلوب أهلها المطمئنين ورمال قاسية لا تعرف الماء إلا نادرا.  رواية تستطيع بقدراتها السردية السيطرة على الزمن ذاته فكأنها تقيده أو تثبته ليكون قابلا للتأمل والعيش فيه من جديد، لا ترمم ملامحه عبر اللغة بل تغزله نفسا نفسا، فى نوع من الارتكاز على الإنسان فى المقام الأول، وفى عالم بؤرته هذا النموذج النسائى بما يمثل من الضعف والمعاندة وقوة الرغبة فى الحياة، لتكون ماريا القبطية بما توافر لها داخليا من المفارقات والتناقضات الحياتية مجالا خصبا للتعبير عن المصير الإنسانى بامتداده، وليرى فيها كل ضعيف ذاته، ويرى فيها كل مؤمن يحب الحياة امتدادا أزليا له أو العكس بأن يكون هو امتدادا لها. هذه الرواية مزجت بين الإنسان والطبيعية على نحو قلّما يتوافر لغيرها من الروايات أو الأصوات السردية مهما كان تفردها أو قدراتها، فالإنسان يتحد مع الطبيعة على نحو لا مثيل له، فكأننا أمام سردى تعبيرى يتسم بالشمول، تتحول فيه أصوات الرياح وألوان السماء والقمر والصحراء ورمالها والبحر وزرقته والنهر وخضرته كلها من الساكن والمتحرك، تتحول لفضاءات للتعبير عما هو إنسانى وحضارى ومصطنع أى مستجد ومستحدث من نزعات الحضارة، فيختلط القديم بالجديد والطبيعى البدائى بالطارئ والمصنوع. ويختلط ما هو بشرى بما هو مادى وطبيعى على نحو جديد يجعل من نسيج هذا العالم متلاحما بصورة استثنائية. تقارب الرواية من زاوية معمقة أسئلة قديمة متجددة حول العقائد الدينية وصراع اختلافاتها أو صدام المختلفين حولها، كما تقارب أسئلة عامة حول النفس الإنسانية برغباتها وغرائزها واحتياجاتها المادية والروحية، لتشكل عالما حافلا بشظايا المعانى والأسئلة أكثر من الإجابات المكتملة وهو ما يمكن أن يمنح المتلقى احتمالات تفاعل إيجابى يحفز على التفكير وإعمال العقل وشحذ الوجدان.  تتسم هذه الرواية بقدر كبير من الشجاعة والجرأة المحسوبة بدقة، بناءً على ما تتماس معه من أسئلة وتقارب من شخصيات دينية وتاريخية، لتمثل وحدة أدبية جديدة كليا عما هو سائد من السرد الروائى العربي، وتعيد تقييم دور الخيال والتخييل فى حياتنا، سواء كان خيالا أدبيا أو نشاطا ذهنيا طبيعيا يمارسه الإنسان العادى بما يتحول به لأن يكون موقفا طبيعيا وعفويا من كل ما هو تاريخى وقديم، فموقف الإنسان من الدين ونصوصه أو من الماضى والتاريخ لابد أن يكون مستندا إلى الخيال مهما كان مدعوما بالنصوص والمرويات، حيث يبقى التخييل نشاطا ذهنيا حتميا لا مفر منه أبدا، ولابد أن يكون التخييل فى النور إن أردنا له مسارات صحية تدّعم مسارات الفهم والتأويل والوعى بالذات والماضى والتاريخ لدينا. فلا يمكن للذات المتدينة أن تفهم وتعى نفسها دون دور للتخييل أو محاولة ردم الفجوات التى تتركها المرويات والموروث الديني. والحقيقة أن قيمة هذه الرواية وأبعادها التى تشكل قيمتها وأثرها الجمالى والثقافى أبعد بكثير من مجرد مقالة تضيء بعض ميزاتها، فهى بحاجة لعدد من الدراسات المتعمقة.