ورود يوم القيامة
ورود يوم القيامة: الغزّيون فى طريق الآلام العالمى
الأحد، 17 مايو 2026 - 10:11 ص
د. محمد عبيد الله
يُقدم الشاعر الأردنى حسين جلعاد فى مجموعته الشعرية الجديدة «ورود يوم القيامة»، الصادرة عن الدار الأهلية، تجربة شعرية جديدة يخوض فيها تجربة متحدّية مركّبة بالإقدام على كتابة عمل شعرى متكامل يتصادى مع حرب الإبادة والعدوان على غزة، بعد السابع من أكتوبر 2023. وللقارئ أن يتصور هذا الشاعر الذى يعمل فى الصحافة والإعلام ويتابع بحكم عمله آلة الدمار وصور العدوان وجرائمه لحظة بلحظة؛ فهو يفرغ بعض آثارها فى كتاباته الصحفية، ولكن للأحداث آثاراً أعمق لعلها الآثار التى ادخرها لهذا الديوان، مبتعدا فيه عن الوظيفة الإبلاغية والمنبرية لصالح التأمل والحفر فى طبقات المعنى، معبرا عن صراع وجودى ليس طوفان غزة وما تبعه من عدوان إلا فصلا من فصوله الصعبة.
يستدعى عنوان الديوان طاقات دلالية متشعّبة؛ فمع الدلالة المبهجة، يخبئ أيضاً دلالة جنائزية. وعندما يُعرّف العنوان بإضافته إلى «يوم القيامة»، فإنه يحتشد بمعانى المصير، والحساب، والشدة، وانقلاب الدنيا رأساً على عقب. وبربط ذلك بمضمون الديوان وارتباطه بغزة، نرى خيطاً آخر؛ فالقيامة فى أحد مستوياتها الشعرية ليست إلا أحداث هذه الحرب ومشاهدها المؤلمة غير المسبوقة.
يتكون الديوان من أربعة أقسام أو فصول، سمّى الشاعر كل فصل منها «باقة»، وكأنه يفصّل بذلك «ورود يوم القيامة» الظاهرة فى العنوان؛ فهذه الباقات هى أقسام تلك الورود أو أجزاؤها وفروعها.
ومن الطبيعى أن تنقسم كل باقة إلى فروع، وهى النصوص الشعرية التى لا تحمل عناوين مستقلة، ولكنها مقسّمة عبر تقنية الفراغ واستعمالات البنط الطباعي؛ حيث عمد الشاعر إلى إبراز كلمات بعينها كأنها عناوين فرعية، وهى فى الوقت نفسه بدايات جمل وليست كلمات مستقلة. هذا اللعب بالعنونة يمنحنا فرصة الوصل والفصل، ويمنح الشاعر فرصة الانتقال من فرع إلى آخر، ليتجنب الإطالة فى مقام يقتضى الكثافة والاختزال، خصوصاً فى مناخ مثل هذا الديوان الذى يواجه مأزق التعبير عن حياة شعب بأسره. لقد كان خيار الشاعر ميالاً إلى تأمل الحدث وأبعاده الإنسانية والثقافية فى محاولة دؤوبة للارتفاع إلى مستواه الفكرى العميق بالرغم من جسامة الخسارة، وتوفر أسباب شتى للبكاء والانفعال.
يُعدُّ البناءُ الدراميُّ للديوان تجسيداً شعريا لدورة «الفصول الأربعة»، حيث صهرَ الباقاتِ الأربع فى دورة حياة كونيّة تُحاكى تقلّب الفصول وانبعاثها الدائم. فالباقة الأولى (على حافة النفق) تُمثّل «فصل التأسيس» والشرارة الأولى، حيث يخرجُ الفعل من رحم الأرض كبذرةٍ تشقُّ التراب؛ ومن صفعة (السنوار) لضابط التحقيق، وتأتى الباقة الثانية (خزائن الثياب) كشتاءٍ قاسٍ تتبعثرُ فيه الأجسادُ وتنكشفُ فيه البيوتُ تحت الأنقاض، فى تصويرٍ بليغ لمرحلة الفقد الماديّ. أما الباقة الثالثة (شعبٌ فى الاستعارة)، فتنتقلُ بالدورة إلى طور «التحوّل الروحي»، حيث يرتفعُ الشعبُ فوق جراحه ليصيرَ مادةً ميتافيزيقية عصيةً على الفناء، وصولاً إلى الباقة الرابعة (قصيدةٌ لا تنتهي) التى تُمثّل «ربيع الانبعاث» الرمزيّ؛ حيث تطلُّ وجوهُ الأطفال وضحكاتهم ليعلنوا استمرار السلالة، مؤكدين أن الموت فى غزة ليس نهايةً، بل هو جزءٌ من دورةٍ أبدية تعودُ فيها الأرواحُ لتسقى الأرض فى هيئة حبات مطر، لتبدأ الحكايةُ من جديد فى قصيدةٍ تأبى الختام.
تطلعنا الباقة الأولى على الحدث دون تهيئة، فهى تبدأ بمقطع يؤلف حدثاً مرتبطاً بشخصية الطوفان الرئيسية «السنوار»، والصفعة التى وجهها للمحقق، وربما تسترجع هذه اللقطة أحداث سجنه أو حياته كسجين سابق. وتقفنا هذه اللقطة على تفجر الحدث، قبل أن يستثار جنون المحتل فيرد بحرب مجرمة تأكل كل شيء. الشاعر لا يحاكم الطوفان من منظور السياسة، بل من منظور المواجهة الطويلة بين الضحية والجلاد؛ فالعدوان فصل من فصول المواجهة كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً. ويوحى مفتتح الباقة بالانتقال من الحدث المباشر إلى صيغة أسطورية للإحاطة بالصراع الوجودي، وهى تهيئة لرؤية الشاعر ودورته الأبدية.
أما الباقة الثانية فتتأثث من شعرية التفاصيل اليومية؛ ولكنها تفاصيل الإنسان الغزّى الذى عبثت الحرب بكل ما يملكه، فالعنوان يوحى بالسكنى الأليفة والبيوت التى تحفظ وتستر. نجد هنا فصلاً يحاول «شعرنة» هذا الانكشاف ومجابهة الإنسان للحظاته الصعبة، حيث غدا كل شيء خارج خزائن الستر: القمصان، ثياب الأمهات، وشال الزوجة...
وتعود الباقة الثالثة إلى الجملة المفتاحية فى مطلع الديوان «شعب فى الاستعارة»، لتقدم فصلاً رؤيوياً يرتفع عن جسامة الآثار الإنسانية للحرب لمعاينة المعنى البعيد للصراع. هل تكفى الاستعارات لقبول هذا الموت؟ «بالأجنحة نشيع قتلانا إلى المقبرة، وبالأجنحة يعودون إلينا كل يوم». الاستعارة هنا توازى الهوية، لأنها بناء أو عمل فى اللغة والهوية معا، أي: كيفية بناء الشعب لهويته وأسطورة صبره اعتماداً. وإذا كان الدمار قد حطّم الإنسان والبنيان، فإن حياة الشعب قد استحالت إلى لغة واستعارة ومعانٍ عصية على التدمير؛ فالسكنى فى الاستعارة هى سبيل لحماية ما تبقى من وجود.
والباقة الرابعة تتمم دورة الفصول الأربعة. تتردد فيها فكرة التجدد والبقاء والمقاومة عبر صور الأطفال وما يمثلون من تجدّد وحياة؛ فالطفل يرفع دميته فى وجه الدبابة، وثمة حياة تحت الرماد. فى هذا الفصل الأخير، تعود جملة «القصيدة التى لا تنتهي» إلى التردد مجددا، والقصيدة هى موئل الاستعارة التى أقام فيها الشعب. انتهى العدوان فى نهاية الأمر لكن الشعب باقٍ وصامد، وما تزال النهاية مفتوحة لكن القصيدة تومئ إلى علامات الحياة فيها.
وثمة صور مؤثّرة ترددت فى الديوان، منها صورة الإحالة إلى الهنود الحمر، وهى إحالة تناصية مع قصيدة محمود درويش «خطبة هندى أحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض». يوظف جلعاد هذه الصورة ويكثفها كقناع رمزى لمواجهة الإبادة وجريمة «الرجل الأبيض»، باعتبار الاحتلال لوناَ قاسياً من الاستعمار:
«سنركض الآن ونبكى بعد القيامة
سنركض حتى نصل حقل الورد.. صرخة الهندى فى السهوب الزرقاء» (ص 39).
وتظهر صورة أخرى أشد صراحة فى الربط مع الاستعمار:
«مشى الهنود الحمر قبلنا فى (طريق الدموع)
والرجل الأبيض ذاته سار خلفنا بالبنادق من الشمال إلى الجنوب» (ص 101).
تُشكل إحالة الشاعر إلى طريق الدموع Trail of Tears تقاطعاً تراجيدياً عميقاً يربط المأساة الفلسطينية بمظلومية الهنود الحمر؛ فهذا المصطلح الذى يؤرخ للتهجير القسرى الدامى للقبائل الأصلية فى أمريكا، يستدعى فى سياق غزة صورة «طريق الآلام» الذى سلكه السيد المسيح فى القدس. وبمزج هذين الرمزين، يخرج جلعاد بالألم الفلسطينى من حيّزه الجغرافى الضيق إلى رحابة المأساة الإنسانية الكونية؛ فالمسير القسرى لأهل غزة من الشمال إلى الجنوب تحت فوهات البنادق ليس إلا امتداداً لـ «طريق الدموع» التاريخي، حيث يتشابه الجلاد المستعمر فى نزعته للإبادة والمحو، وتتماهى الضحية فى صمودها الأسطورى على طريقٍ معبدٍ بالوجع والأمل فى آنٍ واحد. مثل هذه الصور تتكفل بتعميق أبعاد الصراع لتدرجه فى سياق عالمى يكشف عن نزعة الاقتلاع والمحو التى يحملها جندى الاستعمار، فى تكثيف حاد للصراع الوجودي.
وفى ضوء ما سبق يجدد الديوان تشكيل صورة العدو بوصفه «آلة محوٍ» استعمارية تتجاوز القتل المادى لتستهدف الهوية والاقتلاع القسري؛ ولذلك يتماهى كما رأينا مع صورة «الرجل الأبيض» الذى يقتفى أثر الضحايا ببنادقه. إنه عدوٌّ لا يكتفى بهدم الجدران، بل يغتالُ السكينةَ بـ «نبش خزائن الثياب» وانتهاك حميمية البيوت المهدومة، فى محاولة بائسة لـ «تشييئ» الفلسطينى واختزاله فى «رقم». وبذلك، يُعرّى جلعاد هذا المحتل بوصفه كائناً عابراً يمتلك تكنولوجيا الدمار، لكنه يفتقرُ تماماً إلى «بلاغة الأرض» وعمق «الاستعارة» التى يتحصنُ بها أصحاب البلاد الأصليون.
تكتملُ صورةُ الديوان من خلال البلاغة البصرية التى وظّفها جلعاد كأداة تعبيرية موازية للغة؛ فالقصيدةُ لديه لا تُقرأُ فحسب، بل تُعاينُ بَصرياً فوق بياض الصفحة. لقد عمد الشاعر إلى استخدام «تقنية الفراغ» كفواصل صامتة تمنح القارئ فرصةً لالتقاط الأنفاس وسط ازدحام الموت، مدمجاً ذلك بـ «اللعب الطباعي» عبر إبراز كلمات بعينها ببنطٍ سميك. هذه الكلمات لم تكن مجرد عناوين، بل هى «نُدوبٌ» بصرية فى جسد النص، تعملُ كبدايات لجُملٍ ترفضُ الانتهاء، مما يعزز فكرة «التكثيف والاختزال» التى تطلبتها طبيعة المأساة.
فى الختام، يظهر ديوان «ورود يوم القيامة» كوثيقةٍ جمالية ووجودية تنهض على إعادة صياغة الوجود الفلسطينى فى قالبٍ ملحمي، لتأكيد أنَّ القيمة الفنية الكبرى تكمن فى قدرة الشاعر على «أنسنة الوجع» وتحويله من صراخٍ عابر إلى ميتافيزيقا بصرية ووجودية باقية؛ فقد نجح حسين جلعاد فى صهر الواقعة التاريخية داخل بوتقة «الاستعارة»، محولاً الفلسطينى من «ضحيةٍ عابرة» إلى «رمزٍ أسطوري» يتماهى مع عناصر الطبيعة، فيذهبُ شهيداً ويعودُ مطراً. إنَّ الديوان، ببراعته فى التقاط «شعرية الأنقاض» ونبش «خزائن الثياب»، وبلاغة صمته البصرى وتكثيفه اللغوي، يبنى «وطناً لغوياً» موازياً لا تطاله آلات الدمار. وبهذا، يظلُّ العملُ «قصيدةً لا تنتهي»، تتجاوزُ فى رصانتها الفنية منطق المناسبة الآني، لترتقى بالجرح الفلسطينى إلى مصافِّ الملاحم الإنسانية الكبرى التى تُقرأُ بـ «بلاغة الكتب المقدسة»، وتؤكدُ فى كل سطرٍ أنَّ الروح التى تسكنُ فى «المجاز» هى روحٌ عصيةٌ على الاقتلاع.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا
يد من رمال: تكريس الذاكرة وحمايتها!
نعود لنرسم وجه الطفولة: الهجرة إلى الأحلام
صمت الرب الطويل: ملحمة الإيمان الهادئ لماريا القبطية
جدل فنى قديم: «يا فايتنى وأنا روحى معاك» بين رامى وأبو سمية
إسكندرية فين.. رحلة تناجرا
الصبار: ما خطبك يا صفية؟ ماذا فعلتِ؟









