السيدة البيضاء

السيدة البيضاء

الأحد، 17 مايو 2026 - 10:25 ص

أخبار الأدب

منى ياسين أخرج من البيت النوبى كمن يخرج من نفسه، أتمشى على ضفاف النيل حيث يبدو العالم أكثر بساطةً وصدقًا. تقابلنى مجموعة من الكلاب المسالمة، تحوم حولى بنظراتٍ متسائلة عن الطعام. أحيانًا أجلب لها معى فائض المطبخ، وأحيانًا أخرى أقدمه طعامًا للتماسيح؛ لا أريدها أن تعتمد علىَّ فى مأكلها. وحين تجدنى خالية الوفاض، تتركنى أتمشَّى بحرية، وكأن بيننا اتفاقًا غير معلن. أسترجع أحداث حياتى حين كان عمرى أربعين عامًا. كنت أجلس فى شقتى بالقاهرة وحدى، أتأمل الطريق الذى قطعته. لم أكن نادمة، بل كنت فخورة بأننى لم أتنازل عن مبادئى من أجل أحد. أتذكر ذلك اليوم فى المقهى؛ حيث الضجيج الخافت، وأبخرة القهوة تتراقص فوق الأحاديث المتقطعة. جلسنا أنا وهو. سألنى، وعيناه تحملان فضولًا ممزوجًا بترقّب: «هل تحبين الكلاب؟». ابتسمت ابتسامة خفيفة؛ لم تكن رضا بقدر ما كانت قناعًا يخفى وراءه فلسفة حياة كاملة. قلت: «أحب الحيوانات كلها، والكلاب منها». كانت إجابتى صادقة؛ فقلبى يتسع لكل كائن حى، لكن هذا الحب لم يكن ليُترجم إلى مشاركة سقفٍ واحد. تطور الحوار، وبدأ الصدام الفكرى يتجلى بوضوح. سألنى إن كانت لدىَّ مشكلة فى العيش مع كلب. ضحكت ضحكة خالية من السخرية، لكنها مشبعة باستفهام عميق: «أعيش معه أين؟ فى مكانى الطبيعى، شقتى المغلقة، أم فى مكانه الطبيعى، الشارع؟». لم يكن السؤال بريئًا، بل كان مدخلًا لمبدأ أومن به إيمانًا راسخًا: «أنا ضد أن يعيش أى كائن حى مع كائن آخر ليس من نوعه. لكل نوع بيئته التى خُلق لها. ليس من الإنسانى أن أجلب حيوانًا لأعيش معه، ولا أن أعيش أنا فى بيئته». أخبرنى، بنبرة لا تخلو من التحدى، أنه يربى كلبًا منذ سنوات ويعيش معه فى الشقة. رفعت حاجبى قليلًا وقلت: «ما زال لدىَّ مشكلة، بعد كل هذا العمر، فى أن أتزوج ويكون لى شريك فى الشقة وهو من نفس نوعى، يشاركنى الفكر والهموم والأحلام. فكيف أعيش مع حيوان تحت سقف واحد؟ هذا لن يحدث». رفض هو التخلى عن كلبه، ورفضت أنا التخلى عن مبادئى. وهكذا لم تتم الزيجة. لم يكن الأمر مفاجئًا؛ فقد كنت أرى الفجوة تتسع بيننا مع كل كلمة، حتى صارت هوّة لا تُردم. توصلت إلى فكرة مؤلمة، لكنها بدت لى حتمية: «الإنسان البائس وحده من يلجأ إلى حيوان ليؤنس وحدته». فالحيوان كائن اتكالى، يعتمد عليك فى كل شىء: طعامه، نظافته، رعايته، صحته. إنه استنزاف للموارد والجهد من أجل ونسٍ زائف. إن كان حبًا للحيوانات، فحيوانات الشارع موجودة؛ يمكن إطعامها ورعايتها من بعيد. أو يفعل كما فى مسرحية «شاهد ما شافش حاجة»، ويذهب إلى حديقة الحيوانات ليطعم الأرانب. ولو خُيّرتُ بين رعاية كائن حى، لاخترت أن أتبنى طفلًا؛ أن أنقذ حياة إنسان وأمنحه فرصة كريمة. أما هذا الكلب الذى فُضِّل علىَّ، فلن يناوله كوب ماء إن مرض، وإن مات صاحبه، فقد يتعفن جواره فى انتظار من يدفنهما معًا. مرت السنوات، وتلك الكلمات الصارمة بدأت تتآكل تحت وطأة الوحدة التى فرضتها على نفسى. أدركت أن الونس الحقيقى ليس مجرد وجود جسدى، بل تفاعل روحى وفكرى. شدّتنى حكايات النوبة؛ بيوتها المفتوحة، وقلوب أهلها الدافئة. حزمت حقائبى، وتركت خلفى شقة المدينة الصامتة. وصلت إلى قرية نوبية هادئة، حيث تتلألأ بيوت الطين الملونة تحت شمس الجنوب. بدأت حياتى الجديدة كمتطوعة. كان لكل سيدة عمل: من ترسم الحناء، ومن تدق الوشم، ومن تقرأ الطالع. أما المطبخ، فكان للجميع. وكنتُ واحدةً منهم. فى البداية، كان علىَّ أن أختار اسمًا يجنبنى سوء الظن؛ فامرأة فى عمرى بلا زواج تحيط بها التساؤلات. اخترت لنفسى اسمًا جديدًا: «أم حبيبة». لم يحمِنى هذا اللقب من الطمع فحسب، بل منحنى مكانة الأمومة دون زواج، وأثبت أننى لست أقل من غيرى. وأصبحتُ أُعرف أيضًا بالسيدة البيضاء من وجه بحرى. مع بلوغى السبعين، لم أعد متطوعة، بل صرت جزءًا من هذا المجتمع. وجدت فيهم أهلًا وعائلة. داخل البيت، أقضى بعض وقتى مع التماسيح. أهل النوبة يربونها كما يُربّى أهل القاهرة الكلاب. لكن التمساح هنا فى قفص حديدى. وهذا، بطبيعة الحال، ضد قناعاتى. أنا التى أومن بأن لكل كائن بيئته، وأن حبس الحيوان ظلم. لكننى أصمت… لأن التمساح هنا مصدر رزق. وصمتى ليس تنازلًا عن مبدئى، بل احترامًا لظروف لا تشبه ظروفى. سعيدة لأننى أنهيت حياتى هنا، بين أناسٍ حقيقيين. أقف عند باب البيت، أراقب النيل وهو يبتلع آخر خيوط الشمس، وأشعر أننى أخيرًا فى مكانى الصحيح… «ممكن صورة»؟ التفتُ على صوتٍ غريب، فإذا بسائحة تقف أمامى، تبتسم بحماس، ثم تتأملنى لحظةً بتعجّب واضح. قالت وهى تشير إلى وجهى ويدىّ: «هو… أنتِ مش من هنا، صح؟ لونك مختلف». نظرتُ إليها، ثم إلى يدىّ، ثم إلى البيوت الملونة من حولى. ابتسمتُ ابتسامة هادئة، لا تشبه تلك التى كنت أرتديها قديمًا كقناع. وقفتُ بجانبها لالتقاط الصورة، ولففتُ طرف الثوب النوبى حول كتفى بثبات. لم أُجب. هذه المرة…لم أكن بحاجة أن أشرح من أنا، ولا أن أنتمى لما يشبهنى. كنت فقط فى المكان الذى اختارنى، وبقيت.