برقيات كويتية

برقيات كويتية

الأحد، 17 مايو 2026 - 10:31 ص

أخبار الأدب

عبد الوهاب الحمادى قل للرفاق.. قل للرفاق.. عندما سألت أبا غسّان عن أوّل مرّة سمع بها اسمها، كان يتذكر وهو ينظر بعيدًا إلى ما هو أبعد من لوحة جدارية ضخمة فى آخر الديوان، أراد رسّامُها أن يضع كل مكونات الحياة الكويتية القديمة والحديثة فيها، كنت مستغرقا فى البحر والسور والناس والخيول والجِمال والعباءات والأبراج، هل حانت من الشاعر تنهيدة تشبه تنهيدة الوجع التى أودعها قصيدته/ أغنيته.. «قل للرفاق»؟ رجعت من لحظة فوجدته قد حدق فيّ بعينين رأتا الكثير، ما تزال ملامحه كما فى صوره القديمة، وسيمًا وصاحب صوت واضح وجمل منتقاة، كما يليق بشاعر قال للرفاق ما قال، كان يستذكر؛ الزمان زمان ثانوية الشويخ، أحدث مبانى الشرق الدراسية، محاذٍ لوشوشة موج الخليج. الزمن فسيح مشرّع أبوابه على الحلم، خمسينيات القرن المنصرم، نسى الناسُ حربا عالمية انقضت قبل أعوام، السائل الأسود يهدر فى الأنابيب ويموّل بناء الحلم. آنذاك عرفت قاعات ثانوية الشويخ مدرّجات ومقاعد خشبيّة وطاولات مليئة بالطلبة، متراصين، ينصتون لقامات علمية وأدبية عربية قدمت تحمل المعرفة، طلبة نهمون للاستماع للفهم والنقاش والاختلاف، طلبة يحلمون. فى أروقة تلك الثانوية سمع الوقيّان باسمها لأول مرّة. أيها القادمون مع الليل.. إن العروق التى نزفت.. فوق رمل الكويت.. لم يكن نبضها غير خفق العروبة.. فى كل بيت.. مرّ عقدٌ أو كاد، وإذ بالطالب صار جامعيا، يومها كان الوقيّان فى سنته الثالثة يعبر قسم اللغة العربية وآدابها فى الفصل الدراسى ١٩٦٨م – ١٩٦٩م: «ففى ذلك العام أصبحَت الأستاذة نازك الملائكة أستاذة لمادة النقد الأدبى فى الجامعة». قل للرفاق.. قل للرفاق.. أنتظر رشفة شاى وأسأله عن حال الجامعة آنذاك؟ أترانى سمعت تنهيدة أخرى؟ أم أنا من كنت أتنهّد؟ فذاك الزمان زمن استقطاب النجوم وأساطين العلوم: «من مصر بالدرجة الأولى، ومن العراق وسوريا، ومن دول عربية وأجنبية»، لذلك من الطبيعى أن أتساءل عمن كان وراء ذلك، تتوالى الأسماء، لكن الاسم الذى يذكره خليفة الوقيّان ويجمع عليه من حدّثنى عن ذلك الزمان هو الدكتور عبدالفتّاح إسماعيل أوّل مدير لجامعة الكويت. أيها السارقون.. حليب الرضيع.. دواء المريض.. زهور الحديقة.. سبورة الفصل.. كراسة المدرسة.. هل نقول هنيئا لكم فتحكم؟.. كل تلك الغنائم.. هل نقول هنيئا لكم نشوة الغطرسة؟..  احكِ لنا يا دكتور ونوّرنا بتعداد أسماء نجوم سماء الكويت، الأساطير العلمية التى تمشى بينكم فى الجامعة، ارسم لى جدارية أعظم وأجلّ من تلك فى نهاية الديوان، لا داعى للتنهيدة، كنت أحدّث نفسى لأننى أنا من يفعل بين اسم وآخر، كأنما صارت التنهيدة بمثابة فاصلة: «شوقى ضيف، عبدالسلام هارون، حسين مؤنس، محمود مكّي، جمال زكريا، محمد عبدالهادى أبوريدة، عبدالرحمن بدوي، الشيخ محمد المدني، أحمد الغندور، موسى هنداوي، يوسف خليفة، محمد زكى العشماوي، عبدالعزيز مطر، وديعة طه النجم، شاكر مصطفى، عبدالصبور شاهين». هل تحتاج إلى غوغل لمعرفة هذه الأسماء؟ «أعتقد أن الجيل الذى أنتمى إليه كان سعيدا» عدت من سرحاني، لأقف أمام هذه العبارة عن الجيل السعيد مثلما يقف مستكشف أمام جدارية أثرية يعرف فكّ طلاسم لغتها، يكمل الوقيّان: «إذ هيأت له الأقدارُ فرصة اللقاء بنخبة رائعة من العلماء وفى مكان واحد»، هذا فعلا برأيى أفضل تعريف للسعادة. وأين نازك الملائكة من تلك الأسماء؟ إذ إن حديثنا عنها فى لقاء الديوان.. ما الفرق بينها وبينهم فى ساحات الدرس؟ يا من ولغتم بالدماء اليعربية.. واستبحتم حرمة الوطن الذبيح..  «لكل شيخ طريقة كما يقولون.. وطريقتها فى التدريس تتميّز بالجدية والصرامة وعدم الوقوف عند حدود المادة التى تدرّسها، إذ أنها تتجاوز حدود مادة النقد إلى التنبيه للأخطاء الشائعة، والأساليب الرديئة لدى كثير من الكتّاب» ذلك رغم أنها..: «قليلة التواصل مع الآخرين، ولكن زملاءها من أعضاء هيئة التدريس يقدّرونها كثيرا، ويشيدون بكفاءتها، فحين قدّمتُ خطّةَ دراستى لدرجة الماجستير إلى أستاذى المشرف د. شوقى ضيف وافق عليها ثم قال لي: اعرضها على الأستاذة نازك فهى حصيفة. وأخذت بنصيحته وعرضت عليها الخطّة فأجازتها كما هي». قل للرفاق.. قل للرفاق..  مرّت الأعوام وتخرّج الوقيان من جامعة الكويت، انقطعت علاقات وتجدّدت علاقات وتوطدّت بين الخرّيج والدكتورة وزوجها: «توثّقت علاقتى بالأستاذة نازك وزوجها الرجل النبيل د. عبدالهادى محبوبة، وأصبحت العلاقة فيما بعد أسرية، إذ كانا يزوراننى فى بيتنا فى منطقة الشامية، وأزورهما فى مسكنهما» وأين كان مسكنهما دكتور خليفة؟: «فى السالمية، شارع بغداد!» شارع بغداد؟! ما هذه الصدفة التى حملت عائلة بغدادية من أب وأم وابن سمّوه البراق، على ترك مدينتها والمجيء إلى الكويت؟ ثم تقطن فى شارع يحمل اسم عاصمة العباسيين؟! أمر لو مرّ فى رواية لاتهم كاتبها بإشاعة صدفة تضعف أى عمل أدبي.. لكنها الحياة. وخيولكم لمّا تزل سكرى تغير على المنازل.. وتجوب أسواق المدينة تقتفى أثر الغنائم.. فى صوت الدكتور خليفة، الرائق الواثق الواضح، وهو يجوز بكل همّة منتصف الثمانينات من عمر شهد أعمارا شجن استعادة مشاعر وزمن لن يعود، لا شكّ عندى بأنهما يقدّرانه كثيرا، لذلك تأتى الحكاية لتؤكد حدسا، يومها وتحديدا فى الخامس من أبريل عام ١٩٧١م، أصدرت نازك الملائكة مجموعة شعرية، فأقيم فى جامعة الكويت احتفال! أو يقام احتفال فى جامعة عربيّة بمناسبة صدور مجموعة شعريّة لأكاديمية تدرّس فيها؟! سؤال لم أسأله، إذ إن الإجابة بديهية وتحرّض على مقارنة أزمان والمقارنة من مفاتيح التنهيد. يومها، طُلب من نازك الملائكة أن تلقى قصائدها.. : «فاختارتنى لقراءة القصائد نيابة عنها». قل للرفاق.. قل للرفاق..  فى العام ١٩٧٦م عقد الوقيّان قرانه على ابنة عمّه فى منزلهم، حفل عائلى بسيط يقتصر على أبناء العائلة، ولكن والده طلب منه دعوة د. عبدالهادى محبوبة لحضور عقد القران، وحضرت نازك الملائكة لتشارك النساء ذلك الفرح. «ومن الطرائف التى حصلت أثناء عقد القران على ابنة عمّي، أن الشيخ على الجسار (المأذون) والخطيب المعروف استغرب وجود رجل كبير فى السن يرتدى البدلة الأفرنجية بين كبار رجال العائلة، وكان يرغب فى معرفة ذلك الرجل كعادته، فاختصرت عليه المسافة كما يقولون وقلت له إن ذلك الرجل أستاذى وبمنزلة والدي، وهو من عائلة نجفية عريقة، وأن زوجته نازك الملائكة الموجودة الآن مع والدتى تنحدر من أسرة عريقة أيضا». قل للرفاق الساكتين عن المظالم.. السارحين كما السوائم..  يهنيكم شرب الدماء.. النازفات من المحارم.. استمرت تلك العلاقة وعندما أصبح للدكتور أبناء وبنات: «كانوا يسمون الدكتور عبدالهادى عمّى ويسمون نازك خالتي» بل وكلما عادا من بغداد، يعودان محمّلين بالهدايا لأبناء الشاعر الكويتي. «ثم بدأت صحّة نازك الملائكة بالتردّي». تتغيّر نبرة صوته ويداخلها ألم «واعتكفت فى منزلها المطل على شارع بغداد»، وكان يلّم بهما: «كل أسبوع أو أسبوعين». «فى بداية مشكلتها الصحيّة كانت تخرج إلى الصالة عند زيارتى لهما، ولكن مشكلاتها الصحيّة زادت، فأصبحت ترد على سؤالى عن صحّتها من وراء باب الغرفة، وقال لى الدكتور عبدالهادى بأنها لا تكلّم أحدا». وممّا فاقم أزمتها إنهاء ابنها البراق المرحلة الثانوية فى الكويت وسفره لإكمال دراسته فى الخارج. قل للرفاق.. قل للرفاق.. «لماذا لا تعودان إلى بغداد؟» هذا الطلب أو الاقتراح، لم يخرج من قلب الشاعر، بل من عقل الدكتور عندما أحس بأنهما يحتاجان إلى وجود أحد من الأسرة يعتنى بهما: «فالدكتور عبدالهادى إنسان نبيل، رقيق المشاعر، ثقيل السمع وهي.. سريعة الغضب» ذلك مع حمولة أمراض تتفاقم. «لم تكن أقدر من أختها إحسان قادرة على الاهتمام بها»، لكنها لا تستطيع مغادرة العراق. بعد صمت جاءت إجابة الدكتور عبدالهادى مفادها بأن الحكومة العراقية لن تسمح لهما بالعودة بصحبة السيارة والأثاث والمكتبة! «فوعدتهما بأننى سأحاول». استغل الشاعر دعوته إلى مهرجان المربد وقصد بغداد ليعرض الأمر على وكيل وزارة الثقافة العراقية، عبدالأمير المعلا. «هل تقبلون أن تموت نازك خارج وطنها؟» سؤال عندما سمعته لم أشك لحظة فى صدقه فى ذلك الزمن، وفى نفس الوقت لم أستطع منع نفسى من إجابة لم يكونا يعرفانها فى تلك اللحظة، ولم يعرفها أحد، إجابة مفادها بأن بعد عدّة أعوام من السؤال، سيزعم العراق أن الكويت مقتطعة منه، ولا يكتفى بالادعاء المضحك والمؤلم بل سيدخل تحت ستار الليل بجيش جرّار وطائرات ومروحيات ودبّابات ويعلنها محافظة تابعة له. احتلال قصم الدنيا وقسمها، وكتب الشاعر قصيدته الصدمة.. «برقيات كويتية». رد الوكيل لم يكن شافيا إلا أنه ردّ صادق عندما بيّن أنه لا يملك صلاحية، واقترح على الشاعر الكويتى مقابلة وزير الثقافة والإعلام لطيف نصيّف جاسم، ودبّر له موعدا، وكان، وشرح له المعضلة الجمركية والأمنية التى تحول دون عودتهما. هل أنتم أحفاد معتصم إذا انتخت الأسارى.؟. أم نسل هولاكو الذى حرق الديارا؟.. حملا حمولة السنين من مسكنهما فى السالمية المطل على شارع بغداد، واتجها شمالاً إلى بغداد العاصمة، وزارهما الوقيّان هناك لاحقا: «وأحسست لدى تلك الزيارة أن صحّة الأستاذة النفسية والبدنيّة تحسّنت كثيرا». قل للرفاق.. قل للرفاق.. استمرت المراسلات بينهما حتى ذلك الشهر الذى قصم وقسم الدنيا، أغسطس من العام ١٩٩٠م «حيث حدث الاحتلال العراقى للكويت، فانقطع وصول الرسائل بين البلدين». لكن الشاعر الذى قال للرفاق.. قصيدته.. لم ينقطع عن تقصّى أنباء أستاذيه، فعرف بأنّهما انتقلا من العراق إلى لبنان الذى كان فى سنة حربه الأهلية الأخيرة. ومنها انتقلا إلى القاهرة، ومن هناك عادت الرسائل، الدكتور عبدالهادى ينقل للوقيان أخبار صحّة أستاذته، ثم قابله فى أبوظبى عندما كرّمتها مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين عام ١٩٩٦م وفازت بجائزة الملتقى الشعرى المعروف. لكنها لم تحضر. قل للرفاق الساكتين عن المظالم.. السارحين كما السوائم يهلكهم شرب الدماء..  فى العام ٢٠٠١م انتقل الدكتور عبدالهادى إلى رحمة الله «وانقطعت الرسائل» وتبعته نازك بستّة أعوام. «ما بقى من تأثير الأستاذة نازك فى نفسى لا يتعلّق بالشعر، بل يتّجه نحو اللغة وفصاحتها والنقد، إذ كنت أكثر ميلا لتجربة خليل حاوى وأمل دنقل وحجازي. لكن من الناحية الفكرية كنت معجبا بتوجّهاتها القومية، إذ كانت عروبية شديدة الاعتزاز بعروبيتها» يختم بحكاية دالة على موقف وحساسية الشاعرة: «فى أحد الأيّام زارتنا فى بيت الأسرة مع د.عبدالهادى ودار حديث بيننا حول الأوضاع العربية إذ قال د. عبدالهادي: إن زيارة الرئيس السادات لإسرائيل. فقاطعته بغضب شديد قائلة: لا تقل إسرائيل، بل قل زيارته للقدس، لا أحب أن أسمع مثل هذه التسمية لفلسطين المحتلّة». قل للرفاق الغارسين رماحهم فى ظهورنا.. الناذرين سيوفهم لنحورنا.. الدرب نحو القدس سالكة.. فكيف عبرتمُ نحو الجنوب!؟ القدس تصرخ مرّة أخرى.. فتنفتح الجروح..  عشت فى حديث الوقيّان ذلك المساء أعمارا وأحداثا، لم ينافس التنهيد فيها عدا رغبة فى نفسى بُحت بها بعد تردّد، أمنية، بأن أسمعه يلقى قصيدته المؤلمة، قل للرفاق.. فلبى الأمنية، ألقاها.. بصوت ومشاعر، أعادت لى ذلك الصيف الذى قسم وقصم الدنيا والرفاق.. رسمته محلّ الجدارية التى تبدّلت فى عينى وصارت سخاما أسود، قرقعة المجنزرات، ودوى القصف، ودم القتل، ورائحة الغدر، والخنادق تحفر فى النفوس، جنود السيطرات زبانية عذاب يفتّشون المارة ويسلبونهم ما يسلبونه من متاع وأرواح، أسرى يقادون من المساجد يوم الجمعة إلى الشمال ويودعون فى زنازين ثم يصفّون ويصفّونهم ويدفنون فى مقابر جماعية تكتشف بعد عقود! قل للرفاق.. قل للرفاق..