من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة: رحلة التكوين والانتماء
الأحد، 17 مايو 2026 - 10:34 ص
محمد سلماوى
بدعوة من رئيس جامعة القاهرة، د. محمد سامى عبد الصادق، ألقى الكاتب والأديب الكبير محمد سلماوى، الأربعاء الماضي، محاضرة فى قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة، حضرها عمداء الكليات والأساتذة وأكثر من ألفى طالب من مختلف الكليات، وقد تلى المحاضرة التى استمرّت حوالى ساعة جولة نقاش بين الأديب الكبير والطلبة. وفى نهاية اللقاء قام رئيس الجامعة بتكريم ضيف الجامعة بمنحه درع جامعة القاهرة. وفيما يلى ملخص للمحاضرة.
أقف بينكم اليوم، وقد مضت ستة عقود على يوم تخرّجي من هذه الجامعة العريقة، لا لأستعيد زمناً انقضى، بل لأستحضر رحلة وعيٍ نما وتشكّل عبر السنين، لكن ملامحه الأولى تبلورت بين هذه الجدران. فما بين مدرجات الجامعة وفضاء الثقافة والصحافة، لم تكن المسافة زمناً يُقاس بالسنين، بل كانت تحوّلاً عميقاً فى الرؤية والانتماء، حيث وُلد داخلي ذلك الحس الإنساني والوطني الذي ظل يوجّه خطاي عبر حياة تخطت عقود ثمانية.
جئت إلى جامعة القاهرة فى خريف عام 1962، غير مدرك أن هذه القاعات ستغدو بوتقةً تنصهر فيها اللغات التى كنت أجيدها لتصير ثقافة، وتتسامى فيها المعارف لتتحول إلى مواقف. ومن باب كلية الآداب القريب من هذه القاعة دخلت شاباً يحدوه حلمٌ غائم، ويقوده شغف بالكلمة، فإذا بي أخرج منه إنساناً آخر، أكثر وعياً بذاته وبالعالم الذى حوله.
فى قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، والذي تضوعت جنباته بعبق التاريخ، كان من حسن طالعي أن تتلمذت على أيدي جيل من العمالقة الذين علمونا كيف نقرأ النص بعيونٍ مصرية، واعية بثقافتها، وبتراثها العريق. كان الأساتذة البريطانيين قد رحلوا قبلها بسنوات يجرون ورائهم خيبة أمل العدوان الثلاثى، وما سبقه من احتلال دام سبعين عاما، وتولت كوكبة من الأساتذة المصريين الأجلاء ادارة القسم فعكفوا على تنشئة جيل جديد من الطلبة لم ينتقص شغفهم بالأدب البريطانى العريق من شعورهم بالانتماء لوطن فتى كان يشيد فى ذلك الوقت دعائم الدولة الوطنية المستقلة بعد سنوات الاحتلال.
ويأتى فى مقدمة هؤلاء الأساتذة العظام الدكاترة لويس عوض أول رئيس للقسم، ورشاد رشدي، ومجدى وهبة وفاطمة موسى وغيرهم.
ولا يمكن أن أنسى ذلك الحشد المهيب فى المدرج ٧٨ بالمبنى الرئيسى للكلية حين كان الدكتور رفعت المحجوب يلقي محاضراته على أقسام الكلية المشتركة، عن المجتمع العربي وعن الاشتراكية العربية، ففي ذلك المدرج، أدركت لأول مرة أن طالب الأدب لا يعيش فى برج عاجي، بل هو جزء من نسيج اجتماعي وسياسي يتشكل من حوله، ويموج بتقلبات المجتمع الجديد الذى يبنى دعائم العدالة الاجتماعية والقومية العربية.
وتدور الأيام دورتها، فيجد الطالب نفسه عام 1966 يقف على ذات المنصة التي جلس أمامها طالباً، إذ عُيّنت معيداً بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها، لأكتشف أن التدريس ليس وظيفة، بل رسالة تقوم على نقل الشعلة التي تسلمتها من أساتذتى الكبار إلى الطلبة الجدد.
وحين شددت الرحال إلى جامعة أكسفورد ببريطانيا لدراسة مسرح شكسبير، أدركت قيمة ما تعلمته هنا، إذ تم إعفائى من الدروس التحضيرية التى عادة ما تفرض على الطلبة الوافدين، وحين كانوا يسألوننى فى دهشة: «أين كان تعليمك؟»، كنت أجيب برأسٍ مرفوعة: «فى جامعة القاهرة».
سيداتي سادتي..
كانت لعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، رؤية فلسفية عميقة تتعلق بدور الجامعة، والتى لم يراها مجرد مبانٍ لمنح الشهادات، بل اعتبرها المحرك الأول لتغيير المجتمع. وكان يؤكد دوما أن الجامعة هي التي تصنع «قادة الرأي» الذين عليهم انتشال المجتمع من الجهل والفقر. لذا نادى باستقلال الجامعات كى تتمكن من نقد المجتمع وإصلاحه بعيداً عن القيود السياسية، وكان يقول: «الجامعة هي ضمير الأمة».
وقد كانت مقولات طه حسين تسكن عقلي منذ عبرت أبواب كليته، كلية الآداب، فكان الانتماء للمجتمع هاجسا لا يفارقنى. كنت أعشق الأدب الذى كنت أقرأه باللغات الثلاث العربية والإنجليزية والفرنسية، لكنى كثيرا ما كنت أسائل نفسى: هل سأمضى حياتى أدرِّس شكسبير فى بلد بها من القضايا ما هو أكثر إلحاحا؟
وكأن القدر قد أدرك حيرة المعيد الشاب، ففى عام ١٩٧٠ قيد له أن يتلقى من الأستاذ محمد حسنين هيكل دعوة للانضمام للأهرام والتى كانت فى ذلك الوقت أحد أدوات صنع الواقع الذى كان المعيد الشاب يسعى للانتماء اليه، وهكذا بعد ثماني سنوات قضيتها فى رحاب الجامعة (أربعاً طالباً وأربعاً مدرساً)، انتقلت إلى الأهرام، فاتسع الأفق أمامى ليلامس قمم الفكر الإنساني: تعلمت من الأستاذ هيكل كيف يكون للإنسان موقف يحدد خياراته، وجلست إلى توفيق الحكيم وأنا الكاتب المسرحى الشاب، وعايشت نجيب محفوظ وانبهرت بعبقريّة إبداعه، وناقشت يوسف إدريس فى أعماله، وانفتحت على فكر زكي نجيب محمود، وتحاورت مع الدكتور بطرس غالي الذى عملت لفترة تحت رئاسته خبيرا بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.
ولكنى رغم صخب الصحافة وزخم الحياة الثقافية، لم أستطع ترك الجامعة، ولا هى تركتنى. فلم تمض إلا أشهر قليلة ووجدت نفسى إلى جانب عملى الصحفى، منتدبا للتدريس في قسم الصحافة بكلية الآداب، ثم فى كلية الإعلام بعد إنشائها عام ١٩٧٤، ومن وحى محاضراتى بالكلية أصدرت أول كتاب لي بعنوان «محرر الشئون الخارجية» كتب له المقدمة الدكتور عبد الملك عودة عميد كلية الإعلام وقتها.
السادة الحضور..
قد كانت الجامعة بالنسبة لى بمثابة ميلاد ثان، منحتني من داخل قاعاتها العريقة عيونا جديدة ومتجددة أرى بها العالم. فى الجامعة كان ذلك التحول العميق الذي يحدث فى داخل الإنسان عندما يلتقى بفكرة تبهره، بكتاب يساهم فى تشكيل وجدانه، بأستاذ يعيد صياغة رؤيته للحياة. وإن السنوات الثمانى التى قضيتها فى الجامعة غرست فى نفسى قناعة راسخة بأنه لا يمكن فصل الجامعة عن المجتمع، ولا الثقافة عن الحياة. فالذي نزرعه اليوم فى قاعات الجامعة هو حصاد الوطن غدًا. وحين انتقلت إلى الأهرام أضفت لما تعلمته فى المدرجات ما تعلمته فى الشارع، فى المقهى، فى حديث العامل والبائع والموظف.
وحين أتوقف اليوم عند بعض المحطات الهامة فى حياتى أجد للجامعة فضلا فيها لا يمكن تجاهله، وأذكر هنا ثلاثة مواقف بعينها:
الأول: حين شرفنى زملائى أدباء مصر وكتابها بانتخابى رئيسا لاتحاد كتاب مصر لثلاث دورات متتالية، وحين انتخبنى الكتاب العرب لاتحادهم، فقد وجدت أن من استطاع ادارة الاتحاد، وقيادة جموع أعضاءه، مصريين أو عرب، هو نفسه ذلك المعيد الشاب الذى قاد طلبته على طريق العلم والمعرفة، وأنشأ لهم النوادى الأدبية التى كانوا يتسابقون للانضمام اليها.
والثانى: حين شرفت باختيار أديبنا الأكبر نجيب محفوظ لى ممثلا شخصيا له فى مراسم تسليم جائزة نوبل، وكلفنى بإلقاء بيانه للعالم بهذه المناسبة. وقتها سأله زملائنا الصحفيين: لماذا اخترت فلان لهذه المهمة؟ فقال: لأنه المؤهل لها. وذكر رحمه الله بعض الصفات التى أدين بالفضل فيها لجامعتي هذه وما تعلمته فيها.
والثالث: حين وجدت نفسى عام ٢٠١٣ عضوا بلجنة الخمسين لكتابة الدستور المصرى الجديد، وهنا أجد مرة أخرى رصيد ما تعلمته بالجامعة من معارف، وما حصدته من تجاربى الحياتية، بين أهم ما مكننى من المشاركة فى صياغة دستور مصر الجديد. ومن بين أكثر ما يعتز به الطالب الذى جاء يدق باب كلية الآداب عام ١٩٦٢ أن جامعة القاهرة أهلته ليضيف بقلمه لدستور مصر بابا مستقلا بعنوان «المقومات الثقافية» لم يرد فى الدستور من قبل، نُص فيه لأول مرة على أن «الثقافة حق لكل مواطن، تكفله الدولة، وتلتزم بدعمه، وبإتاحة المواد الثقافية بجميع أنواعها لمختلف فئات الشعب، دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافى أو غير ذلك».
أيها الحضور الكريم..
إن الجامعة التي منحتني هذا الوعي، تواجه اليوم تحدياتٍ جساماً، تحديات تواجهها الثقافة ويواجهها المجتمع. فنحن نعيش الآن عصر العلم والتكنولوجيا، وإن كان مجتمع الغد هو مجتمع الذكاء الاصطناعي فهل أضعت سنوات دراستى بكلية الآداب هباء؟ أسارع وأقول: لا، وألف لا.
إن كلية الآداب ومعها سائر الكليات الإنسانية، إنما تمثل الضمير الحيّ للجامعة وروحها العاقلة التي تمنح المعرفة معناها الإنساني، وتربط مختلف المعارف بحياة الناس وتاريخهم وهويتهم. فليست الجامعة مجرد معامل تُنتج التكنولوجيا، أو قاعات تُخرّج رجال التجارة والاقتصاد، بل هي قبل ذلك فضاء لصناعة الوعي وتكوين الإنسان القادر على فهم ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. والدراسات الإنسانية هى الحارس الأمين للهوية الفكرية والوطنية، والمرآة التي ترى بها الأمة صورتها فى الماضي والحاضر والمستقبل.
إن كليات الآداب لا تُعلّم الأدب والتاريخ والفلسفة والاجتماع وعلم النفس بوصفها معارف جامدة، وإنما تُنمّي من خلالها القدرة على التفكير النقدي والتحليل العميق، وتُدرّب العقل على التساؤل والمقارنة واستيعاب التعقيد الإنساني. وهذه القدرات ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي عناصر جوهرية لأي مشروع حقيقي للابتكار والتنمية.
ولعل أخطر ما قد يترتب على تراجع التخصصات الإنسانية هو تخريج كوادر تمتلك القدرة على اتخاذ القرار، لكنها تفتقر إلى إدراك الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية لقراراتها. فالتنمية التي تنفصل عن الإنسان قد تحقق تقدمًا ماديًا مؤقتًا، لكنها تعجز عن بناء مجتمع متوازن يحفظ العدالة والكرامة والانتماء. ومن هنا يصبح حضور العلوم الإنسانية ضرورة لحماية المجتمع من جفاف الروح وسيطرة النظرة الأداتية الضيقة على مختلف مجالات الحياة.
وإن غياب هذه التخصصات قد يدفع المجتمعات إلى الارتهان لرؤى فكرية وثقافية أجنبية فى تفسير واقعها ومعالجة قضاياها، وهو ما يُضعف استقلالها الفكري ويُهدد خصوصيتها الحضارية. فالأمم التي لا تُنتج خطابها الثقافى والمعرفى بنفسها، تظل أسيرة تصورات الآخرين عنها وعن مصالحها.
لهذا تبقى كلية الآداب، كليتى وكلية طه حسين وكلية نجيب محفوظ قلب الجامعة النابض، وحصنا للهوية الوطنية، ومصنعًا للعقل النقدي القادر على حماية المجتمع من التبعية الفكرية.
هذا هو ما نأمله لجامعتنا، فهى الجامعة المصرية الأم التى يجب أن تحتضن العلوم والإنسانيات، فبناء الإنسان لا يكون إلا بهما معا، هذا هو الإنسان القادر على التفكير، لا التكرار؛ على الإبداع، لا الاتباع.
نريد جامعة تعيد الاعتبار للإنسان، تخرّج مواطنًا لا آلة صماء تردد ما تم حشوها به من معلومات، جامعة تخرج ناقدًا لا منفذًا، مبدعًا لا مقلدًا. نريدها جامعة تعلّم الطلبة كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون.
وبعد..
تخرجت فى جامعة القاهرة عام ١٩٦٦، لأكتشف أن الجامعة الحقيقية ليس فيها تخرج، فهى لا تودع أبنائها، بل تظل تسكنهم مهما طال بهم العمر.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:
عبر دراسة أعمال الفيلسوف اللاهوتى أغسطين
بمشاركة 15 فنانا .. انطلاق فاعليات سمبوزيوم العاصمة للنحت
على هامش القاهرة للمسرح التجريبى .. ورشة فى كوميديا «دى لارتى»
بمشاركة 60 شاعرًا .. انطلاق الدورة الثانية لملتقى الشعر العربى للنص الجديد
فرنسا تمنح وسام فارس لـ «رمزى يسى»
اليوم.. ندوة علمية حول إحياء المناطق والمدن التاريخية فى مصر









