بعد الفوز بجائزة البوكر العربية

سعيد خطيبى

الأحد، 17 مايو 2026 - 11:04 ص

أخبار الأدب

حوار: شهاب طارق فاز الروائى الجزائرى سعيد خطيبى مؤخرًا بجائزة البوكر للرواية العربية عن روايته «أغالب مجرى النهر» الصادرة عن دار نوفل هاشيت أنطوان. لا يكتفى خطيبى فى روايته الأخيرة برصد التحولات الاجتماعية داخل المجتمع الجزائري، بل يحاول إثارة التساؤلات التى راكمها إبان فترة العشرية السوداء، داخل مدينة «بوسعادة» الجزائرية وهى المدينة التى تدور حولها الرواية، هنا لا يتحدث عن إرث المدينة التاريخى والفني، بل يفكك المدينة ككل ويعيد ترتيبها بالكامل، من خلال قصة طبيبة العيون «عقيلة تومى».  يحاول «خطيبي» فى روايته إعادة تفكيك خيوط المجتمع الجزائرى المعقدة، ونكتشف معه العلاقة المأزومة بين الفرد وواقعه، حيث يبرز عنوانه «أغالب مجرى النهر» كاستعارة لمحاولات البقاء المستحيلة فى بيئة جرفها تيار الفساد، وهو ما يضع القارئ أمام تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الضحية والجانى فى زمن الفوضى، والخوف من المصير.  فى المقابل يعيش سعيد خطيبى الآن فى سلوفينيا إلا أنه يخوض صراعًا من نوع آخر، إذ يعيش فى المهجر بين غيّابين: غياب الاعتراف به ككاتب فى الغرب، إلا بصفته شاهداً سياسياً، وغياب الاحتضان فى الداخل الجزائري. يقول: «كلّ كاتب مهجرى يصير محلّ ريبة فى أعين الكتّاب فى بلادنا. أجد نفسى مدافعًا عن صورة العرب فى مواجهة إعلام غربى لا يتورع عن إطلاق الأحكام، وفى الوقت نفسه ينظر إليّ زملاء فى الداخل نظرة لا تخلو من شكّ. يظنّون أننى أعيش حياة تتماهى مع حياة كتّاب أوروبا ولا يعلمون أننى أعيش فى هشاشة، بعيداً عن أى ترف، منشغلاً بتحرير نفسى والآخرين من الصور المشوّهة التى أُلصقت بهم».  يرى أيضًا أن كل كاتب عربى يتخطى حدود بلاده وخاصة إذا وصل إلى أوروبا، يتحول رغمًا عنه إلى مادة سياسية فى أعين القراء الغربيين، إذ لا يُسأل عادة عن كتبه، ولا عن حرفة الأدب، ولا عن شخصياته، بل يواجه أسئلة لا تمت بصلة إلى الكتاب الذى بين يديه، هنا يضطر إلى الحديث عن البلاد التى جاء منها، فيسأله الكثيرون عن الدّين والحريات، عن ماضى العرب ومستقبلهم، عن حروب وقعت وأخرى تلوح فى الأفق. «يدخل الكاتب حلبة لا علاقة لها بالأدب، ويتقمص شخصية لم يتعوّد عليها، كمن ينتعل حذاءً أكبر من مقاسه. فالأروبيّون يثقون فى كلام كاتب أكثر من ثقتهم فى كلام الساسة. يحيلون الكاتب إلى ميدان السياسة لأن الساسة عجزوا عن الدّفاع عن صورة بلادنا؛ لذلك أعمل سفيرًا للثقافة العربية من دون راتب. وكلّما وقع أمر فى العالم العربي، يرنّ هاتفي، أجد نفسى مضطرًا إلى أن أشرح للإعلام، ومن ورائه النّاس فى أوروبا، ماذا يحصل، أحاول أن أخلّص صورة العربى من التشوهات التى أصابتها فى عقود ماضية».  هنا نتحدث معه عن عوالمه وحياته: المنفى، الغياب، الوطن، الأصدقاء، الحب، العائلة، وأيضاً أحلامه المُؤجلة. فزت بالعديد من الجوائز.. ماذا يعنى لك فوز رواية «أغالب مجرى النهر» بجائزة البوكر العربية، وما الذى أضافته لك؟ هو أمر مفرح بطبيعة الحال، لكننى لا أكتب من أجل لحظة انتصار، بل الانتصار الحقيقى هو أن أستمر فى الكتابة. كما أن الجائزة هى أيضًا لبلدى الجزائر، من أجل أولئك الذين يؤمنون بالأدب ولم يتخلّوا عن الكتاب. كتبت هذه الرّواية من أجل ذكرى من رحلوا لكى أحيا فى العشرية السوداء، وهى عشر سنوات من الدّم ومن قتل الأبرياء. إن هذه الجائزة تحيلنى إلى أسئلة أخرى، عن الوجود وعن الكتابة. لقد كتبت «أغالب مجرى النّهر» من عمق تجربة إنسانية، من عمق الألم كذلك، وعندما تبلغ الرّواية منصة التتويج فذلك يعنى أيضًا أن الرّواية قد وصلت إلى القرّاء. وأكبر جائزة بالنسبة لى أن يصل الكتاب إلى أوسع شريحة من القرّاء ومن النّقاد، أن يؤسس حوارًا، وأن يكون سببًا فى إيقاظ الأسئلة. صحيح أن النّاس يرون الكاتب عندما يسلّط عليه الضوء فحسب، لكنّهم لا يرون المعاناة عندما يكتب. لقد قضيت عامين ونصف العام فى كتابتها، أو بالأحرى فى تدوينها، لأنّها رواية تسكننى منذ سنين كثيرة. يسعدنى أن القرّاء عثروا على صورة لهم فيها. يسعدنى أن يصير الأدب صوت المهمّشين فى بلدي. لقد جاءت البوكر العربية هذا العام فى ظرف استثنائي، عقب العدوان الذى تعرّضت له دول عربية. مع ذلك ظلّ الأدب حاضرًا فى الأذهان. لأن الأدب هو باب الخلاص فى زمن المحن.  دائما تنشغل بالكتابة وتبتعد عن الظهور.. هل ترى أن الانخراط مع المثقفين يعطل الإبداع، ومن هم أصدقاؤك حالياً؟ ولدتُ وكبرتُ فى أحياء شعبية، تعلمّنا فيها حبّ الحياة والنّجاة من الموت. أعرف كيف أردّ على من يقلّل من احترامى لكننى لا أعرف كيف أردّ على من يمتدحنى أو يمتدح نفسه. يعيش الكتّاب العرب فى جلّهم حالة من الفصام، ما إن تقابل واحدًا منهم حتى تسمع أمرين: إما أن يمتدح نفسه أو يكرّر مدائح النّاس له. لا يذكر من ينتقده. يعيش الكتّاب العرب فى جلّهم (وليس كلّهم لحسن الحظّ) فى قطيعة مع الواقع، لا يعلمون أن النّقد يزيد من قيمة الكاتب ولا ينتقص منه. لا توجد شجاعة فى تقبّل النّقد. لذلك أتجنّب المخالطة، لأننى لا أعرف التّحاور مع من يظنّ نفسه ملاكًا. أصدقائى كثر، إنهم أولئك الذين يؤمنون بالكتابة ويتغاضون عن الحديث عن أنفسهم.  تحاول ألا تكرر نفسك فى أعمالك، وتقول أنك تكره الاستسهال.. كيف تقاوم فكرة إعادة إنتاج الأفكار؟ لأننى لا أعرف ردّة فعل القرّاء تجاه رواياتي. عندما تصدر رواية لى فإننى لا أطالع ما ورد عنها فى الصحافة، لا أطالع الآراء، إلا بما تزودنى به دار النّشر من حين إلى آخر. بصراحة لا يهمّنى ما يُقال عن أعمالي، فأنا لا أبتغى إرضاء أحد. أعلم أننى لست كاتبًا (بيست سيلر)، أعرف أن رواياتى لا تُباع مثل: ألبومات عمرو دياب، وأعرف أننى لن أصير غنيًا من الكتابة. أنا أكتب لأننى أحبّ الكتابة ببساطة. لأن الإنسان عندما يحبّ شيئًا فسوف يبرع فيه، يبذل كلّ طاقته فى ذلك الشيء. اخترت الكتابة، وأغضّ الطرف عما يقال عن رواياتى من نقد أو مدح. بمجرد أن أصدر رواية أكون قد شرعت فى التّفكير فى الرّواية المقبلة. ومع كلّ رواية أشعر بأننى بدأت الكتابة للتوّ، لذلك أبحث عن مواضيع جديدة وعن أساليب كتابة مختلفة.  لماذا اخترت عنوان «أغالب مجرى النهر».. ما الذى كان يشغلك خلال كتابة العمل.. ولماذا اخترت الفترة من الحرب العالمية الثانية وحتى تسعينيات القرن الماضى؟ أتذكّر عندما أنقذتنى رسوم متحركة من الهلاك. قد يبدو الأمر غريبًا، لكن تعوّدنا أن كلّ شيء ممكن فى الجزائر. لسبب لا أعرفه قرّر التليفزيون العمومي، فى التسعينيات، أن يبثّ الرسوم المتحركة فى التاسعة والنصف صباحًا، أى قبل ذهاب الأطفال إلى المدرسة، ولأن الكهرباء كانت تنقطع أحيانًا بعد الظهيرة فإن الصباح كان فرصتى الوحيدة فى مشاهدة رسوم متحركة. بقيت مصرًا على المشاهدة إلى آخر دقيقة، ثم خرجت، قبل أن أسمع دوى انفجار. لقد زرعوا قنبلة فى المدرسة. كان يمكن أن أكون فى ذلك المكان. عندما كبرت، ألح عليّ السؤال: ماذا فعل الأطفال لأولئك المتطرّفين؟ لماذا يفخّخون مدرسة؟ فهمت أن التطرف لا يستهدف الإنسان فحسب، بل يستهدف ذاكرته، يريد فصله عن بيئة المعرفة والتّعليم. إن الكاتب شخص مسالم يفكّر مثل غاندي، بينما المتطّرف يتصرف بخبث مثل قابيل. فى رواية «أغالب مجرى النّهر»، شرعت من سؤال: لماذا وقع ما وقع فى الجزائر؟ لأن ما وقع فيها من تطرّف تكرّر فى أكثر من بلد عربي. أدركتُ أن المسألة ليست محض صدفة، لم يأت التّطرف من السماء، بل هو حصيلة تراكمات. لأننا لم نتصالح مع الماضي، لم نحلّ القضايا العالقة، بل قضينا عقودًا فى إخفائها، مثل من يخفى الغبار تحت سجّادة، ثم انفجرت الأوضاع. ولكى نفهم نشأة التطرف لا بدّ أن نعود إلى أزيد من نصف قرن إلى الوراء، لا بدّ أن نفهم نشأة الإنسان الجزائري، وما قاساه من صدمات، مما أوصله إلى لحظة الدّم فى تسعينيات القرن الماضي. إنه عمل شاقّ لأى كاتب، يحتم عليه البحث والتّقصى قبل الكتابة، لكنه تعب لا بدّ منه. كان بوسعى أن أريح نفسى وأكتب رواية مسلية، بما يريح بال القارئ، لكننى لا أعرف الكتابة عن الأشياء المسلية، كما أننى لا أعرف الكتابة عن الحبّ. أنا إنسان فاشل فى الحبّ. ولدت أمام باب الجحيم، وتعلّمت كيف أفكّك منطق العنف، أفهم نشأته ومفاصله وكيف أكتب عنه. مع ذلك يظلّ الموضوع فى رواياتى أمرًا ثانويا، لأن ما يغرينى فى الأدب هو المغامرة الجمالية من أجل أن أفهم نفسى وأفهم ما يدور من حولي.  هل ترى أن الجزائر اليوم تجاوزت نكباتها أم أن المجتمع الجزائرى لا يزال أسيرًا لماضيه المعقد؟ المجتمعات العربية فى جلّها لا تزال حبيسة الماضي، وليس الجزائر وحدها. لا نزال نفتش فى حقائب الماضى عن أشياء نتفاخر بها وتنسينا العجز الذى نعيشه فى الحاضر. عندما أصادف مثقفًا من فرنسا مثلًا، فهو لا يحكى عن عصر التنوير وعن فلاسفة بلده، لأن أعمالهم تُقرأ وليست مادة للتطاول، ينشغل هذا المثقف بالتنبؤ بالمستقبل، يشعر بقلق من القادم، ويفكر فى السنين المقبلة. عندما يتطلّع الإنسان العربى إلى المستقبل بنفس الطريقة التى يتفاخر فيها بالماضي، سوف نقول أنه قد تجاوز نكباته.  للرواية طابع بوليسي.. لكنك نجحت فى الخروج من فخ الاستسهال وأضفت داخلها تحليل اجتماعى وسياسى للمجتمع الجزائري.. لماذا استخدمت هذا المدخل أساساً.. وهل ستكرر النمط فى أعمالك القادمة؟ فى صغري، كان أقصى حلمى أن أصل إلى كتب بالعربية، كلّ الكتب التى أتيح لى الوصول إليها كانت بالفرنسية. بل طالعت أعمال بعض الكتّاب العرب مُترجمة إلى الفرنسية. عندما كبرت تسنّى لى مطالعة الأعمال العربية، بدءًا من «ألف ليلة وليلة». وجدت أنه أدب لا يقلّ شأنا عما يكتبه الأجانب، بل نحن أفضل منهم فى بعض المرّات. والمشكلة أننا نحن العرب لا نحسن الاحتفاء بتراثنا الأدبي. إن أدب الجريمة تأسس فى الأدب العربي، ويمكن العودة إلى «ألف ليلة وليلة». فالملك شهريار ينطلق من جريمة محورية، كلّ يوم يقتل امرأة. وعندما تصل شهرزاد فإنها تحكى من أجل تأجيل القتل، من أجل تحويل قاتل متسلسل إلى رجل مسالم. تعيد تشكيل نظرته للعالم، كما أن الكتاب يعجّ بقصص اللصوص والخيانة، إنه كتاب يدور بين محورين: بين العقاب والعدالة. هذا هو النّص المؤسس فى الأدب العربي. ولأننى مُعجب بأعمال نجيب محفوظ، برأيى أن أهم رواياته هى «اللص والكلاب»، وهى فى باب أدب الجريمة، كذلك قدّم يوسف إدريس رواية «الحرام»، بينما توفيق الحكيم كتب فى أدب الجريمة مسرحية مهمّة بعنوان: «يا طالع الشجرة». سوف نطالع عناصر أدب الجريمة بوضوح فى رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، وكذلك فى رواية «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف. أنا سليل هذا الأدب العربى العريق. لا يمكن أن نغفل أننا نعيش فى عالم مُحاصر بالعنف. هل نغضّ الطرف عنه؟ هناك من يرى العالم من كوّة الحبّ، وهو محقّ، بينما أنا عشت فى دائرة الخوف والنجاة، بحيث يصير العنف محركًا للعلاقات الإنسانية المتشابكة.  ما السياق الذى تشكلت فيه رؤيتك للعالم.. وكيف أثرت العشرية السوداء فى الجزائر على أعمالك، هل مالازلت أسيراً لهذه الفترة، وكيف كانت حياتك داخل الجزائر وتحديداً بوسعادة.. نشأتك، أسرتك، حبك للقراءة، أصدقاؤك..  أتذكّر فى سنوات المراهقة أننى عملت فى ورشة بناء، كى أجمع بعض الدنانير وأشترى رواية لأمين معلوف (ليون الأفريقى). قررت أن أواصل العمل فى العطلة المدرسيّة لأنه يتيح لى شراء كتب، لكن المكتبة سرعان ما أغلقت بابها. صار الكتاب أغلى مطلبي. كان بوسعى أن أقايض كليتى مقابل مكتبة. لكننى كبرت فى مكان يسهل فيه الوصول إلى الحشيش والحبوب المهلوسة ويتعذّر فيه الكتاب. ثمّ صرت أحلم بالفضاء، وصنعت مع أصدقائى تليسكوبا لمراقبة النّجوم. وعندما جاء زمن الإنترنت، كان رفيقى يتصفّح صور لاعبى الأهلى والزمالك، وأنا اكتشفتُ جنّة فى مصر اسمها سور الأزبكية. حلمت بجمع مال وزيارة المكان لكن لم يتسنّ لى أملي. ولدتُ وكبرتُ فى بوسعادة، وهى مدينة صغيرة قرب الصحراء، كانت تعيش فى وئام، كان يتجاور فيها مسجد وكنيسة وكنيس يهودى من غير حرج، إلا أن حلّت العشرية السوداء، ثم اختفى التعدد الدّيني. أنا ابن الأحياء العتيقة، لذلك يرى الجزائريون صورتهم فيّ. أنا الجزائر فى تعدّدها وتناقضها. لكن محبّة الناس لا بدّ أن يعكّرها آخرون. الإسلاميون يكرهوننى وهذا لا يُفاجئني، بحثوا مرارًا عن تهمة لى بلا جدوى. كما إن مثقفى الصالونات فى عاصمة البلاد كذلك لا يحبونني. يعلمون أننى لا أنتمى إليهم، لا أنظر إلى الآخرين من علّ، والسلطة كذلك تتعامل معى فى ريبة. عرضوا عليّ مناصب واعتذرتُ، أفضل أن أظلّ كاتبًا فحسب، وأن تعتذر فذلك أمر مريب فى نظرهم. أفضل أن أحافظ على مسافة. يهمّنى النّاس العاديون فى الجزائر، أولئك الذين يقرؤون الأدب من غير محاكمة، من غير خلفية سياسية أو دينية، أولئك هم شعبى وإليهم أنتمي. صحيح أننى لا أشارك فى نشاطات ثقافية ترعاها الحكومة، ممنوع من الظهور فى التّلفزيون العمومي، لأنهم لم يغفروا لى دفاعى عن حرّيتي، لكن هذا الأمر لا يُضايقني، بحكم أن كتبى متاحة فى الجزائر، تُقرأ بشكل واسع، وكلّ عام تصدر رسائل ماجستير ودكتوراه عن رواياتى فى الجامعات الجزائرية. فالجامعة هى آخر حصن فى الدّفاع عن حريّة التّفكير فى بلدي.  ذكرت أن عائلتك ورثت ثلاثة حروب، العالمية الثانية، التحرير، العشرية السوداء.. هل تعتقد أن الروائى الجزائرى محكوم بالكتابة عن العنف كقدر لا يمكن الهروب منه؟  لحسن الحظّ أن زملائى يكتبون عن أشياء أخرى، عن الحبّ وعن الشكولاتة، عن الثعالب والأرانب وعن المعمار. ليس قدرًا أن يكتب أحدهم عن العنف، بل هى مرحلة وأظننى قد كتبت ما أردت أن أحكيه. صحيح أن تاريخ البلاد عاش الكثير من الصدمات، ففى الحيّ الذى عشت فيه كان يوجد شخص شارك فى حرب فيتنام (تحت راية فرنسا)، آخر شارك فى الحرب العالمية الثانية (تحت راية فرنسا دائما)، هناك من شارك فى حرب التّحرير. وللمفارقة من أهلى من شارك فى حرب التّحرير ثم فى التسعينيات وجدوا أنفسهم يحملون السلاح مرّة أخرى بعدما تقدّموا فى العمر. فى الماضى حاربوا جنديًا أجنبيًا، وفى التسعينيات حاربوا عدوا من الدّاخل. فى صغرى كنت أعرف أنواع الأسلحة من مجرد سماع دوّى الطلقة، فى المدرسة كان يفترض أن يتحدّث الأطفال عن أحلامهم، أن يتعلموا كتابة رسائل الغرام، بينما أنا وأصدقائى كنا نتناقش سؤالا واحداً: هل تفضل الموت برصاصة أم بطعنة سكين؟ وكأننا كنّا على علم أننا سنموت. أنا اخترت رصاصة، ظننت أنها أقل عذابًا. عندما أسمع أحدًا يقول: «طفولة سعيدة»، فهناك كلمتان لا أفهمهما: طفولة وسعيدة.  اخترت مدينة بوسعادة مسرحاً للأحداث، وهى مدينة ارتبطت فى المخيلة بجماليات الاستشراق.. كيف عملت على تحطيم هذه الصورة الرومانسية لصالح تقديم صورة أخرى مغايرة للمدينة؟ أبى وأجدادى كلّهم دُفنوا فى بوسعادة. يوجد فيها حيّ عتيق لآل الخطيبي. أسمع من يتفاخر أن أصوله من الأندلس أو آخر لا أدرى من أين ويقولها كمن يحوز مرتبة أعلى من الآخرين. نحن أمازيغ الجنوب، لا أعرف مكانًا غير بوسعادة وأتمنّى ان أُدفن فيها. يمكن أن أكتب عنها من غير أن يُحاسبنى أحد، لأننى أعرفها فى تفاصيلها والحيطان تعرفني. كلّ أهلها يعرفوننى وأعرفهم. أسعدهم أن روايتى تحكى عنهم، لأنهم عاشوا فى التهميش. (من النكت عندما يبث التلفزيون نشرة أخبار الطقس، يتحدّث عن درجات الحرارة فى المدن المعروفة ويذكرها بالاسم، وعندما يصل إلى بوسعادة وما جاورها يقول المذيع: بقية أرجاء الوطن). ولدت فيها وعشتُ. جرّبت الحبّ وفشلت، جرّبت الكتابة وأفلحتُ. كلّ كاتب هو عاشق فاشل. لقد ارتبطت المدينة فى القرن الماضى بحركة الاستشراق الأوربية. لمن لا يعرف بوسعادة، فلا بدّ أن يعرف كارل ماركس. كارل ماركس لديه صورة وحيدة ويتيمة بدون لحية، حلق لحيته جرّاء الحرّ، عندما حلّ ببوسعادة، فى رحلة علاج فى سنواته الأخيرة. كانت مدينة متصالحة مع الاختلاف، عاش فيها مسلمون ومسيحيون ويهود. ثم حلّت بها سنوات الظلام فى التسعينيات. إلى غاية الثمانينيات كان لا يزال يقيم فيها يهود دون مشكلة، لكنهم اضطروا إلى تغيير أسمائهم العائليّة. إن الحديث عن الاستشراق يحيل إلى حديث عن الحقبة الكولونيالية فى المدينة، عندما كان المستشرقون يصوّرون المكان ويهملون الإنسان، والحالة الوحيدة التى عاشت فيها كاتبة أوربية فى بوسعادة فى تناغم مع ساكنتها كانت إيزابيل إيبرهارت، التى سارت عكس تيار الاستشراق. لو أننى عشت مطلع القرن العشرين، فإنّ المرأة الوحيدة التى يمكن أن أقع فى حبها هى إيزابيل إيبرهارت.   فى حديثك عن سرقة القرنيات، أثرت جدلية الصراع بين قداسة الموت وحق الحياة..  هل يمكن اعتبار بطلتك مجرمة أخلاقية فى نظر المجتمع، لكنها قديسة فى نظر المنطق الإنساني؟ وكيف يدير الكاتب هذا الارتباك دون السقوط فى فخ الوعظ؟ لا أحاكم شخصية ولا أعفيها من الخطأ. أفضل الشخصيات التى أستعين بها فى الكتابة هى شخصيات تتحمّل تناقضها، لا تدعّى الخير ولا تمعن فى الشرّ، بل تعيش فى الوسط، لها ما لها وعليها ما عليها. لذلك أفضّل أن أترك الأمر للقارئ ليقرّر نظرته نحوها. عن نفسى أنا أؤمن بقداسة الحياة. صحيح أن الميّت له حرمة، ولكن لماذا لا تكون للحيّ حرمة كذلك؟ نحن فى زمن يعلى من شأن الميّت ويحطّ من قيمة الحياة. فى الجزائر، كى تصير كاتبا مرموقًا لا بدّ أن تصير ميّتًا. سوف يرضى عنك الجميع ولكن بعد أن يغيّبك الموت.  رغم قوة شخصية عقيلة، إلا أنها تظل طوال الرواية فى وضعية المُتلقى للصدمات أو الخاضعة لابتزاز زوجها والظروف.. لماذا لم تحاول عقيلة المقاومة؟ لقد قاومت بذكاء. تعلم أنها تعيش فى بيئة بطريركية وكلّ مواجهة مباشرة ليست فى صالحها، لكنها سلكت طريقا مغايرة. غالبت مجرى النهر وتعلّمت وصارت طبيبة فى مجتمع لا يسمح للمرأة بمغادرة البيت بعد وصولها سنّ البلوغ. قاومت من أجل إعادة البصر إلى أعين المرضى. قاومت فى دفاعها عن ابنتها. قاومت فى امتصاص استبداد زوجها. لا يمكن أن نحمّل امرأة أكبر من طاقتها، بل السؤال الأصح: لماذا يولد الرّجل العربى مع قابلية فى استبداد المرأة؟ لماذا يُحاكم الرّجل العربى امرأة بدل أن يُحاكم نفسه؟ يمكن أن تكسر غصن شجرة فى الطريق فتضطر إلى دفع غرامة، لكن يمكن أن تعتدى على امرأة فى الشارع من غير أن يتدخّل أحد، بحكم أنها أخت أو زوجة. هناك قابليّة للعنف فى قلب الرّجل، لا سيما عندما يتعلّق الأمر فى مواجهة المرأة. بالتّالى فإن رواية «أغالب مجرى النهر» ليست الغاية منها محاكمة شخصية عقيلة، بل الغاية منها كشف العطب فى النفسية الذّكورية.  قلت إنك تعيش معلقاً بين الداخل والخارج.. هل المهجر فى سلوفينيا منحك عين الطائر لترى المشهد الجزائرى بوضوح، أم أنه زاد من اغتراب النص بجعله يبحث عن جزائر مُتخيلة لم تعد موجودة على أرض الواقع.. وما الذى منحك إياه المهجر وما الذى سلبه منك وهل تنوى العودة مرة أخرى للعيش داخل الجزائر؟ لا بدّ أن نتفق على حقيقة تاريخية، مفادها أن الأدب الجزائرى هو أدب مهجري. يولد الكاتب فى الجزائر لكنه يكتب خارجها. جلّ الأعمال الأدبية الكبرى كتبت خارج البلاد لا داخلها. لأسباب يطول شرحها. وأنا سليل هذا الأدب، طرأت ظروف جعلتنى أعيش فى المهجر، أن أعمل فى المهجر، بعدما قضيت سنوات طويلة فى الصحافة المحلية. إن الابتعاد يتيح لنا رؤية صافية للأشياء. عندما تقترب من شيء فأنت لا تراه جيدًا، عندما تبتعد عنه تتضحّ الرّؤية، لذلك يصير المهجر ضرورة قصد الكتابة عن الجزائر، يحرّر الكاتب من كلّ من انتماء أو عقيدة. بالطبع، حلمى أن أعود للاستقرار فى بلدى. فى الوقت الحالي، أنا أذهب فى كلّ حين، فى زيارة أمّى، لكننى أذهب إلى بلدى مثل مهاجر غير شرعى، فى خفية، ممنوع من الكلام فى العلن عن الأدب. أتمنى أن أعود إلى العمل فى بلدى، أن تتاح لى حرية فى الكلام والتّفكير. أن أعيش فيه مواطنا بكامل الحقوق، لا أريد أن يُحاسبنى أحد عن فكرة أو كتاب.  ارتباطك باللغة العربية سببه ارتباطك بالشعراء مثل نزار القباني.. لماذا لم تتخل عن الكتابة باللغة العربية كما فعل آخرون؟ أتكلّم أربع لغات، لكن عندما أنام فأنا لا أحلم سوى باللغة العربية، لا أتكلّم فى المنام سوى باللغة العربية. عندما اكتشفت العربية فى صغرى شعرت كمن اكتشف الحبّ. هذه اللغة علّمتنى كيف أحلم وكيف أكتب وكيف أعيش متصالحاً مع نفسى ومع الآخرين. إنها لغة الإنسان الذى يرجو المستقبل. صحيح أن اللغة العربية تعرّضت إلى هزّات فى بلدي، وكاد أن يحتكرها رجال الدّين، لكن مهمّتى أن أستعيد اللغة العربية منهم. إنها لغة إنسانية، لغة حميمة، وليست حكرًا عليهم. هى لغة الفلسفة والعلم، وإن تراجعت فالمشكلة ليست فى اللغة فى حدّ ذاتها، بل فى مستخدميها الذين لم يعرفوا قيمتها. أجمل هدية يمكن أن يهديها لى أحدهم هى قصيدة بالعربية. كم هى جميلة اللغة العربية عندما تتحدّث عن العالم! أؤمن باللغة العربية مثلما أؤمن بالحبّ. مادمت أكتب أدبًا فلن أكتب سوى بالعربية.  مؤخرا صدرت لك طبعة مصرية من رواية «أغالب مجرى النهر».. كيف ترى هذه الخطوة وما الذى يمثله لك القارئ المصرى؟ لا يصير الكاتب العربى كاتبًا إلا إذا كسب مكانة فى مصر. أسمع من مثقفين مصريين من يشتكى من سوء الحال فى الدّاخل، ولهم الحقّ فى ذلك. لكن النّظر إلى مصر من الخارج مختلف. عندما يأتى ذكر مصر على الألسنة يتحدّث عنها الأجانب فى وقار. من الُمحتمل أن الحاضر تصادفه عثرات، لكن مصر كانت دائماً كذلك، يحصل أن تمرض لكنها تنهض من جديد. تاريخ مصر هو تاريخ من مغالبة مجرى الأوجاع. يمكن أن تخفق مصر فى أكثر من شيء، لكنها دائما تنتصر فى الفنّ والأدب. كلّما كانت مصر بخير، فأنا بخير.  أنت منعزل تماماً عن مواقع التواصل الاجتماعى.. لماذا فرضت على نفسك هذه العزلة؟ بالعكس، أعيش حياة صاخبة. أعتنى بالأسماك فى بيتى وأجرى تجارب فى حديقتي، فى تلقيح شجيرات مع بعضها البعض. أعمل وأتسكع. أفرح عندما يسجل محمد صلاح. أقرًا كثيراً وأكتب قليلًا. لكن مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما فى الجزائر لم تعد تتسع للاختلاف. فى زمن ماضٍ كانت الجماعات الإرهابية تصدر فتوى قبل تصفية كاتب، فى الزمن الحالى صار المتطرّفون فى السوشيال ميديا يصدرون فتاوى فى إسكات الكاتب. أنا كاتب فحسب، لست رجل سياسة ولا رجل أعمال، أعلم أنّ لا أحد يُدافع عني، لا قانون ولا سلطة ولا زملائى الكتّاب يدافعون عنّى. لذلك أفضل عدم الدخول فى صراعاتٍ لا طائل منها. أبتعد عن مواقع التواصل لكى أتفرغ للأشياء التى أحبّها.