جمال الغيطانى.. حامل سلام العابرين
الأحد، 17 مايو 2026 - 11:06 ص
أخبار الأدب
كريم على القاهرى
حين جرتنى الصدفة للبحث داخل النوتة الخاصة بالعمل عن ورقة زائغة مني، فإذا بى أطل على صفحات الهوامش التى أخصصها للهروب ـ ولو لحظات ـ من قيد الوظيفة وضيقها، وتكلفها و«الأونطة» المحيطة بتفاصيلها؛ إلى براح الفن وجمال الكلمة، بتدوين ما نبش فى القلب ومس الوجدان. فوجدتنى قد بدأت التدوين بالعبارة التالية:
«سلام للفرات الهائمة، ولكل حيٍّ، ولكل من عبر، سلام للمن والسلوى».(جمال الغيطاني)
فاخترتها لتكون البداية!
فى ذكرى ميلاد الأديب الكبير جمال الغيطانى أستطيع الزعم أن هذه العبارة هى باب الدخول إلى عالمه، الروائى والإنسانى على حد سواء، فبالتدقيق فى مسيرته تكتشف أنهما واحد
والآن تلك حالة نادرة.
ينتمى الغيطانى للزمرة القليلة فى المجال العام الذين يحق عليهم وصف الاتساق مع الذات.
والاتساق فى العبارة مدهش ومنطقى إذ من يستطيع حمل السلام لكل من عبر غير الرجل الذى مضى فى الحياة يحمل العابرين فى قلبه، يروى حكاياهم من منطلق الامتداد الإنسانى لا القص المسلى الوعظى عن أناس بعداء ليس منهم فى شيء!
فى طريق العابرين بالحياة تجد المشروع الأدبى للغيطانى حاضرًا بقوة يستلهم ممن فات قوة استشراف لما هو آت، نكاد نجد ذلك فى كل أعماله مثالا لا حصرًا: «منتهى الطلب إلى تراث العرب»، «مقاصد الأسفار»، «حكايات هائمة»، «القاهرة فى ألف عام»، «التجليات الأسفار الثلاثة»، وغيرهم الكثير الذى يتعقب من خلالهم الفرات الهائمة لعله يرصد برقها وبريقها ونشوتها وملغزها.
امتداد الزمن فى أدب الغيطانى سمة مقصودة مبهرة مزجت بين التراثى والمعاصر ببراعة طوعت المعانى لما هو مقصود. حيث صنع تناغم فريد بين التراثى والمعاصر، فتجد مع القراءة الفاحصة المتأنية ما ظاهره تراثى قديم وباطنه مقاصد عصرية حضارية.
بأى معيار للنجاح الإنسانى فى الحياة فإن تجربة الغيطانى الإنسانية قبل الأدبية تمثل الطموح والأمل، والنجاح المنطلق من العمل والتطوير وليس فقط الركون إلى الموهبة. كان يملك حقلاً كبيرًا من التجارب الإنسانية المتسلسلة كحبات السبحة، متشابكة دون انفصال، برهنت نصوصه على ذلك، وتجلت فى سردياته وحرفيته للكتابة. إذ كيف نفصل دأبه وإتقانه فى تركيب تفاصيل نصوصه التى أسميها «النمنات» عن تعلمه واشتغاله بصناعة السجاد فى طفولته، كأنه حمل دقتها فى قلمه ومضى بفن النمنمة يزخرف النصوص وينسج خيوطه فى إطارات دقيقة ومنظمة ذات رمزيات بديعة، حتى يصنع ويخطط مدينة بأكملها كما فعل فى روايته «خطط الغيطاني».
لم ينفصل الغيطانى عن مراحل حياته بتحولاتها ولم يسمح للذيوع أن ينال من البساطة، أو يمنعه عن التحليق بين الأروقة التاريخية التى تسكنه قبل أن يسكنها، ولعل نشأته فى أحياء القاهرة القديمة التاريخية كالجمالية لها دور رئيس فى ذلك.
ومن مكامن التفرد عند جمال الغيطانى أنه استطاع بسليقة صادقة لا تحتمل التكلف؛ التعبير عن الصوفية الفلسفية وفلسفة التصوف، بعمق وبساطة فى نصوصه حيث لا تكاد تجد عملاً له يخلو من هذه الصبغة، بالتجاور مع مضيه فى الحياة بقلب صوفى يتتبع الفرات الهائمة دون أن يفرط فى اعتقاده بالعلم والعملية والتطور والمعاصرة فى تناغم كسب تفرده من ندرته.
كأنه الدرويش الذى يخطط لهيامه فى الأرض.
اهتم الغيطانى اهتماما بالغا ومؤثرا بتاريخ العمارة المصرية فلفت النظر إلى «فلسفة الحجر» وكيف يمكن للجماد أن يعبر عن الهوية ويتحدث بما تحويه الأدمغة من فلسفة ومقاصد. وقد أفاض واستفاض فى هذا الصدد خلال برنامجه البديع «تجليات مصرية – قاهرة نجيب محفوظ».
يحضرنى الآن ما قاله فى إحدى حلقاته فى مسجد ومدرسة «الظاهر برقوق» بشارع المعز وشرحه السخى الفلسفى المبهر للممر العابر من باب المسجد إلى صحنه الكبير، حيث قال:
«الممر كأنه رحم نولد فيه من عالم إلى عالم، يتميز هنا الممر أنه واضح، هنا نبتدى نشعر بخصوصية هذا المكان مع الزخرفة اللى موجودة على الأرض، الأرض عبارة عن مجموعة دوائر، دوائر سوداء ودوائر بيضاء بتدور حول دائرة معينة، الدائرة التى هى الشكل الكامل فى الفن الإسلامي، وكأن الإنسان وهو ماشى على الأرض وهو تحت، المسجد يحمله إلى أعلى يحمله من خلال حركة الدائرة وكأنه لا يمشى فوق أرض ولكنه يمشى بين حركة كواكب، إذن إحنا فى مواجهة مجرة، شكل من أشكال المجرة، وكأنها منظومة كواكب تمنح المكان رغم ثباته ورغم الحجر ورغم الإرتفاع؛ حركة دائرية قوية جدًا تشعرنا أولاً بإستمرارية الكون أن لا شيء ثابت لا شيء يبقى على حاله بالحركة الدائرية، فى نفس الوقت تشعرنا بالسمو لأن إحنا الحقيقة ماشيين فى فراغ من السديم اللانهائى تتخلله حركة هذه الكواكب والشموس، الدائرة البيضاء المحاطة بإطار أسود تشبه الشمس وينتظم حولها تلك الكواكب، هذا هو تفسيرى للممر الجميل الفريد، الممر مرحلة ومجرد إنتقال نصل بعده إلى بداية الصحن وهنا ننفتح على عالم كامل مكمل».
بالمناسبة أدعو القائمين على التعليم فى مصر لإدراج برنامج «تجليات مصرية» ضمن المناهج الدراسية ولتكن حصص للدراسة المرئية.
ولعل أبرز ملامح الإدراك والانتباه فى تجربة الغيطانى فى رأيى هو وعيه الشديد بموهبته، وقاه من الفخ الذى وقع فيه آخرون من التلاميذ الملتفين حول الأستاذ نجيب محفوظ، حيث انبهروا بالبهاء المحفوظى للحد الذى همد المشوار الأدبى عند البعض منهم. بينما كان جمال الغيطانى يعى أنه يستطيع وضع لبنة جديدة فريدة ببصمته فى بناء الأدب الشامخ، مع الاعتداد بمنارة محفوظ التى تضئ كل كيانه.
وبرغم أننا نحتفى بذكرى الميلاد لكن لا يفوتنى الإشارة إلى أكتوبر عند الغيطاني، يفوت أكتوبر وراء أكتوبر ليفعل القدر مقاديره، أكتوبر ذاته الذى حضره وسط الدم والنصر كمراسل صحفى يغطى المعركة وينقل تفاصيل أبطالها.. فربما كانت من اللطائف رغم الفقد أن يتوفى الأستاذ الغيطانى فى أكتوبر الذى أحبه قدر حبه لمصر.
لن ينتهى الكلام الجميل عن الغيطانى كلما أردنا الاستزادة من الأدب والفن والجمال، الغيطانى ذو الوجه المصرى الأصيل، تشعر كأن وجهه منحوتة فرعونية خالصة، جمال الغيطانى عاشق القاهرة الذى (استهجيت) على يديه حروف (ا ل ق ا ه ر ة).. وحمل رسائل حبى إليها وعاد يخبرنى أنها وحدها، القاهرة؛ كانت من الأول تضحك لك يا اسمرانى.. كل ذلك ولم أقابله أو أجلس فى حضرته يومًا.