ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
الأحد، 17 مايو 2026 - 11:14 ص
أخبار الأدب
أندريا باريت
ترجمة: د.محمد غنيم
س: ما الذى يحيط بالأرض؟
ج: الغلاف الجوي؛ وهو مكوّن من الهواء والبخار وغازات أخرى.
س: إلى أى مدى يمتد الغلاف الجوى عن الأرض؟
ج: حوالى 45 ميلًا.
س: ماذا يمكنك أن تقول عن الهواء؟
ج: يصبح أرقَّ أو أقل كثافة كلما ابتعد عن الأرض.
س: عندما يتبخر الماء، أين يذهب؟
ج: يرتفع إلى الهواء.
س: كيف يمكن للماء أن يرتفع إلى الهواء؟
ج: يتحول إلى بخار، وحينها يصبح أخف من الهواء.
س: عندما ترتفع الأبخرة وتتكاثف، ماذا يُطلق عليها؟
ج: الغيوم.
من «الدرس 19» فى كتاب دليل جيمس مونتيث فى الجغرافيا، المصحوب بالتاريخ وعلم الفلك (الطبعة المنقحة، 1868).
كتاب بني، تملؤه البقع البنية وعلامات التآكل، وقد تهالك غلافه الجلدى حتى كاد يختفي. ربما استخدمه معلم، وربما تناقله بعض الطلاب. يشير الغلاف الخلفى إلى أنه جزء من السلسلة الجغرافية الوطنية، ويؤكد أن «هذه الكتب استُخدمت بنجاح كبير فى مدارس كل ولاية فى الاتحاد، وتزداد شعبيتها باستمرار».
إذا تأملت أى صفحة من هذا الكتاب بما فيه الكفاية—لنقل، الرسم الخشبى الصغير فى الصفحة 39، حيث تظهر سفينة شاهقة، حوت ضخم، ورجال يتطايرون من قاربهم الضيق ليعلقوا فوق الأمواج، مع تعليق توضيحي: صيد الحيتان فى البحار الشمالية—صائدو الحيتان فى ماساتشوستس—مخاطر صيد الحيتان—جبال الجليد—فإن عالماً بأكمله ينفتح أمامك. تظهر شخصيات، وتلوح فى الأفق حكايات لم تُروَ بعد.
كيف يحدث ذلك، لى ولغيرى من الكُتّاب، هو ما أنوى الحديث عنه هنا. ليس تاريخ كاتب واحد (أنا)، بل بعض التأملات حول كيف ولماذا قد يحوّل أى كاتب (بما فى ذلك أنا) شذرات من التاريخ، مثل ذلك الكتاب البنى المهترئ، إلى عمل روائي.
غالبًا ما أكتب روايات تدور أحداثها فى أزمنة وأماكن غير زمانى ومكاني: روايات تستند إلى حقائق، تُشكّلها القصة والشخصيات. ويرجع ذلك جزئيًا إلى اهتمامى العلمى بالتاريخ والعلوم، دون امتلاك المثابرة والمهارات الفكرية اللازمة لممارستهما أكاديميًا؛ فقد التحقت لفترة وجيزة ببرنامج الدراسات العليا، أولًا فى علم الحيوان ثم فى التاريخ، لكننى شعرت سريعًا بالرهبة من حجم العمل المطلوب، وخيبة الأمل من أساليب البحث التى لم تروق لي.
يرجع ذلك إلى حد ما إلى طبيعتى الشخصية؛ لا أحب الكتابة عن نفسي. ورغم أن هناك كتبًا رائعة ألّفها كُتّاب استندوا بالكامل إلى تجاربهم الشخصية، إلا أن روايتى الأولى، التى تناولت قصصًا عائلية، جعلتنى أدرك أن هذا ليس طريقي. إذن، أين يمكننى أن أبحث عن مادة للكتابة؟
فى الربيع الماضي، راقبتُ طائر الـ «فيبى» وهو يحاول بناء عش على حافة ضيقة لا تتجاوز نصف بوصة فوق بابى الأمامي. فى البداية، لم نلحظ أنا وزوجى سوى لطخة من الطين فوق الحافة وبقايا نباتات رطبة متناثرة على الشرفة. تخلصتُ من تلك البقايا مرتين.
وأخيرًا أدركنا أن طائرًا (عرفنا لاحقًا من صوته أنه فيبي) كان يجلب خيوط الطحالب والأشنيات، محاولًا لصقها بالبصاق والطين على مساحة صغيرة جدًا لا يمكنها حمل العش. عندما قام زوجى بتثبيت قطعة صغيرة من الخشب الرقيق على الحافة، ظهر فى اليوم التالى عش متين من الطين، مبطّن بخيوط من العشب والطحالب والشعر والوبر والريش. ولم يمضِ وقت طويل حتى فقست فيه ثلاثة أفراخ.
لم يكن أى جزء من هذا المشهد، أو مما قرأته لفهم ما كان يحدث، ليبدو لى كمادة واعدة لكتابة الرواية عندما كنت صغيرة. لكنه أصبح كذلك لاحقًا—وهو التغيير الأكبر فى مسيرتى الكتابية.
فى رواياتى الأولى، تعلمت أن أمدّ يدى إلى الخارج، إلى ذلك الثراء الهائل للعالم، وأيضًا إلى الخلف، نحو الماضى الذى يكمن تحت حاضرنا. ولحسن الحظ، فإن مواد التاريخ والفن والعلوم والطب وعالم الطبيعة—وهى أكثر الأشياء التى تثير اهتمامي—لا تنتهي، تمامًا كأكوام الكتب والوثائق المبعثرة فى المكتبات المستعملة، والأقبية، والأرشيفات، وكل مكان. مثلًا، «دليل مونتيث للجغرافيا»، الذى أهدانى إياه صديق عزيز، أو ذلك الكتاب الذى يحمل عنوانًا رائعًا، «أشكال الماء فى السحب والأنهار والجليد والأنهار الجليدية»، والذى سقط عرضا من رف مكتبة بينما كنت أمد يدى لالتقاط شيء آخر، ثم أصبح لاحقًا مصدر إلهام لرواية.
ومع ذلك، حتى عندما تعمقت أكثر فى الماضى وبدأت، مع حمى السفينة، فى كتابة قصص تدور أحداثها بالكامل فى أزمنة وأماكن لم أعشها، لم أفكر فى نفسى ككاتبة «روايات تاريخية». كان هذا التصنيف، بالنسبة لي، مرتبطًا بتلك المجلدات الضخمة التى كنت أقرأها فى صغري، منغمسة فى حبكات درامية جامحة بينما كنت مقتنعة أيضًا بأننى أتعلم بعض التاريخ.
فى صيف عامى الثالث عشر، كنت بحاجة ماسة إلى ذلك الهروب. إذ وجدت نفسي، بسبب سوء تصرفى وتغير أوضاع عائلتي، محبوسة فى غرفة معتمة فى منزل غير مألوف، أنتظر بدء دراستى الثانوية فى مدينة جديدة، وليس لدى ما أفعله سوى القراءة.
لم تكن عائلتى من محبى القراءة، لكن لا بد أن ملاك المنزل السابقين كانوا كذلك، أى محبون للقراءة؛ إذ تركوا وراءهم مجموعة متنوعة من الكتب، معظمها روايات، وكثير منها من إصدارات «نادى كتاب الشهر» أو «النادى الأدبي». والأغرب، حين أنظر إلى الأمر الآن، أكتشف أن معظمها كان من الروايات التاريخية. من المحتمل أننى قرأتُها جميعًا.
على سبيل المثال، «ميلا 18» (1961) لليون أوريس، التى شكلت لعقود مصدر معرفتى شبه الوحيد عن انتفاضة جيتو وارسو، و«الخروج» (1958) له، التى تناولت تأسيس دولة إسرائيل، وبقيت لفترة طويلة مرجعى الأساسى حول هذا الموضوع. كذلك قرأت رواية «العذاب والنشوة» (1961) لإيرفينج ستون، عن مايكل أنجلو، ورواية «شغف الحياة» (1934) عن فان جوخ. وقرأت رواية «الأرض الطيبة» (1931) لبيرل باك، عن الحياة فى قرية صينية؛ ورواية «كاثرين» (1954) لأنيا سيتون، التى استعرضت قصة عشيقة جون جونت، والتى كانت أيضًا شقيقة زوجة جيفرى تشوسر. وغير ذلك الكثير من الروايات التى التهمتها بشغف.
ومع ذلك كان الكثير منها مجرد حشو لا قيمة له، لكن بعضها لم يكن كذلك—من بينها «كريستين لافرانسداتر» (1920-1922) لسيجريد أوندست، التى جسّدت الحياة فى النرويج خلال العصور الوسطى. ومع ذلك، لست واثقة أننى كنت قادرة آنذاك على التمييز بين الجيد والرديء. ما أنا متأكدة منه أننى لم أدرك وقتها التحيزات السياسية، والانحيازات الثقافية، والأحكام المسبقة التى كنت أستوعبها دون وعي. لاحقًا، كان عليّ أن أتخلص من الكثير مما ظننته مسلّمات.
لكن ذلك الانغماس المبكر لا بد أنه منحنى إحساسًا بإمكانية كتابة الرواية فى سياقات تاريخية، حتى لو لم يوفر لى النماذج التى سأحتاجها بشدة بعد عقود. ربما ساعدنى أيضًا فى إدراك ما لا أرغب فى كتابته؟ فى أوائل تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأتُ لأول مرة فى كتابة الروايات التى تدور أحداثها فى الماضي، لم أكن أجد الكثير من الأمثلة على ما يمكن أن أسميه، لعدم وجود مصطلح أفضل، «الرواية التاريخية الأدبية».
فى الغالب، وجدت أكوامًا من الكتب المشابهة لتلك التى عثرت عليها على الرفوف ذات اللون الأخضر الباهت — روايات ضخمة مليئة بالأحداث تدور حول الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الأهلية الأمريكية، والثورة الفرنسية، وحروب أخرى— ممتزجة مع دراما تاريخية وروايات رومانسية. لم يكن أى منها يوحى بما كنت أتوق إلى كتابته.
أرشدنى الأصدقاء فى النهاية إلى بعض المصادر الملهمة. كان من بينها بالطبع رواية «محبوبة» (1987) لتونى موريسون، إلى جانب مجموعة من الأعمال البريطانية مثل ببغاء فلوبير (1984) لجوليان بارنز، و«فنان من العالم العائم» (1986) لكازو إيشيجورو، «وبداية الربيع» (1988) «وبوابة الملائكة» (1990) لبينيلوب فيتزجيرالد، «والتجدد» (1991) لبات باركر، «والامتلاك» (1990) لإيه. إس. بيات.
أذهلتنى رواية «مذكرات هادريان» (1951) للكاتبة الفرنسية مارجريت يورسنار، وكذلك «حياة متخيلة» (1978) و«تذكر بابل» (1993) للأسترالى ديفيد مالوف. أما رواية فى «جلد أسد» (1987) للكندى مايكل أونداتجي، فقد قادتنى إلى من بحيرة الحبر: قصص كندية (1990)، وهى مجموعة قصصية اختارها أونداتجي، تضم حكايات تدور أحداثها فى الماضى، كتبها أليستير ماكلاود، وأليس مونرو، ومارجريت أتوود، وتيموثى فيندلي، وغيرهم ممن لم أكن أعرفهم آنذاك. ومن هناك، وجدت نفسى أغوص أكثر فى عوالم هؤلاء الكتّاب، حتى وصلت إلى المنارة التى أضاءت لى الطريق: أسرار معلنة (1994) لأليس مونرو.
وهكذا، بدأتُ مسارى المتواضع، الذي—بعد ثلاثين عامًا—تداخل مع العديد من المسارات الأخرى ليشكّل نسيجًا ثريًا. باتت الروايات الرائعة التى تدور أحداثها فى الماضى وفيرة اليوم؛ أعمال تختلف تمامًا، فى الغاية والأسلوب، عن تلك التى كانت تملأ الرفوف الخضراء.
وتلك عينة صغيرة من أرفف مكتبتي: رواية الحريق العظيم لشيرلى هازارد (2003)، والعالم المعروف لإدوارد بى جونز (2003)، والسيد لكولم توبين (2004)، ودع العالم العظيم يدور لكولم ماكان (2009)، وبوذا فى العلية لجولى أوتسوكا (2011)، وصائدو الثلوج لبول يون (2013)، وصيف القطب الشمالى لديمون جالجوت (2014)، وأولاد النيكل لكولسون وايتهايد (2019)، وماتريكس للورين جروف (2021)، وكتاب الإوزةلييون لي. (2022). بالطبع يمكنك عمل قائمة مختلفة ومتألقة بنفس القدر فى غضون لحظات.
فى عام 2023 وحده، كان بإمكانك التنقل بين رؤى «الخداع» لزيدى سميث، التى تدور أحداثها فى إنجلترا وجامايكا فى القرن التاسع عشر، ودعونا ننحدر لجيسمين وارد، التى تجرى فى جنوب الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية، و«بيت الأبواب» لتان توان إنغ، التى تدور فى ماليزيا خلال عشرينيات القرن الماضي، والصفح لأليس مكديرموت، التى تجرى أحداثها فى سايغون خلال حرب فيتنام—وليمة أدبية كان من الصعب تخيلها قبل بضعة عقود.
فى مقالها المنشور فى نيويوركر بعنوان «عن قتل تشارلز ديكنز»، كتبت زيدى سميث—وهى ناقدة بارعة بقدر ما هى روائية—أنها لطالما لم تحب الروايات التاريخية، واعترفت بأنها احتفظت لفترة طويلة بتحيز ضد هذا النوع الأدبى يعود إلى أيام دراستها، حيث كانت وزملاؤها يميلون إلى اعتبار الروايات التاريخية «محافظة جماليًا وسياسيًا بحكم التعريف». لكن لاحقًا، وبعد أن تأثرت بعدد من الأعمال العبقرية (بما فى ذلك «مذكرات أدريان» التى أدهشتنى شخصيًا)، أدركت أن الرواية التاريخية توفر إمكانيات غنية لمنظورات جديدة، وأنها يمكن أن تفعل أكثر من مجرد محاكاة شكلية لعصرها.
لماذا لا نفترض أنه إذا كانت كل حقبة بحاجة إلى إعادة كتابة التاريخ، فإننا أيضًا بحاجة إلى إعادة تصور رواياتنا التاريخية؟ فهناك أصوات منسية، ووثائق مفقودة أو مدمرة أو متجاهلة، وتجارب كاملة لم يتم تناولها، وشعوب وثقافات أُسيء تمثيلها أو لم تمثَّل على الإطلاق—كل هذا يشكّل مادة خصبة للكتابة والاستكشاف! وأمامنا العديد من الطرق للقيام بذلك. إن تقديم رؤية جديدة للماضى يمكن أن يكون جديدًا بقدر أكثر اللوحات الأدبية حداثة—ويمكن أن يكون راديكاليًا بنفس الدرجة من حيث النية، والشكل، واللغة، مما يحفز التفكير فى جميع أشكال السرد التى تتعمق فى مادة الماضي.
مقتطف من كتاب الغبار والضوء: حول فن الحقيقة فى الخيال
الكاتبة: أندريا باريت مؤلفة كتاب «حمى السفن» الحائز على جائزة الكتاب الوطني، بالإضافة إلى روايات «رحلة حريش البحر»، «خدم الخريطة»، «التاريخ الطبيعي»، وغيرها من الأعمال الأدبية.