ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


قلم حر

اعترافات رَزّة وهيثم القيم تحاكم التاريخ

ياسر عبدالعزيز

الأحد، 17 مايو 2026 - 08:35 م

فى الأزمنة التى كانت فيها كرة القدم تُشبه قصيدة مكتوبة على عجلٍ فى دفتر طالبٍ حالم، لا صفقةً فى بورصة الأرقام.. كان هناك رجالٌ يدخلون اللعبة كما يدخل الزاهدُ معبده: خفيفى الخطى، كثيرى الهيبة، قليلى الكلام.
كان أحدهم الأسطورة أحمد رمزي.. أو «رَزّة» كما أحبّه جمهور نادى الزمالك، وكأن الاسم الحقيقى لا يكفى لاستيعاب تلك الطبقة من الوقار الكروى التى كانت تحيط به. رجلٌ من زمنٍ آخر، حين كانت القيم تُقال بلا ميكروفونات، والانتماء لا يحتاج إلى بيان رسمي، والولاء لا يُقاس بعدد الصور على الجدران.
قبل نحو عقدين، قال لى ذلك الرجل - كمن يهمس بسرّ دولة قديمة: الدورى هو البطولة الأغلى… لأنه التاريخ نفسه وهو يتنفس. ثم تأتى بعده بطولة تكمل المشهد، لا تغيّر المعنى.
واليوم، يعود الصوت ذاته - لكن من نافذة أخرى، ومن زمنٍ مختلف - على لسان هيثم فاروق، ابنٌ آخر من جيل «المحترمين» كما كان يُقال لهم بلا سخرية.. جيل لم يكن يسكنه الضجيج بقدر ما كان يسكنه الوقار.. خرج الرجل ليقول، فى بساطة تكاد تكون جارحة فى زمن التعقيد عقب خسارة الزمالك الكونفدرالية: لو خُيّرت بين الدورى وبطولة الكونفدرالية… لاخترت الدوري.
فى عالمٍ صار يقيس كل شيء بالدولار، بدا كلامه كأنه خرج من كتاب مهمل على رفٍّ عالٍ فى مكتبة قديمة.. أربعة ملايين دولار - قيمة بطولة قارية ثانوية - رقمٌ كفيل بإغلاق الكثير من الشقوق، وترميم كثير من الخراب الصامت داخل الجدران؛ لكن الرجل كان يتحدث بمنطق لاعبٍ عاش القميص لا العقد، والعرق لا الفاتورة.
ثمّة أشياء لا تُشترى، حتى لو كان السوق مفتوحًا على آخره: الهيبة واحدة منها.. الدورى ليس بطولة فقط.. بل هوية كاملة.
فى كرة القدم الحديثة، صار كل شيء قابلًا للتسعير: الانتماء، الانتصار، وحتى الألم نفسه.. صار يمكن تحويل الهزيمة إلى «مشروع»، والانكسار إلى «خطة مستقبلية». لكن رجالًا مثل رزة وهيثم فاروق ظلوا يتحدثون بلغة مختلفة؛ لغة لا تدخل مزادًا ولا تُدرج فى التقارير.
كأنهم يقولون، دون أن يقولوا:
قد تربح المال.. لكنك لا تضمن أن تحتفظ بنفسك.. وهنا تحديدًا، يصبح حديثهما أكثر من مجرد رأى كروي. يتحول إلى مرآة جيلٍ كان يرى النادى فكرة قبل أن يكون ميزانية، وكان يرى الجمهور شريكًا فى المعنى لا رقمًا فى الإحصاء.
إن كرة القدم، فى نهايتها، ليست صراع ألقاب فقط.. بل صراع تعريف: ماذا يعنى أن تفوز؟ وماذا يعنى أن تبقى محترمًا وأنت تفوز أو تخسر؟
ولهذا، حين يُستعاد صوت رزة، ثم يُجاوره صوت هيثم فاروق، لا نشعر بأننا أمام تحليل كروي، بل أمام بقايا زمنٍ كان يؤمن بأن الكبرياء ليست كلمة زائدة، بل أساس اللعبة نفسها.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة