توحيد العالم المنقسم.. رسائل إنسانية وحضارية من قلب المتحف المصري الكبير

إقبال كثيف من السائحين داخل المتحف الكبير

الإثنين، 18 مايو 2026 - 01:11 م

شيرين الكردي

في مشهد يعكس مكانة مصر الحضارية وريادتها الثقافية، احتفى المتحف المصري الكبير باليوم العالمي للمتاحف من خلال ملتقى علمي وثقافي دولي حمل رسائل إنسانية وحضارية تؤكد أن المتاحف لم تعد مجرد قاعات لعرض الآثار، بل أصبحت جسورًا للتواصل بين الشعوب وحماية الذاكرة الإنسانية في عالم يزداد انقسامًا وتحديات. وجاءت الاحتفالية هذا العام تحت عنوان «المتاحف توحد عالمًا منقسمًا»، بتنظيم من وزارة السياحة والآثار ممثلة في المجلس الأعلى للآثار، بالتعاون مع المجلس الدولي للمتاحف «إيكوم»، وذلك داخل أروقة المتحف المصري الكبير، وسط حضور واسع من علماء الآثار والمتخصصين والمهتمين بالشأن الثقافي والمتحفي.   ◄ إعادة صياغة الوعي الإنساني المشترك   واستهلت الفعاليات بكلمة ألقاها الدكتور خالد حسن نائب الرئيس التنفيذي للمتحف المصري الكبير، نيابة عن الدكتور أحمد غنيم الرئيس التنفيذي للمتحف، رحب خلالها بالحضور، مؤكدًا أن المتحف المصري الكبير بات واحدًا من أهم الصروح الثقافية والحضارية على مستوى العالم، كما دعا الضيوف إلى جولة داخل قاعات المتحف للتعرف على الكنوز الأثرية التي يحتضنها وأحدث أساليب العرض المتحفي المستخدمة داخله. وأكد الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن المتاحف تمثل النسيج الحقيقي الذي يربط المجتمعات ويعيد صياغة الوعي الإنساني المشترك، موضحًا أن الاحتفال داخل المتحف المصري الكبير يحمل دلالة خاصة باعتباره مشروعًا حضاريًا يعكس عظمة التاريخ المصري. وقال الليثي خلال كلمته: «سأتحدث باللغة العربية، ومن أراد فهمنا عليه أن يتعلم لغتنا»، في رسالة تعكس الاعتزاز بالهوية الثقافية والحضارية المصرية، مؤكدًا أن المتاحف تمتلك القدرة على جمع الشعوب وتجاوز الحواجز والانقسامات، عبر تقديم رؤية أوسع للتاريخ والحضارات الإنسانية بعيدًا عن الأحكام الضيقة والرؤى الأحادية.   ◄ حماية التراث الوطني مسؤولية إنسانية عالمية   وأضاف أن العاملين في قطاع الآثار والمتاحف يحملون مسؤولية إنسانية كبيرة تتمثل في الحفاظ على التراث الإنساني بمختلف أشكاله، سواء كان قطعة فخار أو نسيجًا أثريًا أو أي قطعة تحمل قيمة حضارية وتاريخية، مشيرًا إلى أن حماية هذا التراث تعني الحفاظ على ذاكرة البشرية بأكملها. ومن جانبه، هنأ الدكتور محمود حامد رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة الحضور باليوم العالمي للمتاحف، مؤكدًا دعم وزارة الثقافة الكامل لكافة الأنشطة والفعاليات التي تسهم في تطوير العمل المتحفي وتعزيز دوره الثقافي والمجتمعي. كما شدد الدكتور أسامة عبد الوارث، رئيس اللجنة الوطنية المصرية للمتاحف «إيكوم مصر» ونائب رئيس المنظمة الإقليمية العربية للمجلس الدولي للمتاحف، على أهمية حماية التراث الوطني باعتباره جزءًا من المسؤولية الإنسانية العالمية، مؤكدًا أن المتاحف أصبحت مؤسسات فاعلة في بناء الفهم المشترك بين الشعوب.   ◄ صفحات حية من تاريخ الإنسانية   وأشار عبد الوارث إلى أن الاحتفال هذا العام يتزامن مع مرور 80 عامًا على تأسيس المجلس الدولي للمتاحف، موضحًا أن القطاع المتحفي يواجه تحديات عديدة بيئية واقتصادية واجتماعية، الأمر الذي يتطلب تطوير الإدارة المتحفية وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص والاستثمار في المتاحف لضمان استمرار رسالتها الثقافية والحضارية. وأضاف أن مفهوم المتحف الحديث تجاوز فكرة كونه مجرد مكان لحفظ الآثار، ليصبح منظومة متكاملة تضم الحكايات الإنسانية والذاكرة الحضارية وأساليب التوثيق والعرض والتفسير، بما يضمن نقل هذا التراث للأجيال المقبلة بصورة تليق بقيمته التاريخية.   اقرأ ايضا| المتاحف جسور للحوار والسلام.. العالم يحتفي بدورها الحضاري   وفي السياق ذاته، دعا الدكتور محمود مبروك مستشار وزير السياحة والآثار لشئون العرض المتحفي، الجمهور إلى زيارة المتاحف المصرية والتعرف على ما تضمه من كنوز حضارية فريدة، مؤكدًا أن المتاحف المصرية تمثل صفحات حية من تاريخ الإنسانية.   ◄ أنشطة وبرامج مجتمعية وثقافية   وشهدت الاحتفالية تنظيم عدد من الفعاليات المصاحبة، من بينها معرض مفتوح وحفل لتكريم المتميزين في مجالات العمل المتحفي، بالتعاون مع قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار، تقديرًا للجهود المبذولة في الحفاظ على التراث الثقافي وتطوير منظومة العرض المتحفي. كما أطلق المتحف المصري الكبير مجموعة من الأنشطة والبرامج المجتمعية والثقافية التي تستهدف تعزيز التواصل مع الجمهور، وترسيخ دور المتحف كمؤسسة معرفية وثقافية تسهم في نشر الوعي وبناء جسور الحوار بين مختلف فئات المجتمع. وفي لفتة تقديرية للعاملين خلف الكواليس، أكد الدكتور عيسى زيدان مدير إدارة الترميم ونقل الآثار بالمتحف المصري الكبير، أن ما تحقق داخل هذا الصرح الحضاري العالمي هو نتاج سنوات طويلة من العمل الصامت والدؤوب الذي شاركت فيه فرق متعددة من المتخصصين والخبراء والفنيين والإداريين. وأوضح زيدان أن خلف كل قطعة أثرية أبهرت العالم، وكل قاعة عرض نالت إعجاب الزائرين، تقف فرق عمل مصرية حملت على عاتقها مسؤولية إنجاز هذا المشروع الحضاري الضخم بكل إخلاص وكفاءة.   ◄ واجهة حضارية وثقافية تعكس عظمة مصر أمام العالم   ووجه زيدان الشكر والتقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدًا أنه كان الداعم الأول لخروج حلم المتحف المصري الكبير إلى النور، ليصبح واجهة حضارية وثقافية تعكس عظمة مصر أمام العالم، معربًا عن تقديره لرئيس مجلس الوزراء وجميع وزراء السياحة والآثار الذين ساهموا في دعم واستكمال المشروع القومي، إضافة إلى أمناء المجلس الأعلى للآثار، وكل من شارك في تحويل فكرة المتحف إلى واقع عالمي مبهر. كما وجه التحية كذلك إلى إدارة المتحف المصري الكبير، وعلى رأسها الرئيس التنفيذي والمشرف العام على المشروع، وجميع القيادات والإدارات التي أدارت هذا المشروع العملاق بكفاءة ورؤية وطنية، إلى جانب الشركات الوطنية والعالمية والفرق الهندسية والفنية والاستشارية التي شاركت في تنفيذ وإنجاز هذا الصرح الحضاري الفريد. كما أشاد بالدور الكبير الذي قامت به فرق مركز ترميم المتحف المصري الكبير، وإدارة مشروعات الترميم والدعم الفني، وإدارة مخازن الآثار وقواعد البيانات، وإدارة العرض المتحفي، والمعامل العلمية، والشؤون المالية والإدارية والقانونية، وإدارة الأمن، وجميع الإدارات الفنية والهندسية التي شاركت في رحلة طويلة من العمل بدأت بأعمال الترميم الدقيقة، مرورًا بعمليات النقل والتجهيز والتثبيت، وصولًا إلى تقديم هذا العرض المتحفي المبهر الذي يقف أمامه العالم اليوم بإعجاب. وأكد زيدان أن ما تحقق داخل المتحف المصري الكبير لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والعلم والإرادة والتفاني، ليخرج هذا المشروع بالصورة التي تليق بالحضارة المصرية العريقة.   ◄ احترافية وكفاءة المصريين   وأشار إلى أن العرض المهيب لمجموعة الملك توت عنخ آمون، وخاصة المقاصير الأربعة، يمثل نموذجًا واضحًا لحجم التحديات التي نجح المصريون في تجاوزها باحترافية وكفاءة، ليظهر هذا التراث الفريد أمام العالم بأفضل صورة ممكنة. واختتم كلمته بتوجيه التحية لكل من شارك في هذا الإنجاز الحضاري الكبير، مؤكدًا أن مصر ستظل دائمًا قادرة على إبهار العالم بتاريخها وأبنائها وإرادتها الحضارية.