مقال مرفوض لأنه... غير بشرى!
الأحد، 24 مايو 2026 - 11:50 ص
ياسر عبد الحافظ
«إذا كنت تكتب الروايات أو القصص أو المقالات، فهذه «الأوامر» ستفتح أمامك أبوابًا واسعة لتوليد الأفكار وتطوير الشخصيات وصياغة المشاهد بأسلوب أدبي مميز»
صادفني هذا الإعلان مؤخرًا فتوقفت عنده مطولًا. نفذت النصيحة المصاحبة له «احفظه فسوف تحتاجه» كأنها موجهة لمن هم مثلي، ممن ينظرون بشك إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، ليس رفضًا للتطور، إنما لأنها متروكة بلا نقاش، أو قواعد نحدد بناء عليها حدود استخدام هذه الأدوات الجديدة، وتبعات إساءة الاستخدام.
هذا واحد من «الأوامر» التي تضمنها المقال.. «اكتب ملخّصاً قصيراً لرواية رومانسية تأسر القارئ».
على الأغلب يحتاج «الأمر» إلى أن يكون أكثر احترافية ومهارة كي لا تخرج النتيجة فكرة مكررة، ومعالجة آلية. الخبراء ينصحون أن تكون مبدعًا في ما تطلبه لتستخرج من أداة الذكاء الاصطناعي شيئًا أصيلًا، ثمة دورات لهذا. انتهى زمن تعليم الكتابة الإبداعية على ما يبدو وحل مكانه كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ليكتب لك، على أن هذا يلزم له دورة أخرى لتخفي آثار ما فعلت، أو لنكن أكثر تحديدًا.. ما سرقت من: مقالات، أو دراسات، أو روايات وقصص. لأن الحقيقة أنه إلى الآن لا توجد أداة قادرة على إنتاج نص مغاير بالكامل، لا بد أنه سيحمل سمات وأساليب من آخرين مهما بلغت مهارة «الأوامر» الموجهة إليها.
«اكتب وصفاً بصريًا مذهلًا لمشهد طبيعي خلّاب».
«تتدلّى الشمس عند حافة الأفق كقطعة ذهبٍ منصهرة، ناشرةً خيوطًا برتقالية وردية تذوب فوق قمم الجبال الشاهقة. يمتد الوادي الأخضر في الأسفل كسجادةٍ حيّة، تتراقص فوقها ظلال الغيوم ببطء، بينما يشقّ نهرٌ فيروزي طريقه بين الصخور كمرآةٍ تعكس السماء».
«هذا جيد لكنه يبدو آليًا بشكل ما.. كيف نجعله بشريًا؟»
«يمكنك جعل النص أقرب لأسلوب بشري عبر.. إضافة تفاصيل شخصية أو حسية محددة بدل الصور العامة فقط. مثل: «كانت رائحة التراب بعد المطر تشبه حديقة بيت جدتي». هذا النوع من الارتباطات الذاتية نادر في النصوص الآلية الخام».
لكن جدتك وحدها لن تكفي لإخفاء آثار الألية، وحتى لو جئت ببقية أفراد العائلة. لهذا تنصح الآداة أيضًا: «لا تحاول أن تبدو مثاليًا، لا تجعل المشهد متقنًا بالكامل».
القصد أنه خلال ساعات يمكن لأي شخص أن يكون: فيلسوفًا، عالمًا دينيًا، أديبًا، صحفيًا.
هذا ليس خيالًا، وفي كواليس عالمي الأدب والصحافة، يقول الناس أن ثمة نماذج من الأعمال الآلية بدأت بالفعل تقتحم الأبواب بجرأة، وأحيانًا بوقاحة، مستغلة غياب الحوار الجاد حول القضية، وكذلك غياب الآليات المناسبة لكشف الأعمال.
وما يستحق الانتباه أن التقدم في هذا المجال يسير بوتيرة أسرع مما نتخيلها، قبل أشهر فقط كان الشائع هو السخرية من الأعمال التي تنتجها تلك الأدوات، خاصة باللغة العربية، وكنا نظن أن هذه الحسنة الوحيدة لتخلفنا عن ركب الحضارة، أننا في حاجة لسنوات إضافية قبل أن تفهم تلك الأدوات قواعد اللغة العربية، وبالتالي تتمكن من إنتاج نصوص بها، لكن الواقع الحالي يقول أن نسبة لا بأس بها مما نقرأ يوميًا هو في أفضل الأحوال، إنتاج مشترك!
طلبت من «جيمناي» أن يكتب لي مقالًا حول خطورة الذكاء الاصطناعي على الإبداع، ثم عرضته على «شات جي بي تي» فكان رده كالتالي: «من الصعب جدًا الجزم بنسبة ( 100%) في عصرنا الحالي، ولكن بنسبة كبيرة تفوق الـ(90 %) نعم، هذا النص كُتب بروح وقلم بشري».
عكست العملية فخرجت بنتيجة مشابهة. وعندما كشفت حقيقة آلية النص على الأداتين وطلبت تفسيرًا، تنوعت الردود ما بين: «بسبب تطور النماذج الحديثة». و«بسبب المدخلات المقدمة إليه». و«أنا لست إلا نموذج لغوي ليست مهمتي التمييز بين النص الآلي والبشري». أما أخطر الردود بالفعل فكان «لا توجد أداة حاليًا قادرة على التأكيد بالكامل».
الواضح إذًا، وبعد أن ظن البشر أنهم دخلوا عصر اليقين التقني، فقد اخترعنا مأزقًا وجوديًا نعيد به إنتاج الملاحم والأساطير الكبرى التي واجه فيها الإنسان أسئلة وجودية.. أسئلتنا اليوم: ماذا يحدث حين يصبح من المستحيل إثبات بشرية النص؟ هل سنصل إلى لحظة يصبح الشك فيها هو القاعدة؟ والأهم كيف سيعمل الـ»شك» على تغيير النظرة إلى فكرة الثقافة نفسها؟
في تقديري أنه في مواجهة أدوات الذكاء الاصطناعي فإنه يلزمنا ألا نبالغ كذلك في فرادة المنتج الإنساني، من الضروري الاعتراف أن الأدب نفسه قائم على التأثر وإعادة التدوير، وأن البشر أيضًا يعيدون تركيب ما قرؤوه، وكثير من الإنتاج البشري التجاري نمطي أصلًا.
مع هذا، وبشكل شخصي، لا أعتقد ان الإبداع البشري في خطر، لأسباب عدة، على رأسها أنه، أي إبداعنا، خارج التوقع، وهو ما يختلف عن منتجات نماذج المحاكاة. وربما تمثل هذه الطفرة التكنولوجية فرصة مناسبة لنتعرف بشكل عملي على الفارق بين الأصيل والزائف.
لكن مع ذلك، من المهم التنبيه أن مفهوم «الإبداع البشري» ليس عامًا، والخطورة التي تمثلها أدوات الذكاء الاصطناعي قائمة على المستويات المحلية التي تفتقر إلى البنية النقدية الكافية، والتي تتعامل مع الأدوات كـ «مستهلك» لها وليست «منتجة».
في وضع أدبي وصحفي وعلمي هش مثل واقعنا فإننا حقًا على أبواب معركة مصيرية، فشيوع أنماط مقلدة من الكتابة الصحفية، والإبداعية، والبحثية، لن يكون له من نتيجة إلا إغراق الوعي العام في نسخة مزيفة من الواقع، ومن الفن على السواء، ما يعني فقدان القدرة على التفكير النقدي، وهو ما يتبدى لنا بعض من آثاره في ردود الفعل الجماعية على قضايا مختلفة.
كيف إذًا يمكننا المواجهة، في ظل غياب أي تحركات فاعلة، رسمية أو مجتمعية؟
أظن أنها لا بد ستكون مواجهة تتولاها كل جهة بشكل منفرد إلى أن نتمكن من التوصل إلى آليات عامة. من الصحف، دور النشر، الجامعات، المراكز البحثية، مع العمل على تنمية الوعي بأن هذه الأدوات لا تقدم إبداعًا جديدًا بل تعيد هندسة ما تم إنتاجه من قبل. وربما قبل أي شيء آخر تضعنا أمام السؤال الذي تجنبناه طويلًا: ما أهمية الإبداع، وما معنى أن يكون أصيلًا؟