فانوس فوق المقطم

فانوس

الأحد، 24 مايو 2026 - 01:12 م

أخبار الأدب

حسين عبد البصير فى الليلة التى أعلنوا فيها أن الهلال لم يُرَ بعد، شعر سليم أن السماء تؤجّل شيئًا فى قلبه. كان يسكن فى حارة ضيقة تتفرع من زحام خان الخليلى، حيث تتدلى الفوانيس من الحوانيت كعناقيد ضوء، وحيث يعرف النحاس اسمه كما تعرفه حجارة الأزقة. كان أبوه صانع فوانيس، ورث المهنة عن جد جاء إلى القاهرة أيام كان مدفع قلعة صلاح الدين يُسمَع من آخر الدنيا، ويُقال إن صوته كان يبلغ سفح المقطم فيرتجّ الجبل فرحًا. لكن هذا العام لم يكن كغيره. الأب مريض، والورشة صامتة، والطلبات قليلة. والفوانيس البلاستيكية التى تغنى وحدها اجتاحت السوق مثل ضيوف لا يعرفون الأدب. جلس سليم على عتبة الدكان، يمسك هيكل فانوس من صفيح، يحاول أن يثبّت الزجاج الأحمر فى مكانه. ارتجفت يداه. لم يكن يرتجف من البرد، بل من الخوف. رمضان يقترب، ولا مال فى البيت، وأمه تخبئ قلقها فى طبق العدس. فى المساء، مرّ المسحراتى مبكرًا كعادته، يدق طبلته الصغيرة ويجرب صوته: «اصحى يا نايم… وحد الدايم.» تذكر سليم ما كان يحكيه أبوه عن أيام كان المسحراتى يقف تحت المشربيات، فتُلقى النساء له قطعة نقدية ملفوفة بورق مشتعِل، فيلتقطها ويرتل الفاتحة. قال الأب يومًا: «يا ولدى، القاهرة لا تموت. هى فقط تغيّر جلدها.» رفع سليم عينيه نحو المقطم. هناك، فوق الجبل، كانت أضواء المدينة تتلألأ. تذكّر الحكايات عن دكة القضاة، وعن القاضى الذى كان يصعد ليترقب الهلال، وعن المواكب التى كانت تهبط إلى المدينة إذا ثبتت الرؤية، فتتحول الشوارع إلى نهر من المشاعل. همس لنفسه: «لو ظهر الهلال، سأُشعل هذا الفانوس… حتى لو كان آخر فانوس أصنعه». فى اليوم التالى، استيقظ على صوت أبيه يناديه من الداخل. دخل مسرعًا، فوجد الرجل جالسًا بصعوبة، يمسك بقطعة نحاس قديمة. قال الأب بصوت متقطع:  - هات الصندوق الخشبى… تحت السرير. أخرجه سليم، ففتح الأب الصندوق ببطء. كان فيه قالب قديم، محفور عليه زخارف مملوكية دقيقة. - هذا قالب جدك… كنا نصنع به فوانيس مخصوصة لليلة الرؤية. لا تبعْه… اصنع به. لم يفهم سليم كيف لرجل مريض أن يتحدث عن الصنعة كأنها صلاة، لكن عينى الأب كانتا تلمعان بشىء يشبه الإيمان. عاد إلى الورشة. نظف القالب، صقل النحاس، ثبت الزجاج بعناية. كان يعمل كأنه لا يصنع فانوسًا، بل يعيد تركيب قلبه. وقبيل الغروب، دوّى صوت المدفع من القلعة. توقف كل شىء لحظة. الزحام، والمساومة، وصراخ الباعة. ثم جاء الصوت عبر المذياع الصغير المعلق فى الدكان المجاور: «ثبتت رؤية هلال شهر رمضان». لم يشعر سليم بنفسه إلا وهو يخرج إلى الحارة، يرفع فانوسه الجديد عاليًا. كان الضوء يتكسر عبر الزجاج الأحمر والأخضر، فيرسم على الجدران أشكالاً راقصة. مرّ طفل صغير، توقف مبهورًا: - بكام يا عم؟ ابتسم سليم. لم يكن أكبر من الطفل إلا بأعوام قليلة، لكنه شعر فجأة أنه أكبر من الحارة كلها. - مش للبيع… ده بتاع الرؤية. تجمّع الناس. امرأة من الشرفة ألقت حفنة سكر على الأطفال ابتهاجًا. مرّ المسحراتى يضحك، على الرغم من أن الليل لم يحن بعد. عاد سليم إلى البيت، يحمل الفانوس أمامه كأنه يحمل بشرى. وجد أباه جالسًا قرب النافذة، يراقب الضوء المتسلل من الأزقة. قال سليم وهو يضع الفانوس قربه: - ظهر الهلال يا أبى. نظر الرجل إلى الضوء طويلًا، ثم أغمض عينيه كمن يؤدى صلاة. - قلت لك… القاهرة لا تموت. فى تلك الليلة، نامت الحارة على ضوء الفانوس الجديد. لم يكن الأجمل فى السوق، ولا الأعلى صوتًا، ولا الأغلى ثمنًا. لكنه كان يحمل شيئًا لا يُباع: يد الجد، وصبر الأب، وارتعاشة الحفيد حين صدّق أن الضوء يمكن أن يولد من الخوف. وعلى سفح المقطم، كان الهلال رفيعًا كخيط أمل، يعلّق فوق القاهرة فانوسًا أكبر، لا ينطفئ.