الطبيعة السرية
الطبيعة السرية


الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم

أخبار الأدب

الأحد، 24 مايو 2026 - 01:35 م

باتريثيو برون ترجمة: أحمد عبد اللطيف
سوف تصطدم، سوف تفقد السيطرة على السيارة وتهشّم سياجًا يفصل الطريق السريع عن الغابة وأسرارها الخفية، لكن أوليفيا لا تعرف ذلك بعد، لا يخطر لها ما سيحدث فى طرفة عين حين تهاجمها ذكرى بقوة غريبة، تقتحمها كموجة وتسحبها معها. كانت تتساءل منذ لحظة إذا ما كانت رقعة الظل على يمينها هى رقعة لويز بارك أم رقعة المنتزه الواقع على ضفاف البحيرة فى الجنوب قليلًا، وهى تخلط الأول بالثانى كلما أتت إلى المدينة من طريق رامسبوتوم، القرية التى تعيش فيها منذ أكثر من عام؛ حين تتخذ هذا الطريق فى الصباح، مثل حالتها الآن، حين لا يكون الضباب قد انقشع بعد وبيوت الضواحى وسياراتها أضواء سحيقة يكتنفها ظلام حالك، يهيأ لها أن كل ذلك محض مسارح صغيرة تسوى فيها نزاعات ليست هيّنة كليةً ويُعبَر عنها بموسيقى غير مبتذلة أبدًا للغة مشتركة، ويقال إنها، بدافع الفضول، يمكنها أن تقترب من ممثليها حتى تلمسهم من دون أن يلاحظوا وجودها، ذلك لأن الضوء الذى يقطعهم من السواد، ويكشفهم أكثر مما يتصورون، قد صُمم ليكونوا مرئيين من دون أن يروا، وليصرفهم الدور الذى يلعبونه، ومتطلباته، عن وجود ممثلين آخرين وأدوار أخرى وعن أولئك الذين يسكنون، مثل أوليفيا، فى ظلام يحيط بهم ويفكرون فى هذه اللحظة فى ظلام مماثل، ويتساءلون إذا ما كانوا من هذا المنتزه أم منتزه آخر.
  لا يزيد عدد سكان رامسبوتوم عن عشرين ألف نسمة، وكانت نفسها رأس المنطقة، قبل أن تغدو جزءًا من المدينة التى تتوجه إليها أوليفيا؛ ومن عادات سكانها رمى البيض فى المنحدرات، وصيد طيور النيوجناث والاشتراك فى مسابقات قذف اللحم. وأوليفيا، من جانبها، وقد بلغت الثالثة والثلاثين، عاشت فى أكثر من عشرة أماكن: فى سوينتون، مع صديقتين؛ وفى ريديش، فى بناية لجيش الخلاص، مع خطيب؛ وفى ويثينجتون، ليس بعيدًا عن المستشفى الذى ولدت فيه؛ وفى مساكن عشوائية فى إكلز، وفى برنسيس ستريت، وليفينشولمى، لونجسايت، وموس سايد؛ وفى ورشة أمها، فى حارة تسمى باك بيكاديللى، لبضعة أشهر؛ وفى قبو متجر للسجاد مع جامايكيَين، فى بروتون؛ وفى شقة صغيرة بالقرب من مسرح تشورلتون-كوم-هاردى حيث كانت تمثل عندما أدى أحد الأوبئة إلى إغلاق المسرح، فى بورى. وبعد أشهر من علاقتهما، ترجتها صديقتها أن تنتقل معها إلى هذا المكان الأخير لأنها ضجرت من عبور المدينة لتلتقيها؛ غير أن العلاقة بينهما لم تكن على ما يرام، ربما لأن صديقتها كانت ممثلة كذلك، وربما لأنها من الجنوب وتشعر أنها ممتلئة بالنطق المحلى، بكل هذه الأصوات التى يميل سكان المنطقة إلى بلع نصف كلماتها ثم يبصقونها عليها فى النهاية، وكانت أوليفيا تبالغ أحيانًا لتستفزها؛ أو، أغلب الظن، كما تفكر أوليفيا، لأن الاحتياجات الأشد عمقًا لدى صديقتها، وليس بوسعها تلبيتها إلا بطريقة عرضية، تتشابه كثيرًا مع رغباتها وكانت نتاجًا لخسارات حاولت الصديقة تعويضها من دون أن تفهمها كليةً بعد أن حدّثتها عنها أوليفيا، كأن الجهل بدوافع الشخصية ضمانة أخيرة لتمثيلها بكفاءة، بكل هذه السطحية. «ماذا ستفعلين اليوم؟» سألتها أوليفيا عندما التقيتا للمرة الأولى، وأجابتها الأخرى: «شيء ينتهى بالندم»؛ ومنذ ذلك الحين غدت هذه العبارة معتادة فى حديثهما، وربما كانت أكثر لحظات اليوم صراحةً. وذات ليلة أصرت الصديقة على أن ترافقها أوليفيا إلى إحدى السهرات المشبوهة التى انتشرت منذ أشهر معدودة مثل نباتات طفيلية فى كل ركن شاغر صغير، ورفضت أوليفيا، فحدثت مشادة أعنف من المعتاد، وصراخ، وتجريح، ودفعات، ورزع الباب بقوة. وعادت الصديقة بعد غياب يومين لما تمكنت الشرطة من فض الحفلة، ولكن الخوف من مزيد من التجريح والعراك الجديد من جانب الصديقة أشعل فى أوليفيا خطة الهروب القديمة -خطة لا تتجنب فقدان الآخر ولكنها تبدّل مفاهيم البقاء والرحيل، مفاهيم من يغادر ومن يبقى- وهى نوت الرحيل، إن أمكن، إلى مكان لم تعش فيه من قبل. تقع رامسبوتوم على بعد دقائق قليلة فحسب من بورى، وتحيط بها مستنقعات وبِرك. ومثل كل الناس شعرت أوليفيا بالفقد، ولكنها لم تعد تتذكر أى فقد: مثل كثيرات، كانت تتوق بعمق إلى سماء صافية. لم تكن طبيعة ما تهفو إليه، إذ كانت تعرف -متأخرًا، منذ بدأت أمها تهتم بمثل هذه الأمور- أنه لم يعد ثمة شيء يمكن أن نسميه هكذا إلا خيالًا تعويضيًا، أيديولوجيا؛ ما كانت تتوق إليه منظرًا طبيعيًا لم يتغير جذريًا بعد. لقد سمعت ذات مرة أن النمساويين يسمون الأفق «تلفزيون الحمقى»؛ لكن استحالة تأمله فى المدينة، مثل غيره، وتمرير نظرة على نوع من فضاء لا تقطعه البنايات -أو الأسوأ من ذلك، أن تحجبه جدران البيوت المجاورة، والخطوط العريضة للطرق السريعة والشوارع، ولافتات المتاجر المضيئة والمطاعم والدخان- قد أثار فيها حنينًا هائلًا إلى المنظر الطبيعى. ورامسبوتوم، كما فكّرت، لم تكن سوى منظر، إمكانية، تحرير للقوى والدوافع بعد فترة طويلة من الشلل.
وبسبب قيود من سنوات فائتة، وجفاء لم تعرف أى منهما كيفية معالجته وراح يتراكم يومًا وراء يوم خلال تلك الفترة، لم تزرها أمها قط فى رامسبوتوم، حتى بعد أن حاولت أوليفيا إقناعها بجمال الأهوار فى المنطقة، فبحسب أمها، الأهوار ليست إلا بركًا واسعة كان الناس يُقتلون فيها ويُلقى بهم فى مياهها منذ عصور ما قبل التاريخ. وأوليفيا تعرف أن أمها على حق، لكنها تقول لنفسها وهى تقود السيارة إنها ليست على حق تمامًا، والأهوار كذلك أشياء أخرى راحت تكتشفها على مهل فى جولاتها على مدار العام ونصف الأخيرة؛ فهى على الخصوص شيء يشبه المرآة، من ينعكس فيها يتأمل طبيعته الحقيقية وشيئًا من مخاوفه؛ أما أمها، بالطبع، لا تذكّرها الأهوار إلا باختفاء الأب قبل عدة سنوات، سنوات كثيرة. وقبل لحظة من انفجارها فى البكاء، تتذكر أوليفيا أنه حدث قبل 19 عامًا، ما يقرب من العشرين، كانت هى حينها فى الرابعة عشر -وبعد أيام عيد ميلادها الخامس عشر، مثلما كان عيد ميلادها الرابع والثلاثين بعد أيام من فقدانها السيطرة على سيارتها واصطدامها بحواجز الطريق السريع فى شرود ستتحدث عنه السلطات كثيرًا من دون أن يفهموه-، وقبل ذلك بعامين، كان سقوط برجين فى نيويورك، معلنًا حروبًا جديدة وزمنًا من عدم اليقين تقلصت فيه حريات طال انتظارها واستبدالها بحريات أخرى، كانت ضرورية أيضًا فى كثير من الأحيان، لكنها أغفلت الفروق بين الجنسين والطبقات التى من دونها غدت الحريات الجديدة بلا فائدة ومحض ديكور. خلال أشهر، أدى احتمال وجود أبيها فى الأهوار، حيًا أو ميتًا -وفى الحالة الأخيرة إما مقتولًا فى حادثة ما أو منتحرًا - إلى تركيز جهود الشرطة فى «تمشيط المنطقة»، وهو تعبير بدا لـ أوليفيا فريدًا ومترعًا بالالتباس والدلالات اللافتة.
 لكنهم لم يعثروا على أبيها هناك، بين جثث لفظتها الأهوار فى فترة دفعت الصحافة لاستحضار العصر الذهبى لمافيا المدينة، أو عصر القرابين البشرية التى يبدو أن سكان المنطقة الأوائل قد مارسوها، سواء بموافقة ضحاياهم أو من دونها، أو العصر الأقل شهرة من معارك العصابات وكانت تحتدم فى المدينة باستمرار فى مراهقتها، وكان من ضحاياها شاب تعرفه أوليفيا يعمل فى مغسلة؛ حبيب صديقة لها؛ شخص قد عاشت معه فى بيت مسكون قبل سنوات؛ صديق إحدى معارفها وذات ليلة دافع عن فتاتين سوداوين فى حافلة الليل قبل أن يسحبهما المعتدون من العربة ويختفيا، وكانت الأخبار تصل إلى أوليفيا أحيانًا من دون أن تشعر أبدًا بتأثر كامل، إذ ألمها وشعور عميق بالغربة خلّفه اختفاء أبيها ولم يتراجع إلا ببطء على مر السنين، كان أكبر بكثير من أن تدرك الأحداث المأساوية المضاهية التى، فى ظروف أخرى، ربما كانت تشغل مكانها، وبالفعل شغلت مكانها فى حياة أشخاص لم يكونوا مختلفين عنها وعن أمها -التى، على جانب آخر، بدا أنها حرّمت على نفسها، منذ اللحظة الأولى، إظهار أى علامة ألم، حتى الحداد نفسه- أشخاص قد فقدوا عزيزًا وفرضت عليهم الحياة أن يواصلوا العيش بعده، لكنها الآن تعانى من غياب وغموض وسؤال كبير «ماذا لو أن…» يسيطر على كل شيء. بطبيعة الحال، استمرت الأهوار فى السنوات التى تلت اختفاء أبيها تلفظ الجثث -كذلك الفؤوس الصغيرة والأقراط والأحذية المطاطية والإطارات، وأحيانًا بقايا حيوانات نافقة، فى دحض ضمنى لخطية الزمن المفترضة- لكن لم يكن من بينها أبدًا جثة أبيها، وهكذا ظلت قضية مفتوحة، بالنسبة لـ أوليفيا بدرجة ليست أقل من الشرطة، تتغذى على كل التفسيرات الممكنة لاختفائه، أفكار الانتحار تلك المنسوبة إليه، وتفسيرات أعماله وأشياء قالها أو ربما قالها وقد لا تقبل أى تفسير، إلا أبسطها. ورغم ذلك، يبدو أن أمها تشبثت بفكرة، ربما لا تخلو من أساس، وهى أن رجال الشرطة لم يؤدوا عملهم على أكمل وجه وأن جثة الأب لا تزال فى المستنقعات؛ ولعل رفضها لزيارة ابنتها فى رامسبوتوم شديد الصلة بذلك بالطبع، كذلك ثمة احتمال، ليس أقل أهمية، أن الأب لم يكن هناك وأن الأم أدركت ذلك بطريقة غامضة عند زيارة الأهوار، وأن إدراكها لخطئها كان بدوره دليلًا على أن السنوات التسع عشرة الأخيرة من حياتها، بما فعلته من أشياء وما اتخذته من قرارات، كان خطأ بلا أساس، لأنه مبنى على سوء تقدير. «لا داعى للعودة إلى الموضوع»، قالت لها أمها ذات مرة، فى فترة كانت أوليفيا لا تزال تعتقد أن بإمكانها أن تشاركها ألمًا لم تهيئها له -وكانت الأم آنذاك تخطط لمعرضها الأول بعد اختفاء زوجها، وكان سيساهم فيه بدور قصير ولكنه ضروري- وربما لم تكن الأم، من جانبها، تشعر به، بل وتنكره كما تنكر أى شعور لا تستطيع فهمه وبالتالى السيطرة عليه.
   تقول أوليفيا لنفسها إنها تمنت أن تتفق مع أمها فى هذا الملمح. ومع ذلك كان ثمة أسباب متعددة للعودة إلى الموضوع حينها، بدءًا من أهمها وهو ضرورة معرفة ماذا حدث، ماذا جرى لأبيها فى صباح اليوم الذى اختفى فيه وفقًا للشرطة بإرادته الحرة بحسب الظاهر -فقط بحسب الظاهر، كما أصروا-، لذلك فالأهوار، بالنسبة للأم، كما تعتقد أوليفيا، شيء يشبه الاستعارة وربما مكان تنتهى فيه القصة، أو على الأقل مكان انتهاء أسباب الاستمرار فى التفكير فيها، حتى لو استمرت القصة فى أماكن أخرى، وليس أقلها فى حياة ابنة ترى فى الأهوار شيئًا مختلفًا تمامًا عما تراه أمها: ترى مكانًا تغرق فيه الأشياء وتطفو أحيانًا وتكشف طبيعتنا الوحشية من دون تمويهات المدن والتاريخ، والأدب بِشره الصغير -ما من شر أصغر من شر آخر- والأخلاق التى نزرعها وهى، بوقوفه بيننا وبين الآخرين، يحمينا من أسرارهم أثناء حمايتهم بالطبع من أسرارنا. فى زمن مضى، مثّلت أوليفيا فى مسرحية عن هذه الطبيعة الوحشية وهى تتجلى بالذات فى حياة أبناء الذئب وجميع الأطفال الذين ربتهم حيوانات لسبب أو لآخر ثم «أُنقِذوا» لاحقًا. تتذكر أوليفيا بعض الحالات التى رواها كاتب المسرحية، وهو شاب من بيرنلى حقق بعد سنوات «قفزة» فى مسرح لندن بنجاح نسبى. (لكن ليس لذاك النص بل بفضل أعمال أخرى كتبها واستعرضت صورة أكثر تصالحًا وأقل قلقًا أمام الطبيعة البشرية؛ واستعرضت، مثل كل شيء يميل المجتمع إلى الاحتفاء به باعتباره تخريبيًا ورائدًا وربما صعبًا، صورة مزعجة بعض الشيء ومؤلمة إلى حد ما لفطرة الإنسان سمحت، مع ذلك، بمجال لخيال محتمل، والأكثر من ذلك لأمل ما، أو إلى شكل آخر من الإصلاح: أعمال مسرحية تسمح بقبول طبيعة القسوة والموت التى لا تتبدّل، وفى الوقت نفسه، التصالح معها والمثابرة على الأسباب التى أثارتها بعد الانتهاء من مشاهدة وظيفتها؛ أعمال مكّنته حتى من تناول العشاء فى مكان ما لاحقًا وهو على يقين أنه، باستعراض ما يظن أنه هوات الوجود الإنسانى، خرج من التجربة سالمًا ومن دون أن يتعلم شيئًا، وهو شيء لا يكون ممكنًا، بحسب ما تفكر أوليفيا، إلا إذا كانت تلك الهوات ليست كذلك، بل محاكاة لها، مجرد تقليد، بديل.) ولكن لم يكن ثمة استبدال فى نصه المسرحى الأول، وقد مثّلت فيه أوليفيا وتفضّل تذكره، وكذلك الفترة القصيرة التى كانا فيها معًا: رومانس أقل شراسة، هذه المرة، وليست مكثفة لدرجة أن تعترف أوليفيا بأنها كانت نتاج عدم قدرتها فى ذلك الوقت على رسم الحدود بين التمثيل والأدوار الأخرى التى لعبتها، بين ممثلة تتعرى على المسرح وامرأة تفعل ذلك بعد ساعتين فى غرفة لكن أمام جمهور أصغر. «نحن مواليد العقود الأخيرة من القرن العشرين، كلنا أطفال متوحشون. لا مكان لنا فى العالم. ولا فصل ثانٍ فى دراما حياتنا»، هكذا كان يقول ذاك المسرحى حينها، وقد أوضح انجرافه اللاحق أنه لم يكن ينوى على الإطلاق أن ينتهى به المطاف مثل أطفاله المتوحشين، بل كان بوسعه بالفعل أن يجد مكانه فى العالم بفضل مهارته على التلميح إلى التجاوز وتجنبه فى الوقت ذاته. 
   لقد استوحى المسرحية من «طفلة سونجى المتوحشة» الشهيرة، وهى حياة مارى أنجيليك ميمى لو بلان، التى اكتشفها سكان إحدى قرى شامبانيا فى سبتمبر 1731 وهى تتجول حافية ومستورة بخرق وجلود حيوانات فيما تبحث عن الماء؛ كانت فى حوالى التاسعة عشرة وربما ظلت مختبئة فى الغابات نحو عشر سنوات، تتغذى على الجذور واللحوم النيئة: وبتحريمها عليها، ساهم الأطباء بشكل حاسم فى مشاكل معدة ستلازمها بقية حياتها، وكذلك فى ضعف شجعوها عليه، لأنهم اعتبروا -كما يفعل اليوم رجال كثيرون وبعض النساء عند إعلان نهاية زمن تشكّلت فيه الأم ولا تزال متشبثة به، زمن زعموا فيه أن المرأة محكومة بقناعاتها وحصونها المتعددة وليس بما لحق بها من أذى وعجزها عن التغلب عليه- أن المرأة فى جوهرها ضعيفة. أُجبرت لو بلان نزيلة المستشفيات والأديرة، والمطرودة من حين لآخر، على العيش على صدقات الآخرين، بعيدًا عن الغابات التى غدت وطنًا لها فى البداية، ثم استحالت ظاهرةً للعرض تعيش على بيع كتاب يروى قصتها. وبحسب مؤلفة ذاك الكتاب، «كانت نبرة صوتها حادة ونافذة وإن كانت ضعيفة، وكلماتها مقتضبة وخجولة، مثل كلمات طفلة لا تعرف بعد كيف تعبّر عن رغباتها». «لم تكن تتذكر أباها ولا أمها، ولا أحدًا فى بلدها الأصلى، ولا تكاد تذكر من ذاك البلد إلا أنها لا تذكر أنها رأت فيه بيتًا. [...] وذات يوم كانت فى القلعة وحضرت وليمةً عظيمة، ولاحظت أنها خالية من أى شيء يفتح شهيتها، إذ كان كل شيء مطبوخًا ومتبلًا، لذلك خرجت كالبرق، وركضت على ضفاف الحفر والبرك وأحضرت مئزرًا مملوءًا بالضفادع الحية، فنشرتها بيديها على أطباق الضيوف وهى تقول، مسرورةً لعثورها على هذه الأشياء الطيبة: «تفضل، كُلْ. كُلْ، تفضل. هيا»، لكن لا أحد قدّر كلماتها المفردة، وربما كانت ذكراها الوحيدة السارة، بالتالى، ذكرى مناسبة زارت فيها أميرة بولندية سونجى وأرادت منها أن ترافقها فى رحلة صيد. كتبت مؤلفة الكتيب عن حياتها أن لو بلان «عندما رأت نفسها مرة أخرى حرة طليقة وأسلمت نفسها لطبيعتها الحقيقية، راحت تطارد الأرانب الكبيرة والصغيرة وتلتقطها وتعود بالسرعة نفسها وتسلمها لها»، للأميرة، مثل الأطفال السذج الذين يعتقدون أنهم إذا أعطوا شيئًا لوالديهم سيتلقون منهم شيئًا أكثر قيمة فى المقابل، مثل رضاهم. لكن الأميرة لم تمنحها شيئًا، باستثناء ساعات قليلة من المتعة سمحت لها فيها أن تعود إلى وحشيتها مرة أخرى؛ لحظة مضيئة فى ظلام عصر التنوير ستتذكرها المرأة حتى نهاية حياتها. 
   لسبب ما تخصصت أوليفيا فى المونولوجات مثل طفلة سونجى، بشعور أنها ممنوجة لها إن جاز التعبير: أحيانًا يكتبها مؤلفون خصيصًا لها لتؤديها، وأحيانًا أخرى تُسترد من الماضى بحثًا عن صوت مثل صوتها لتمنحها شكلًا ونظامًا؛ ورغم أنها مثّلت أنواعًا أخرى من المسرحيات، وأفلامًا قصيرة لمخرجين شباب من شمال البلد -وكذلك فى عرضين أدائيين على الأقل- إلا أن المونولوجات الدرامية تستهويها أكثر وتتيح لها التمثيل بشكل أفضل، ما تعزوه إلى وحدة اختبرتها طوال حياتها وضاعفها اختفاء أبيها واستحالت قدرًا، وإلى تأثير أمها عليها. ومن بين كل الحكايات التى قرأتها فى تلك الفترة، أثناء تمثيلها لمسرحية فتاة سونجى، أكثر ما تتذكره، فى هذا السياق، قصة فتاة أُسرت فى غابة بالقرب من كراننبورج عام 1717. وكغيرها من أطفال يفترض أن الذئاب والدببة والنمور والأسود وقرد البابون وحتى الخنازير والأغنام، التى تحدّثت عنها الخرافات والحكايات التقليدية -ولاحقًا المؤرخون والصحفيون الذين استخرجوها من عالم الأساطير القديمة ليثبتوها فى الأساطير المعاصرة من أجل الموضوعية الصحفية والصرامة التاريخية- كانت الفتاة الصغيرة تسير على أربع، وكانت داهية وخائفة وسريعة، تأكل الجذور والثمار وتنام أعلى شجرة وفى الكهوف، ولم يكن لها قصة. كانوا قد خطفوها قبل سبع عشرة سنة فى أنتويرب، بحسب البعض. وبالفعل، حين انتشر الخبر فى تلك المدينة، امرأة كانت قالت إنها فقدت طفلتها قبل سبع عشرة سنة شعرت بالفضول وانتابها حدس، فتوجهت إلى كراننبورج على بعد 200 كيلومتر، لا تتذكر أوليفيا بالضبط، وأكدت أنها تعرّفت فى الشابة على ابنتها المخطوفة واصطحبتها فى طريق العودة إلى البيت. لم تذكر القصة اسم المرأة. ولم تذكر شيئًا عما إذا كانت صلتها بشابة كراننبورج حقيقية أم لا. ولا عن رد فعل الابنة المفترضة عند رؤية أمها المحتملة. ولم تكشف ما إذا كانت المرأة متزوجة أو لها أقارب، وإذا كانت كذلك، فما موقفهم من الفتاة الغريبة. ما من إشارة إلى حياة عائلية لم يكن أحد قد أعدّها لامرأتين ألقيتا بنفسيهما فيها فور عودتهما إلى البيت. بل يقال إن الابنة والأم عادتا ذات مرة، بعد خمس سنوات من أسرها، إلى الغابة التى وقعت فيها الأحداث لتدل الابنة أمَها عن كيف عاشت وأين لسنوات عديدة، ولكن الأم خافت من المحيط الكثيف والظلام حد أنهما عادتا سريعًا إلى أنتويرب. لم تعرف أوليفيا قط ما رأته كل منهما ولا لماذا فرّتا، ولكنها يمكن أن تتخيله إذ ربما قد رأته هى كذلك فى مناسبات مختلفة ومن دون حتى قرب أمها التى ربما تعجز عن أى قرب إلا قربًا تعرف أنه يؤلم أوليفيا ولذلك -فيما يُعد انسحابًا مسببًا- تحاول أن تعفيها منه. لم تعد ثمة احتفالات بعيد ميلادها منذ اختفاء أبيها، وذكريات الاحتفالات السابقة مشوشة، كأن أوليفيا بعد فترة معينة بدا لها مستحيلًا تذكُّر سنوات ما قبل الحادثة أو الاعتراف لنفسها بأن أباها ربما كان أكثر من مجرد غائب، وأن أمها كانت حاضرة أيضًا ولم تكن قد بنت حولها كل الجدران التى تعزلها وتحميها، وتحميها هى ذاتها كذلك، وعادةً ما تنتهى الذكرى بمكالمة هاتفية مقتضبة تتناوب فيها المرأتان تحسُّس إمكانية الحديث عن تاريخ مهم من دون أن تثير كلمة واحدة أى ريبة فى دوافع خفية، أو أى نوع من العمق، أو الفخ. ما من حوارات عن خروجات من المدينة ورحلات يُفترض أن تكون مجالًا للكلام ولا حتى لفترة وجيزة عن الزوج الثانى للأم. والأم لم تسأل قط عن عشاق الابنة، وربما تعتبرهم متغيرين؛ تواظب على حضور عروضها، لكنها لا تبقى أبدًا لفترة طويلة بعد العرض ولا تعلّق لها عادةً ولا يبدو أنها تتوقع تعليقات أوليفيا عندما تقول إنها شاهدت أحد أعمالها أو قرأت مقالًا عنها. لا يتحدثان أبدًا عن الأب، ولم تتجرأ الابنة على سؤالها عنه إلا مرتين خلال السنوات الست الماضية. كما أن الزيارات متقطعة، وتتطلب مفاوضات مطولة، وتتم عن طريق الإميل فى أغلب الوقت لأن أمها لم تعد تستخدم الهواتف المحمولة. مرة واحدة فحسب تفاجأت أوليفيا بزيارة أمها عندما كانت لا تزال تعيش فى ويزنجتون. سألتها أوليفيا بمجرد أن رأتها ولم تتمالك نفسها: «ماذا فعلتِ بشعرك؟»، وردت عليها «هل هو فظيع لهذه الدرجة؟» وأضافت وهى توجه لها نظرة تحدٍ ليست خالية من الغموض، وبفكاهة ملغزة لا يمكن فك شفرتها كانت أوليفيا تعرف أنها مقدمة للهجوم: «كما ترين، دائمًا كنتِ ملهمتى، يا حبيبتي»، وابتسمت أوليفيا بنظرة محدّقة فى الطريق السريع والمنظر الطبيعى الذى يقطعه. ولم تكن تكذب، ففى تلك الفترة كانت هى كذلك بشعر قصير كارثى سيظل يخزيها لسنوات، حين تكف عن جعل هيئتها الشخصية أحد أشكال الاعتداء على نفسها وعلى الآخرين. أحضرت الأم علبة من الكرتون ملأى بالبرتقال، لكن أوليفيا لم تحبه قط، فحملته فى اليوم التالى إلى مطعم بالكنيسةـ، وحملت معه شعورًا بالذنب.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة