عمرو الخياط يكتب: «وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ»
الأحد، 24 مايو 2026 - 07:40 م
عمرو الخياط
ليس الصعود إلى عرفات انتقالًا من مكان إلى مكان، بل ارتقاء من ضيق الدنيا إلى سعة السماء، ومن ثقل الذنب إلى خفة المغفرة، ومن وحشة القلب إلى أنس القرب من الله.
هناك، على ذلك الصعيد الطاهر، يشعر الحاج وكأن الأرض قد تخلت عن صخبها القديم، وكأن الروح خرجت من ضيق الجسد لتقف عارية إلا من الرجاء بين يدي ربها.
في عرفات لا يسمع القلب إلا نداءً واحدًا يتردد في أعماقه قبل أن تنطق به الشفاه:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.
فيأتي الحجيج من كل فج عميق، تاركين خلفهم أوطانهم وأسماءهم ومناصبهم، لا يملكون إلا بياض الإحرام، وكأن الله أراد أن يردهم إليه كما خلقهم أول مرة، بلا زينة إلا الخضوع، ولا جاه إلا الانكسار.
تتدفق الجموع نحو جبل الرحمة وكأنها أنهار من الدعاء، تتماوج بالتلبية التي لا تنقطع:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك».
نداء يحمل معاني العبودية الكاملة، وإقرارًا بأن كل ما في الكون لله وحده، وأن العبد مهما طال به العمر فلن يجد ملاذًا أرحم من باب مولاه.
وهناك، حين تشتد حرارة الشمس وتبهت ملامح الوجوه من التعب، تتجلى حقيقة أخرى؛ أن الأرواح إذا امتلأت بالقرب من الله لم تعد تشعر بمشقة الطريق.
فكم من قلب جاء إلى عرفات مثقلًا بالذنوب فعاد خفيفًا كأنما ولد من جديد، مصداقًا لقول النبي علية الصلاة والسلام «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
في عرفات تتوقف مقاييس الأرض كلها.
لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، الجميع يقفون في صف العبودية ذاته، تحت سماء واحدة، يرفعون أكفًا مرتجفة تنتظر الرحمة.
وهنا تتجلى عظمة الإسلام في صورتها النقية؛ أمة واحدة، وقلوب متجهة إلى رب واحد، ودعاء يصعد من ملايين الأرواح كأنه تسبيحة كبرى تهتز لها أبواب السماء.
وما أعجب عرفات.. ذلك المكان الذي أقسم الله به في كتابه الكريم: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، وقال فيه النبي علية الصلاة والسلام: «الحج عرفة».
فكأن الحج كله يختصر في تلك الساعات التي يقف فيها العبد بين الخوف والرجاء، بين دمعة الندم وبشارة المغفرة.
على عرفات يشعر الحاج أن الدنيا كانت أطول مما ينبغي، وأن القلب تأخر كثيرًا عن طريق العودة إلى الله.
تمر السنوات أمام عينيه سريعًا، وتتكشف له هشاشة كل ما كان يظنه عظيمًا، فلا يبقى في قلبه إلا يقين واحد:
أن النجاة الحقيقية ليست في مال ولا سلطان، بل في رحمة الله وحدها.
وحين ترفع الأكف بالدعاء، يدرك الحاج معنى قول الحق سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
فتسيل الدموع بلا تكلف، وتلين القلوب التي قستها الدنيا، ويشعر الإنسان أنه أقرب ما يكون إلى ربه، كأن أبواب السماء قد فُتحت كلها دفعة واحدة.
هنا يتذكر الحاج آدم عليه السلام حين تلقى كلمات التوبة، ويتذكر إبراهيم عليه السلام وهو يرفع قواعد البيت داعيًا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ويتذكر النبي محمد في حجة الوداع وهو يخاطب الأمة فوق هذه الأرض المباركة، مودعًا الدنيا بكلمات بقيت نورًا للبشرية إلى قيام الساعة.
ثم تأتي لحظة الغروب.. اللحظة التي ترتجف لها القلوب، حين تبدأ الجموع في الإفاضة من عرفات، وكأن الأرواح لا تريد مغادرة المكان الذي غمرتها فيه الرحمة.
يسير الحجيج والسكينة تظللهم، وقد امتلأت قلوبهم بيقين خفي أن الله لم يدعهم إلى بيته إلا ليغفر لهم، ولم يوقفهم بعرفات إلا ليكتب لهم حياة جديدة.
فيا لها من رحلة.. بدأت بنداء إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، وتنتهي بقلب عاد إلى الله بعد طول غياب.
رحلة يتجرد فيها الإنسان من الدنيا، ليكتشف أن أعظم ما يمكن أن يملكه هو سجدة صادقة، ودمعة خاشعة، وقلب عرف الطريق إلى الله أخيرًا.