بودكاست «20+»| نصر سالم: الحروب الخاطفة انتهت .. وهذه حسابات الردع بين أمريكا وإيران

أمريكا وإيران

الأحد، 24 مايو 2026 - 11:09 م

مروة العدوي

في قراءة عسكرية مباشرة تتسم بالعمق والدقة التخطيطية، وضع اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، النقاط فوق الحروف بشأن طبيعة ومستقبل الصراع الحالي في منطقة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وفي حلقة مكثفة من برنامج بودكاست «20 +»، فكك الخبير العسكري المشهد الراهن، مستعرضاً ملامح العقيدة الدفاعية لإيران، ومفسراً بالمنطق العسكري أسباب غياب المواجهة المسلحة المباشرة بين القوتين على الأرض. وجاء الطرح التقريري ليؤكد أن الحسابات الحالية لا تخضع للغة التهديدات والكلام المعلن في وسائل الإعلام، بل تحكمها حسابات المصالح وقواعد الاشتباك المنضبطة التي جعلت كافة الأطراف تفضل إدارة الصراع عبر جبهات بديلة، تحسباً لكلفة المغامرة العسكرية غير محسومة النتائج.   الجميع في مستنقع الاستنزاف وإسرائيل هي الكسبانة   افتتح اللواء نصر سالم أطروحته العسكرية برصد صادم لميزان القوى الراهن في المنطقة، مؤكداً بالمنطق الحسابي العسكري أن المشهد الحالي يمثل معادلة صفرية الكل فيها خسران، بينما تظل إسرائيل هي الكسبانة والرابح الوحيد. وشرح رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، أن اتساع رقعة الصراع وتعدد جبهات المواجهة بالوكالة قد أدخل دول المنطقة والقوى الدولية في مستنقع استنزاف طويل الأمد يلتهم مقدراتها واقتصادها وأمنها جراء النيران المشتعلة. وفي المقابل، تجني إسرائيل المكاسب الإستراتيجية الكبرى من هذا التفتيت؛ حيث يتم إنهاك خصومها الإقليميين، وتوجيه الضربات لعواصم المنطقة، واستدعاء الدعم العسكري والأمني الأمريكي الكامل لحمايتها وتثبيت أركانها، مما يجعل كلفة الدمار والخسائر تقع على عاتق الجميع بينما تخرج إسرائيل بالمكسب الأكبر من وراء هذا الصدام الممتد.     انكسار عقيدة الردع السريع ونهاية زمن الحروب الخاطفة   ومن واقع هذا الاستنزاف المستمر، أعلن اللواء نصر سالم بوضوح أن زمن الحروب الخاطفة قد ولى وانتهى إلى غير رجعة في الحسابات العسكرية المعاصرة، موضحاً أن القوى العظمى والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية والأمريكية لم تعد قادرة على حسم أي صراع عسكري بسرعة خاطفة خلال أيام أو أسابيع كما كان يحدث في الماضي. والسبب في ذلك يرجع إلى تغير طبيعة الخصم على الأرض؛ فالجيوش لم تعد تواجه جيوشاً مماثلة يمكن حصارها وتدمير مراكز قيادتها، بل أصبحت تواجه تنظيمات وفصائل تعتمد على حرب العصابات، والصواريخ، والمسيرات الرخيصة، وتمتلك قدرة فائقة على الصمود والنَفَس الطويل. وأكد اللواء أن أي مغامرة عسكرية اليوم ستتحول فوراً إلى مستنقع طويل الأمد لا يمكن الخروج منه، وهو ما يفسر بدقة عجز التكنولوجيا العسكرية عن حسم المعارك الحالية بشكل سريع وقاطع.   إستراتيجية إيران وحماية الجبهة الداخلية   ومن هذا المنطلق، فكك اللواء نصر سالم المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه الفكر الإيراني في إدارة أزماته، موضحاً أن الهدف الإستراتيجي الأول والأسمى لصانع القرار في إيران هو تأمين الجبهة الداخلية بشكل كامل، وحماية الدولة ومنشآتها واقتصادها من وصول أي ضربات أو نيران مباشرة إليها. وأشار رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق إلى أن إيران تضع حماية الداخل خطاً أحمر لا يمكن يتجاوزه، ومن هنا نبعت فلسفتها الثابتة في رفض الدخول في أي مواجهات عسكرية مباشرة أو حروب مفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل، لتجنب كلفة الدمار التي قد تلحق بالبنية التحتية للدولة الإيرانية في حال الصدام المباشر على أرضها. نقل المعارك للخارج وإبعاد النيران عن الداخل الإيراني   وانتقالاً إلى آليات تنفيذ هذا التخطيط، أوضح اللواء نصر سالم أن إيران نجحت في إبعاد النيران عن بلدها، من خلال نقل ساحة المعركة وتصفية الحسابات إلى خارج حدودها بالكامل. وشرح الخبير العسكري كيف تعمد إيران إلى إبقاء بلدها آمناً، بينما تدير صراعاتها فوق أراضٍ بديلة وفي ساحات متباعدة داخل المنطقة، وهو تكتيك يضمن للدولة الإيرانية امتصاص الضربات العسكرية بعيداً عن مواطنيها ومصانعها، بحيث تقع كلفة التدمير الفعلي والخسائر المباشرة على أراضي الدول الأخرى التي تشهد هذه النزاعات، بينما يبقى الداخل الإيراني في مأمن تام يحرك خيوط المشهد دون دفع فاتورة خسائر مباشرة.   تشتيت انتباه أمريكا وتوزيع قواتها في المنطقة   وحول كيفية تعامل إيران مع الضغوط العسكرية القادمة من واشنطن، كشف اللواء نصر سالم عن اعتماد إيران على تكتيك تشتيت الانتباه وتوزيع القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة، وشرح كيف تعمد إيران عبر الأذرع التابعة لها إلى فتح جبهات متباعدة حول إسرائيل وفي الممرات المائية الحيوية في ذات الوقت. هذا التشتيت يفرض على القوات الأمريكية حالة من الاستنفار والتعب الدائم، كما يجبر الإدارة الأمريكية على توزيع قطعها البحرية، وحاملات طائراتها، وأنظمتها الدفاعية لحماية مصالحها وحماية إسرائيل على مساحات شاسعة، ونتيجة لذلك، تجد أمريكا نفسها مجبرة على التعامل مع جبهات مفتوحة تستنزف قدراتها، وتجعل كلفة أي قرار بالحرب الشاملة باهظة وصعبة برؤية عسكرية مجردة.     حسابات المصالح وتوازن الردع بين أمريكا وإيران   وفي قراءته الختامية لطبيعة العلاقات بين واشنطن وإيران، لفت اللواء نصر سالم إلى وجود فجوة كبيرة بين الإعلام والواقع، مؤكداً أن التهديدات والكلام المعلن في وسائل الإعلام يخضع في نهاية المطاف لحسابات المصالح والمعادلات الحقيقية بين الجانبين. وكشف الخبير العسكري أن الحسابات الدقيقة وحرص كل طرف على تجنب الحرب هي التي تمنع انفجار الأوضاع إلى مواجهة شاملة؛ فأمريكا تدرك جيداً حجم الضرر الكبير الذي يمكن أن تلحقه إيران بالممرات المائية وحركة الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة، وإيران تفهم في المقابل بدقة حجم القوة العسكرية الأمريكية والردع الذي تمتلكه، ولذلك، تظل الرسائل مستمرة بين الجانبين لضبط إيقاع التصعيد وإدارة الموقف دون تخطي الخطوط الحمراء المتفق عليها.