قانون الغرفة المظلمة

صالح الصالحى

الأربعاء، 27 مايو 2026 - 06:50 م

صالح الصالحي

إن أخطر القوانين هى التى تتسلل بهدوء إلى البيوت فتغير معنى الأبوة ومعنى الأمومة ومعنى الزواج نفسه.. ومشكلة كثير من مشروعات قوانين الأسرة أنها تدخل البيوت مرتدية ثوب المعركة، لا ثوب الرحمة فتتعامل مع الزوج باعتباره متهما، ومع الزوجة باعتبارها خصمًا يجب الانتصار له.. وكأن الأصل فى العلاقة الزوجية هو الشك لا المودة، والصراع لا السكن، والمحكمة لا البيت. والعجيب أن الذين يكتبون بعض مواد هذه القوانين، يتحدثون عن حقوق المرأة وحقوق الرجل، لكنهم ينسون الكائن الصغير الذى يقف حائرًا، ممزق القلب، يدفع الثمن من أعصابه وعمره ومستقبله. إن أخطر ما يمكن أن يفعله أى قانون أن ينحاز لطرف على حساب طرف آخر.. لأن القانون إذا فقد توازنه، فقد احترام الناس له.. فالعدالة ليست أن تنتصر للمرأة دائمًا، ولا أن تنتصر للرجل دائمًا، وإنما أن ينتصر الحق دائمًا. علينا أن نسأل أنفسنا هل نريد قانونًا يحافظ على الأسرة، أم قانونًا ينظم حطامها؟! فى الحقيقة نحن لا نحتاج قانونًا يشعل الخصومة، بل قانونًا يقللها.. لا نحتاج نصوصًا تدفع الأزواج إلى ساحات الانتقام، وإنما مواد تدفعهم إلى التسوية والإصلاح.. نحتاج قانونًا يمنع تعسف الرجل، ويمنع أيضًا تحويل الأب إلى زائر موسمى فى حياة أبنائه.. نحتاج قانونًا يحمى المرأة من الظلم.. ويحمى الطفل من أن يصبح أداة ابتزاز عاطفى ومادى. قانون يتعامل مع الأسرة على أنها ليست ملكًا للرجل وحده، ولا للمرأة وحدها، وإنما أمانة مشتركة.. والطفل فيها ليس ورقة ضغط، ولا وسيلة عقاب، ولا غنيمة حرب، بل يعتبر الطفل روح يجب أن تصان، ونفس يجب أن تحمى من الكراهية التى يزرعها الكبار فى قلبه باسم الحقوق. ولهذا أرى أن أى قانون أسرة جديد ينبغى أن يُبنى على ثلاثة أعمدة، العدل والرحمة ومصلحة الصغير.. العدل الذى يعطى كل طرف حقه دون انتقام.. والرحمة التى تمنع تحويل البيوت إلى ساحات قتال.. ومصلحة الصغير التى يجب أن تكون فوق الجميع وغضب الجميع. ويجب أن ندرك أن المجتمع لا يبنى بإذلال الرجل أو سحق المرأة.. المجتمع يبنى حين يدرك الطرفان أن القانون عادل، وأن الدولة ليست طرفًا فى المعركة، بل حكم بين الجميع.