جريمة فوق الجبل.. الأصدقاء الثلاثة قتلوا الوسيط الروحاني وأحرقوا جثته

المجنى عليه

السبت، 30 مايو 2026 - 03:10 ص

شريف عبدالله

فى صباح هادئ بدا اعتياديًا داخل مركز العياط جنوب محافظة الجيزة، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إحدى المناطق الجبلية النائية إلى مسرح لجريمة من أبشع الجرائم التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.  طريق ترابي مهجور، صخور متناثرة، وآثار حريق ما تزال عالقة بالرمال السوداء، كانت جميعها تخفي وراءها لغزًا معقدًا استمر أكثر من 45 يومًا، بعدما عثر الأهالي على جثة متفحمة ومشوهة المعالم بلا رأس تقريبًا، وإحدى اليدين مبتورة، في مشهد أثار الرعب والحيرة معًا. التفاصيل الصادمة في السطور التالية البداية جاءت ببلاغ تلقته الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الجيزة، يفيد بالعثور على جثمان مجهول الهوية أعلى منطقة جبلية تابعة للعياط.  فور وصول قوات الأمن، أدرك رجال المباحث أنهم أمام جريمة ليست عادية، الجثة كانت متفحمة بشكل شبه كامل، والملامح اختفت تمامًا، فيما بدت آثار اعتداءات عنيفة على الرقبة والجسد، وكأن الجناة حاولوا بكل الطرق طمس هوية القتيل ومنع الوصول إليه. انتقل اللواء علاء فتحي مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة إلى متابعة الواقعة، فيما أمر اللواء محمد أمين مدير المباحث الجنائية بسرعة تشكيل فريق بحث لكشف ملابسات الجريمة.  تولى فريق البحث بقيادة العقيد أحمد صبحي مفتش مباحث البدرشين والعياط مهمة تتبع الخيوط القليلة المتبقية في مسرح الجريمة، خاصة أن الجناة لم يتركوا وراءهم أي أوراق أو متعلقات شخصية يمكن أن تساعد في تحديد هوية الضحية. في الساعات الأولى من التحقيق، بدا المشهد غامضًا بشكل كامل.  لا شهود، ولا كاميرات مراقبة، ولا بلاغات تغيب متطابقة بشكل واضح مع مواصفات الجثة.  وحدها حالة الجثمان كانت تشير إلى أن القتيل تعرض لجريمة انتقامية قاسية، نفذت بدم بارد داخل منطقة بعيدة عن أعين الناس. رجال البحث الجنائي بدأوا أولى خطواتهم من مسرح الجريمة نفسه.  فحصوا آثار الإطارات فوق الرمال، وتتبعوا بقايا الحريق، وجمعوا عينات من التربة والملابس المحترقة، فيما تولى خبراء الأدلة الجنائية محاولة استخراج أي دليل يمكن أن يقود لهوية القتيل أو الجناة.  ومع مرور الأيام، بدأت تظهر ملامح أول خيط في القضية. التحريات كشفت أن المجني عليه عاطل اعتاد التردد على عدد من القرى والمناطق الشعبية، وكان يقدم نفسه على أنه يمتلك “قدرات خاصة” تمكنه من فك الطلاسم السحرية وفتح المقابر الأثرية المدفونة.  تلك الحكايات التي يجد فيها البعض بابًا سريعًا للثراء، تحولت في النهاية إلى دافع لجريمة دموية. بحسب التحريات، تعرف المجني عليه منذ فترة على ثلاثة أشخاص من قرية طهما.  الرجال الثلاثة كانوا يحلمون بالعثور على مقبرة أثرية أو كنز مدفون يغير حياتهم، فصدقوا رواية الضحية، ودفعوا له مبالغ مالية مقابل مساعدتهم في أعمال التنقيب غير المشروعة.  في البداية، أقنعهم بأنه قادر على “تسخير الجن” لفك الطلاسم وفتح المقابر، وكان يطلب أموالًا إضافية في كل مرة بحجة شراء مستلزمات أو القيام بطقوس خاصة. مرت الأيام دون أن يتحقق شيء، وبدأ الشك يتسلل إلى نفوس الرجال الثلاثة. حاولوا التواصل معه مرارًا لكنه تهرب منهم، ثم أغلق هاتفه تمامًا واختفى لفترة، وهو ما دفعهم للاعتقاد بأنهم تعرضوا لعملية نصب كبيرة، وأن الرجل استولى على أموالهم دون نية لتنفيذ وعوده. هنا بدأت فكرة الانتقام تتشكل داخل عقولهم. وفق اعترافات المتهمين لاحقًا، عقد الثلاثة جلسات متكررة للاتفاق على طريقة استدراج الضحية.  وبعد تفكير طويل، توصلوا إلى خطة محكمة تعتمد على نقطة ضعفه الأساسية: حلم العثور على المقابر الأثرية.  اتصلوا به وأخبروه أنهم توصلوا إلى مكان جديد يعتقدون أنه يحتوي على مقبرة أثرية ضخمة، وأنهم بحاجة لقدراته لمساعدتهم في فتحها. الضحية صدق الرواية سريعًا، ربما لأنه اعتاد استخدام الحيلة نفسها مع آخرين، وربما لأنه ظن أن بإمكانه الحصول على المزيد من الأموال.  في يوم الجريمة، توجه معهم إلى المنطقة الجبلية النائية بالعياط، حيث كان كل شيء معدا مسبقًا. داخل الجبل، بعيدًا عن أي حركة بشرية، تحول اللقاء إلى كمين قاتل. بحسب اعترافات أحد المتهمين، بدأت مشادة كلامية بينهم والمجني عليه فور وصولهم إلى المكان.  طالبوه بإعادة الأموال التي حصل عليها منهم، لكنه أنكر اتهاماتهم، وحاول إقناعهم بمنحه فرصة جديدة.  التوتر تصاعد سريعًا، وفي لحظة حاسمة أخرج أحد المتهمين سلاحًا ناريًا وأطلق الرصاص على الضحية ليسقط أرضًا غارقًا في دمائه لكن الجريمة لم تنته عند هذا الحد. وقف المتهمون الثلاثة أمام الجثمان يفكرون في كيفية الهروب من العقاب.  كانوا يدركون أن اكتشاف هوية القتيل سيقود إليهم عاجلًا أم آجلًا، خاصة أن هناك من يعلم بوجود علاقة بينهم وبينه عندها خرجت الفكرة الأكثر بشاعة. اقترح أحدهم قطع رأس الجثة وتشويهها بالكامل حتى يستحيل التعرف عليها. استخدموا آلة حادة في محاولة لفصل الرأس عن الجسد، إلا أن المهمة لم تكن سهلة كما تصوروا.  ومع تكرار المحاولات، تمكنوا من إحداث إصابات بالغة في الرقبة وقطع إحدى اليدين، قبل أن يقرروا إشعال النار في الجثمان لإخفاء معالمه تمامًا. ألسنة اللهب ارتفعت وسط المنطقة الجبلية، بينما وقف الجناة يراقبون الجثمان يحترق، معتقدين أن خطتهم نجحت وأن الجريمة ستظل مجهولة للأبد. لكن ما لم يتوقعوه هو أن رجال المباحث كانوا يعيدون تركيب المشهد قطعة قطعة. على مدار أسابيع، واصل فريق البحث عمله المكثف. تم فحص بلاغات التغيب، وتتبع علاقات المجني عليه وتحركاته الأخيرة، والاستماع إلى عدد كبير من الشهود والمحيطين به. كما لعبت التحريات السرية دورًا محوريًا في تضييق دائرة الاشتباه حول المتهمين الثلاثة، خاصة بعد ورود معلومات عن خلافات مالية بينهم وبين الضحية تتعلق بأعمال تنقيب عن الآثار. ومع تضييق الخناق، بدأت الروايات تتضارب بين المتهمين، قبل أن تنهار مقاومتهم بالكامل خلال التحقيقات. أحد المتهمين اعترف بتفاصيل الجريمة كاملة، بداية من الاتفاق على استدراج المجني عليه وحتى إطلاق النار عليه وتشويه الجثمان. الاعترافات الصادمة قادت قوات الأمن إلى أماكن الأدوات المستخدمة في الجريمة، كما ساعدت في إعادة تمثيل الواقعة وسط إجراءات أمنية مشددة. الأجهزة الأمنية بقيادة اللواء محمد مجدي أبو شميلة مساعد وزير الداخلية لقطاع أمن الجيزة، تمكنت عقب تقنين الإجراءات من القبض على المتهمين الثلاثة، فيما تولت النيابة العامة التحقيق معهم لكشف جميع تفاصيل الواقعة وملابساتها. القضية أعادت إلى الواجهة من جديد ملف جرائم التنقيب غير المشروع عن الآثار، والقصص المرتبطة بالدجل والشعوذة التي تدفع البعض إلى ارتكاب جرائم مروعة طمعًا في الثراء السريع.  فالمتهمون لم يكونوا محترفين في عالم الجريمة، لكن حلم العثور على كنز مدفون، وتصديق أوهام “فك الطلاسم”، قادهم في النهاية إلى قتل إنسان ومحاولة إخفاء جريمتهم بطريقة وحشية. ورغم محاولاتهم المستميتة لإخفاء هوية الضحية عبر الحرق والتشويه، فإن خيوط الحقيقة ظهرت تدريجيًا حتى سقط الجميع في قبضة العدالة. في قرية طهما، ما تزال تفاصيل الجريمة تثير حالة من الصدمة بين الأهالي، خاصة مع تداول روايات عن الجلسات السرية وأعمال التنقيب المشبوهة التي كانت تُدار بعيدًا عن أعين الناس. البعض تحدث عن انتشار أوهام الدجل بين عدد من الباحثين عن الثراء السريع، فيما رأى آخرون أن النهاية كانت متوقعة منذ اللحظة التي اختلط فيها الطمع بالخرافة. أما المنطقة الجبلية التي شهدت الجريمة، فتحولت إلى شاهد صامت على واحدة من أبشع الوقائع التي شهدها مركز العياط مؤخرًا.  آثار الحريق اختفت مع الوقت، لكن تفاصيل الجريمة بقيت حاضرة في أذهان الجميع؛ جثة متفحمة، رأس شبه مفصول، يد مبتورة، وثلاثة متهمين اعتقدوا أن النار قادرة على محو الحقيقة. لكن الحقيقة، كما أثبتت التحقيقات، كانت أقوى من اللهب. اقرأ  أيضا:ضبط 33 متهمًا متورطين فى قضية «المقابر الأثرية» المزيفة