ما بعد هرمز.. أمن المصالح أولًا
السبت، 30 مايو 2026 - 08:04 م
منصور كامل
لعقود طويلة كان العالم يدور فى فلك الاقتصاد الغربى والأمريكي، عالم القطب الواحد الذى يسيطر عليه الدولار باعتباره عملة الاحتياط الوهمية التى لا تقبل النقاش، وعلى مدار سنوات مضت كانت هناك إرهاصات بأن ثمة شيئا سيحدث، نمور تصعد وقوى آسيوية تسابق الزمن وهى تنمو بوتيرة مستدامة، ولعل ما يحدث حاليًا فى الشرق الأوسط ليس مجرد توترات سياسية أو عسكرية فحسب، إن ما نراه اليوم ليس إلا ولادة متعثرة لعالم سيكون مختلف الأقطاب والتوجهات والقوة. إن الأزمة الحالية والتى أدت إلى اشتعال الجبهات فى الممرات المائية الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز وما خلفه من تقلبات حادة وسريعة فى أسعار الطاقة، وساهمت فى أزمة اقتصادية عالمية كان عنوانها الأبرز « تسارع وتيرة التضخم» كل ذلك سيدفع باتجاه القوى الصاعدة والتكتلات مثل: «الآسيان» و«البريكس» إلى تسريع الخطى نحو خلق بدائل حقيقية لعالم ما بعد هيمنة الدولار.
إن إعادة تشكيل الواقع السياسى والاقتصادى الحالى ليست مجرد أمنيات بل هى أرقام ومؤشرات تتحدث عن التوجه نحو «إلغاء الدولرة» فى المعاملات التجارية البينية، والبحث عن أنظمة دفع مالية مستقلة عن نظام «سويفت»، وهو ما لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل أصبح استراتيجية بقاء اقتصادى لدول تجد نفسها مهددة فى أى لحظة بتقلبات المزاج السياسى الدولي.
التكتلات اليوم تعيد بناء نفسها على أساس «أمن المصالح» قبل «وحدة الأيديولوجيا»، ستشهد الفترة المقبلة زيادة الاعتماد على العملات الأخرى فى التبادل التجارى كاليوان الصينى والروبل الروسى وغيرهما، وشيئا فشيئا سيتراجع الدولار ويفقد عرشه وبريقه إلى أن يصبح عملة مثله مثل باقى العملات الكبرى ولكن ليس بمهيمن أو مسيطر.
إن أزمة الممرات المائية أثبتت أن اقتصاد العالم سيظل مرهونًا برصاص التوترات الجيوسياسية، وبالتالى فالحديث عن ممرات بديلة وطرق آمنة سيكون محور خطط القوى الاقتصادية الكبرى خاصة فى الشرق التى ستحاول إحياء طرق وممرات بديلة تجعلها آمنة وقت الأزمات.. وسط هذه التغيرات التى ستكون سريعة ومتغيرة علينا أن نعيد رسم تكتلاتنا الاقتصادية بالاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع الغرب وفى نفس الوقت الاتجاه نحو الشرق، وبناء روابط وشراكات اقتصادية معه.. إن النجاح فى المستقبل سيكون حليف من يستطيع قراءة هذه التحولات مبكرًا، ويملك الجرأة لتعزيز مرونته الاقتصادية، ويؤمن بأن الاعتماد على الذات وإنتاج المعرفة هما السلاح الحقيقى فى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.