المَجهول
المَجهول


أُنثى فى طى المَجهول

بوابة أخبار اليوم

الأحد، 31 مايو 2026 - 12:01 م

أحمد النحاس

استيقظت سعاد صَباح يومٍ وهى تَحملُ ابتسامة لِمُستقبلٍ يَتلفحُ بتلابيب الغيب، فقد أصابها صوت لطالما غابَ عن أُذُنيها، وذلك بعد أن أنصتت لثوانٍ، وجزمت بنفسها لنفسها بأن صاحب هذا الصوت هو أبوها الذى لم ترهُ مُنذ سنوات طويلة، بعدها انتفضت سريعًا مِن نومتها واستلقائها على سَريرها الوثير، وقصدت خزينةً خَشبية لا تَحملُ إلا ذَكريات الصِغر وبعض قصصات الرسم، وكذا قلبها الطفولى إبَّان مَرحلة التعتعة فى النُطق والفرحة بالدمية التى أحضرها لها والداها ذاتَ مساء، وتناست أنها كبُرت، ولم تعد أصغر أخواتها، فهى ما تزال تقبع فى تفاصيل الصِغر، هذا العهد التليد الذى يحمل تلك الطفلة التى تتلاعب بالداخل منها.
بعدها امتشقت مِشطاً ليناً، وراحت تُسرح شَعرها المُتعرج، بعد أن خَلعت رداء الكِبَر وتسربلت فُستانًا يَحملُ عَرق الماضى، بلونِ سَعادة مفقودة رُسمت على عينيها المتكورتين مِن فرط دهشة اللقاء الذى طال كثيرًا، وبعد أن تزينت خرجت لتواجه حقيقة مُمضة، وهى أن ما سَمعتهُ مُنذ قليل ما هو إلا صوت بعض جيرانها الذين حضروا للتو، وليس صوت أبيها الذى غاب عنها منذ أمدٍ مديد!

2
«ياختى سيبك من الجو ده وقولى لى إزاى نمتى وسيبتى الخطر ينهش فينا؟!».
قالت إحدى الجالسات اللاتى تجمعن داخل بيت سعاد وأختها الكبرى سعدية، بأنه كان على هذه الصغيرة - فى إشارة إلى سعاد - إحكام القفل، ووصدُ المانع، والاختباء وراء حلقات البئر التى تنتصف ساحة البيت للقفز بباطنه متى اقتربَ الخطر!
الغموض لا يزال يُزاحم مُخيلات الجميع.
والجمعُ يغفو ويصحو على أصواتٍ لا تنتمى إلى بنى البشر.
«ده أكيد عفريت سُفلى»، هكذا يرى الشيخ حمدان الذى أتى به أحد الجيران للتعرف على حقيقة تلك الأصوات.
استقامت سعدية قاصدة حُجرتِها بعد أن أقسمت على أن تتعرف هى بنفسها على واقعية هذه الأصوات، فصدَّها زوجها بقوله: «اِقعدى هِنا يا ولِية، ربنا يغفلقها على اللى خلفوكى»، بعدها اعترضت سُعاد الأُخت الصُغرى لسعدية على تلك الهمجية فى ردع أُختها، وصرفها عن رَغبتها فى التقدم نحو غرفتها للتعرض لهذا الجنون عن قُرب، ولتقف على ماهية تلك الأصوات التى استدامت طيلة الليالى الخمس الخالية.
يلوكُ زوج سعدية بالشكوىَ أمام الحاضرين، ويقول بأن زوجته لا تتوقفُ عن ادعائها للذكاء «عمّال على بطّال»، حتى أنها جاءت فى إحدى الليالى، وقدمت لى خمرًا ابتاعتهُ مِن مَنافذ الأعداء «تخيل يا عم الشيخ حمدان»؟!
الشيخ حمدان بتعجُب: «هل كُل هذا الامتعاض فقط لابتياعِها الخمر مِن الأعداء؟!»
الزوج: «ودى حاجة سهلة، طب أضمن مِنين أنا دلوقت انوا مِش مَغشوش يا مولانا؟!».

سعدية: «والنِعمة الشريفة دانا كُنت عايزة أروقلُه بالُه، وأرُم عَضمُه، يا سى الشيخ».
الشيخ حمدان: «إذن عليكُما بالصبر وطاعة الخالق، كى يتخلص بعضكُم من بعض، فلا يُرفع البلاء إلا بالطاعة».
الزوج: «دى بَلوة جنبيها بلوة يا عم الشيخ، مش بلاء واحد».
الشيخ حمدان: «إذن فعليك بالمزيد من النوافل، وصوم على قد ما تقدر، وربنا هيخلصك منها».
وكانت الجُملة الأخيرة، هى آخر ما نطقَ به الشيخُ حِمدان بعد أن أحكمت سعدية قبضتها على عُنقهُ فأردتهُ خنيقاً، لا شهيق لا زفير لا حياة!
ومُنذُ ذلكَ الحادث وحتى يومنا هذا، لم يتمكن أى من الجالسين «اللى لسه موجودين لحد دلوقت على قيد الحياة»، مِن مَعرفة مَصدر اِنبعاث تلك الأصوات التى اختفت تمامًا فور مَوت الشيخ حِمدان، وهروب الزوج مع إحدى الخَليعات، وإصابة سعدية بالجنون.

3
أما عن سعاد فقد أصابها اليأس، وتيقنت مِن عدم رؤيتها لأبيها مرةً أخرى بعد أن أدركت ثمة حقيقة، وهى أن أباها قد نال منه الموت!
ومرت الأيام، وأدركت سعاد أنها تحملُ مِن العُمر ما يوازى صَغيرين شابا قبل الكِبر، وليست تلك الصغيرة التى تداعبها ألعاب الماضى والعروسة الدمية، فتهلل وجهها كبدرٍ متلوَّن الوجه دون تفسير، وتكلمت عن صمتٍ يشبهُ الجنون، ثم تأوهت تأويهة ساخنة شقت الأرجاء، بعدها مرضت عن رضا، واستسلمت لبقايا العجز الذى تخللها دون إِذن، واستوطن جسدها الرقيق قبل أن يطرق على قلبها مُعلناً المَجىء! 
وكَبُرت بالفعل سعاد تلك الصغيرة التى ظلت أُنثى فى طى المجهول لم يعرفها الموت، ولا يُسمَع لها صوت، غير أنها تُجيد الصبر، وينتفضُ قلبها بشدة كلما سمعت طرقاً ينبعث من باب المنزل وكأنها لا تفتأ تنتظر أباها!

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة