ثلاثة شعراء
الأيام الجميلة بين ثلاثة شعراء
الأحد، 31 مايو 2026 - 12:08 م
السمّاح عبدالله
إذا قال لك واحد من الناس إن أجمل الأيام ولّت، إنما هو يقفل فى وجهك باب الأمل، ويجعلك تجلس مهموما طوال الوقت، لأنك ستكون أسير النوستالجيا عاطفيا وأدبيا وماديا، أما إذا قال لك إن أجمل الأيام هى تلك التى نعيشها، فهو يضحك عليك، فأنت تعرف أن الصحة فى النازل، وأن الأسعار فى الطالع، وأن النسوة البهيات اللواتى يعجبن بشعرك لا يبصرنك أصلا، لكنك ستغدو سعيدا جدا إذا قال لك إن أجمل الأيام قادمة لا ريب فيها، فهو بذلك يفتح أمامك باب الأمل على مصراعيه، رغم أنك عارف أن ذلك من قبيل التمنى أكثر من كونه واقعا ملموسا، فنحن فى حقيقة الأمر، نحب من يداعب أحلامنا، كل هذا جائز فيما يتعلق بالمنطق، أما على مستوى الشعر، فالأمر مربك بعض الشيء، لأن الشاعر البارع يستطيع أن يقبض على صورة شعرية مدهشة، تجعلك تنسى المنطق أصلا، وتصبح أسيرا لتصاويره الفاتنة.
الشاعر التركى ناظم حكمت، شاعر مستقبلى بطبعه، والستون عاما التى هى حصته المصروفة له فى الحياة الدنيا، عاش غالبيتها مسجونا ومعذبا ومنفيا خارج بلاده، حتى أنهم أسقطوا عنه الجنسية التركية بتهمة اعتناقه الشيوعية، ولم يصح ضميرهم إلا بعد قرابة نصف القرن من رحيله، فقدموا له، أو لاسمه، ما يشبه الاعتذار، وأعادوا له الجنسية التركية، وبالرغم من كل تلك المعاناة التى عاشها، كان يستطيع أن يحلم، ويستطيع أن ينتظر الفرح، فقد كان مؤمنا جدا بالمستقبل، وله قصيدة شهيرة يقول فيها إن أجمل الأيام لم تأت بعد، وأجمل البحار لم نذهب إليها بعد، كان موقنا أن الأشياء الجميلة قادمة، وأننا سنعيشها.
الشاعر نصار عبدالله، بالإضافة إلى أنه شاعر، فهو فيلسوف، درس الفلسفة طالبا، ودرّسها فى المعاهد العلمية أستاذا، واستند إليها فى رؤيته الشعرية للعالم شاعرا، وعندما نظر فى قصيدة ناظم حكمت الشهيرة، لم ينظر إليها كما ينظر إليها الشعراء والقراء، وإنما كما ينظر إليها الفلاسفة الذين يكتبون الشعر، والحقيقة أن الفلاسفة الذين يكتبون الشعر، ورثوا عن جدهم البعيد أبو العلاء المعرى مخالفته للسائد، تماما كما يفعل محمد عفيفى مطر وحسن طلب، وناقش القصيدة بمنطق الفلاسفة لا بوجدان الشعراء، وإذا كان ناظم حكمت شاعر مستقبلي، فإن نصار عبد الله ابن الثقافة العربية، ماضوى بامتياز، لذلك شمر عن أكمامه الشعرية، وكتب قصيدة يرد فيها على ناظم حكمت، وبقول له إن أجمل الأيام عشناها فلا تحلم بأيام سواها.
ترى أين هى الأيام الجميلة؟
شغلنى جدا هذا السؤال، وبدأت رحلة البحث.
فلسفيا يكاد يجمع المفكرون على أن الأيام الجميلة فى مخيلتنا فقط، لم تكن موجودة أبدا، ولن تكون، هى شيء كأنه الخاطر، إذ أنه لم يحدث أن وقع توافق بين الفضيلة واللذة، ولم يصل الإنسان بعد لمرحلة الانسجام النفسى والرضا التام، والحقيقة أن الكمال الروحى سيظل مجرد هاجس فى خيال الكتاب، وحلما فى وجدان الناس، شعريا، تمثل النوستالجيا، لدينا نحن الشعراء العرب، بوابة أخاذة لخطفة الروح، فقط لأن الماضى أصبح ماضيا، ولو انه كان حاضرا، لما أحببناه، بل إن هذه اللحظة التى أكتب فيها الآن، ستكون فى قادم الأيام ماضيا، وربما استرجعتها بكثير من الأسى، وأنا أتساءل:
يا لها من أيام.
والحقيقة أن القدرة على الاستمتاع بالقدر المتاح مما نملكه قد يجعلنا سعداء، هذه الفكرة التى توصلت إليها، كانت هى مدخلى لكتابة قصيدتى عن الأيام الجميلة، والتى حاولت فيها أن أطرح فكرة إضافية لفكرة ناظم حكمت المستقبلية، وفكرة نصار عبد الله الماضوية، ومن هنا جاءت قصيدتى (ناظم حكمت) التى ضمها ديوانى السادس (الواحدون) الصادر عام 1998.
فى بيت الشعر كانت لنا أيام جميلة، فى أحد هذه الأيام، أثرت هذه القضية، فاقترح الزملاء أن أقرأ القصائد الثلاث لنرى أيها أذكى جمالا، فقرأت القصائد الثلاث، والأستاذ أحمد عبد المعطى حجازى انحاز لقصيدة نصار عبد الله، وانحاز لها كثير من أمناء بيت الشعر، لكن الشاعر سيد حجاب، طلب أن أعيد قراءة قصيدتى مرة أخرى قبل أن يصدر حكمه، وأنا وجدتها فرصة لأجود أكثر فى الإلقاء لعلهم ينصفوننى وينصفون قصيدتي، لكن المفاجأة التى لم تكن تخطر على بالي، أننى أنا نفسى اقتنعت تماما بأن قصيدة نصار عبد الله هى الأجمل.
فى قصيدة ناظم حكمت، ثمة مباشرة وتقريرية تقتضيهما فكرة النص البسيطة، التى اكتفى الشاعر بطرحها وحدها دون أى إضافات لاستكمال فكرته، وقد جاءت وكأنها أقرب للمقولة أو المثل، مكثفة جدا، لكنها ذات هدف شديد الوضوح، أما قصيدة نصار عبد الله، فقد امتاحت من المخزون المعرفى للشاعر، وازدحمت بكثير من الأسى إلى الحد الذى يجعله يصرح بأن أجمل الأيام عشناها ويعقب قائلا: إننى أقصد متناها، والقصيدة تكتسب منذ سطورها الأولى أرضا محروثة فى وجدان القاريء، تجعلها تتسرب إلى وجدانه شيئا فشيئا، حتى تأخذ عليه لبه.
والآن، أتركك عزيزى القاريء مع القصائد الثلاث، لعلك بعد قراءتها تنصفنى وتنصف قصيدتي، أو لعلك تتفق معى على أن قصيدة نصار عبد الله هى القصيدة الأجمل.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










زاد
الحبُ
ناظم حكمت
تأملات أخرى عن أجمل الأيام إلى ناظم حكمت
أجمل الأيام
غرفة الأرملة الصغيرة
أُنثى فى طى المَجهول
أول وطن
عن التى صعدت لأعلى من الطابق السادس