تكريس الذاكرة
تكريس الذاكرة


يد من رمال: تكريس الذاكرة وحمايتها!

أخبار الأدب

الأحد، 31 مايو 2026 - 12:41 م

د. منير الحايك

يقول إدوارد سعيد «تشكِّل القصص جوهر ما يقوله المستكشفون والروائيون عن مناطق غريبة من العالم، كما تصبح الوسيلة التى تستخدمها الشعوب المستعمَرة لتأكيد هويتها ووجود تاريخها الخاص» وحول السردية الفلسطينية بشكل خاص يؤكد فيصل درّاج أنّ «الرواية الفلسطينية هي، فى أحد وجوهها، استعادة لذاكرة مسلوبة»، وبين تأكيد الهوية والوجود التاريخى واستعادة الذاكرة المسلوبة، تظلّ الرواية حول فلسطين، وحول أحداث تناولتها النصوص الأدبية والأعمال الفنية والدراسات التاريخية والاجتماعية والسياسة، بالظهور مرارًا وتكرارًا، فما الجديد الذى ستحمله هذه النصوص الأدبية إن هى استعادت أحداثًا من السردية، المستمرة، وتخيّلت وصاغت وألّفت وحاولت التكثيف أو التفصيل، أو الترميز أو التصريح؟ من هنا أدخل إلى رواية محمد سعيد احجيوج «يد من رمال» (دار العين 2026)، التى يستعيد فيها حدثًا من أقسى ما اختزنته تلك السردية خلال تاريخها وأبشعها.
يعود احجيوج إلى قصة الفتاة الفلسطينية البدوية من صحراء النقب، التى اغتصبها مجموعة من الجنود وقصوا شعرها، ثمّ قتلوها ودفنوها بالرمال بعد ثلاثة أيام من التناوب على إذلالها وتعذيبها واغتصابها، تلك القصة التى انتشرت وتناولتها أعمال فنية ومحطات تلفزة وجرائد، ووسائل تواصل وغيرها، وفى السنوات الأخيرة أعيد إحياء القصة مع رواية «تفصيل ثانوي» لعدنية شبلي، وقصة الجائزة التى حجبت عنها إبان حرب غزة الأخيرة، فلماذا يعود الكاتب إلى القصة نفسها! وما الجديد الذى قدمه فى روايته القصيرة هذه.
هى قصة «موشيه» اليهودى «الإسرائيلي»، الضابط الذى تلاحقه صورة الفتاة بعد أكثر من ثلاثين عامًا على موافقته ومشاركته فى اغتصابها وتعذيبها، من ثمّ قتلها برصاصة من مسدسه، وبعدما قضى 15 عامًا فى السجن نتيجة افتضاح أمر ما قام وجنوده به. قصة اليهودى الذى تلاحقه اليد التى امتدّت إليه من الرمال، الرمال القادمة من النقب، حيث ظنّ، أنه دفن الفتاة وقصتها. يعيش موشيه المدرّب فى النادى الرياضيّ صراعًا نفسيًّا وبؤسًا يوميًّا من جرّاء ظهور الفتاة الدائم له، والحوارات التى تجرى بينه وبينها، وبينه وبين نفسه حول إيمانه ومبادئه التى قام بتلك الفعلة من أجلها، حيث كان الصراع عام 1949 صراع وجود وما زال، وها هو فى بداية ثمانينيات القرن نفسه، يعتبر أن ما قام بيغين بعد تسليم صحراء سيناء، خيانة عظمى لمبادئ نشوء الدولة التى ضحى بحياته وخاطر عندما سمّم عبد الناصر، كما تدّعى الرواية، بحياته وبكل ما يملك.
كثيرة هى الحوارات التى طرحت قضايا فكرية وسياسية وإنسانية صعبة وشائكة، ولكنها كانت كأنها مونولوج داخلى يجريه موشيه المريض، نفسيًّا وفكريًّا، فى محاولة من الرواية لتجعله يحاسب نفسه بنفسه، وأن تعيد جزءًا من إنسانيته قبل مماته علّه يعى أن «وعد أرض بلا شعب لشعب بلا أرض كان دائمًا وهمًا، مجرد أكذوبة كبرى؛ لأنّ الأرض كانت مأهولة منذ الأزل/ والأرض كان يمكن أن تسع الجميع لو القلوب اتّسعت» (ص90)، وهنا تأكيد المؤكّد، ولكن لدى المتلقى العربي، واحجيوج، ولأنه يعرف كمّ الأكاذيب التى تجتاح الإعلام على مختلف أدواته من جهة، ولأنه يتوقّع ترجمة لروايته لتصل إلى المتلقى الغربى من جهة أخرى، يأتى المؤكّد الذى أعاد سرده، ليكون بالإضافة إلى ما قاله درّاج حول إحياء الذاكرة المسلوبة، ليحيى الذاكرة وليحمى الحاضر المستلَب يومًا بعد يوم أمام مرأى الجميع فى هذا العالم.
العاصفة التى هبّت على تل أبيب فى ذلك العام، وملاحقة بيغن بغية قتله من قبل موشيه، واليد، التى كانت أيادى آلاف ومئات آلاف من الضحايا، كلها رموز أدت وظائف مختلفة قدمها الكاتب فى حياكة نصّه أثناء استعادة هذا الحدث، المعروف، ولكنه، عندما أسمعنا صوت القاتل، وجعله يحاسب نفسه بنفسه، وإن لم يصل إلى نتيجة نتوخّاها، نحن المتلقين العرب، المؤمنين بضرورة الحفاظ على السردية وضرورة الاستمرار فى مقاومة التزييف المستمر، إلا أنها كانت ضرورة، للتجربة الروائية العربية، لأنّ تبقى السردية فى مواجهة التزييف المستمر، وكانت ضرورة لكى تبقى السردية حية، تحيى ما بات تحت الرمال، وتستمر فى «الحكي» عن الحاضر والماضى القريب، لأنها بذلك تضمن أن المستقبل سيبقى القضية حية ما استطاع.
الرواية قصيرة، وهى استمرار لتجربة احجيوج وقراره بأن يقدم نصوصًا مكثّفة إلى هذه الدرجة، أحداثها، وهنا المفاجئ، لم تكن كما عوّدنا فى نصوص كثيرة من قبل، فيها من الغرائبى والتشابك الكثير، بل جاء السرد فيها متماشيًا مع الزمان والمكان والشخصيات والأحداث بشكل سلس وغير مثقل بألاعيب اعتدناها من الكاتب، وهو أمر كان مقصودًا ومحسوبًا، فكلّ ما قدمته الرواية كان لغاية واحدة، وتكرار استعادة هذا الحدث من أحداث السردية كان للغاية نفسها، وهى أن القضية، والسردية، بحسب إدوارد سعيد وفصيل دراج وغيرهم من حملة الهمّ نفسه، هو تأكيد للهوية والانتماء والحقّ، وتأكيد لتكريس الذاكرة وحمايتها، والأهم من كلّ ذلك، أنك تقرأ لكاتب مغربي، رواية صدرت عن دار مصرية، عن السردية الفلسطينية، عندها تقول، لا خوف على السردية وعلى القضية وعلى الحقّ السليب.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة