سمكة وحيدة
سمكة وحيدة


صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم

أخبار الأدب

الأحد، 31 مايو 2026 - 12:44 م

زهير كريم

كلما كتبتُ كلمةَ نجاةٍ، ظهرتْ كلمةُ خسارةٍ.
فى كتابها الشعرى الجديد «صورة مع غرباء من العائلة»، تضعنا فدوى زيانى فى منطقةٍ واسعةٍ من اغترابٍ وجوديّ، أساسه عدم الفهم أمام غموض العالم، اذْ تتضخم الأزمة التى يخلقها السؤال لتصير علامة بشرية تدل على نقصان الفرد، حقيقته المؤلمة. نصوص الكتاب جميعها  تنقلنا إلى حالة من الضراوة فى الصراع تتصف بها التجربة الإنسانية، والقارئ هنا  سيكون شريكًا وشاهدًا على هزيمة اللغة فى تفكيك الالتباسات، خائبًا بسبب إخفاقها فى تحقيق المعنى، ومتفرجًا  فى الوقت  ذاته على الزيف فى الحلبة، والذى يبدو الصراع فيها وكأنه اشتباكٌ حقيقيٌّ ينطوى على شروطٍ جلية، لكن المشهد فى الحقيقة يفتقد فى عمقه إلى الجدية، خال تقريبا من الصورة الأخلاقية التى يمكننا وصفها بالمغامرة التى يرافقها نظام واضح. فالتجربة الإنسانية كما تبدو فى تأملات فدوى زيانى مغلقة على دائرة من الانكسارات، وبنية اللغة فى النصوص خالية من اللطف، من أية استعارة تشير إلى  تلك الموهبة فى العطف أو العبقرية فى المواساة التى  تحلم أن يمنحها الوجود لنا. لنبدو أقرب إلى الطمأنينة فى حياتنا وأبعد من الاشتباك مع القصص المضنية. فاللغة  بشكل عام وحسب تعبير رولان بارت سلطة تشريعية لأنها تفرض تصنيفات وقوانين تتضمن قهرًا غير مرئي. لكن نصوص «صورة مع غرباء من العائلة» اتجهت لمسار آخر فى استعمال هذه السلطة، فهى تنطوى على محاولة لتفكيك العالم والذات، فخرجت النصوص من تلك النبرة المهيمنة، إلى حالة من الفتور أو التخلى عن السلطة يوصفها خطابا متعاليا، أنها لغة فيها هشاشة، وشعور بالنقصان.
«هكذا كل ليلة / حتى اللية الأخيرة / الرجل الحزين للغاية / مات مبتسما / كانت عظامه خفيفة / لكن روحه تصاعدت قبله كانجراف طيني.»
ونصوص الكتاب كلها تقريبًا فيها تأملٌ فى الوجود بوصفه تجربةً أو اختبارًا صعبًا، أو سلسلةً من الظواهر العرضية التى تخطف بسرعة دون أن تمنحنا معنىً محددًا أو غايةً، تجربة نذهب إليها بدون علاماتٍ إرشادية، الطريق ملتَوٍ ومليءٌ بالفخاخ. إننا نتعرض لغدر اللغة كذلك، نقع فى التأويل الذى يبعدنا عن الطمأنينة، فنفشل دائمًا فى الحصول على فرصة لاستنطاق العالم الذى يواجهنا دائما بصمته. بينما الكتابة ذاتها تتحول  الى رحلة فى الظلام من أجل العثور على كلمة سقطت ولو سهوا من فم  صامت
«كلما ظننتُ أننا جزءٌ من معجزة/ تصدعت الجرار التى ملأتها/ واحدةٌ تنجو وتنكسر أخرياتٌ على جدار التأويل».
ويترسخ هذا التصور بالعرض غير المثالى للوجود، فى القسم الأول «شجرة يا رب»، نصوصٌ تذهب مباشرةً إلى جوهر الجرح الإنسانى الذى سببه الهبوط من الأعلى، وما رافقه من حنينٍ دائمٍ إلى الفردوس المفقود، نصوص فيها مرافعةٌ من أجل فهم حدودنا فى هذه الحلبة التى لا نعرف فيها طبائع الخصوم، والتى لم نخترها، بل لم تكن فى دائرة مناجاتنا. إنها فى النهاية  نصوص عن الخيبة، فى عرض يظهر فيه الأبطال على رؤوسهم تيجان مزيفة، اللاعبون والمتفرجون يحملون معًا فورةَ الانتصار وطعمَ الخسارة فى الوقت ذاته،  فى مشهد قاسٍ يجرى فى الظلام.
«كان قطعةً من ظلام/ أو قسوة./ كنتَ ترحل/ وكنتُ أتفوه بكلمةٍ واحدة: شجرة».
وتحضر الذات الأنثوية (الشجرة) بوصفها المنطقة الأكثر هشاشة فى هذا العرض، تتكاثف لديها غيوم اللافهم من السقوط والقيام، من رفع اليد وطأطأة الوجه، لهذا يرتفع أحيانا صوت الذات التى ترفض هذا الزيف، فى نداءٍ لاستبداله بعرضٍ آخر أكثر وضوحًا ونزاهة، فى نص عن الهجران تطالب الذات بمساحة أقل هجرانًا، تحضر فيها بعض الطمأنينة بدل الفقد. نص فيه إدانةٌ ومرافعةٌ فى الوقت ذاته، فما دام المؤثث لهذا العرض لا يبدو جادًا أو نزيهًا أو عادلًا، وهو المسؤول عن العرض، فمن حق الذات المهجورة أن تسأله استبدالَ الهجران بمساحة أفضل، أن تُظهر الشجرة كنوزها، وتحقق معناها بازدهارها، إنه نداء عبر اللغة، فيه نوع من التمزق، أو عملية محو للذات، لكنه نداء من اجل ولادة جديدة
«يا رب/ اجعلنى شجرة/ لا أريد أن أكون مرةً أخرى/ المرأةَ التى هُجرت».
فى القسم الثانى «ثم جاء الإنسان»، تنقبض النصوص على العام، على جوهر السؤال الإنساني: الحياة والموت، القلق من فكرة العدم، الحظ وسوء الحظ، عن العرض التراجيدى الذى لا ينفتح على بهجة وهمية إلا من أجل انغلاقه على طريقٍ طويلٍ من النسيان. نصوصٌ تنطوى على سيرة الكائن المضطربة التى قادته إلى حالة الانفصال بدل الاجتماع والتآلف، وهما العلامتان الأشد وضوحًا على قلق التجربة الإنسانية فى النصوص. فظهرت ضربة الوجود المفاجئة أحيانًا غير شرعية، غير متفقٍ عليها، خارج الشروط التى وضعناها نحن البشر صورةً للعيش. إنها الصورة التى طالما منحتنا الشعور بالخيبة، بدون مكافآت، بل انتصاراتٍ صغيرةٍ ترفع الحجب بسرعة لتظهر البشاعة والعنف حتى فى اللغة، فالنصوص خطوات على حافةِ الهاوية، كل نص هو محاولة لتفادى السقوط، وهو تشييد للجملة الشعرية  التى تمتزج فيها الرغبةِ فى  العيش بالسعى إلى التلاشي.
«ونحن نأكل بعضنا/ ونصنع بعضنا كل ليلة، وننزف بعضنا كل ليلة/ ونجهل لنا آلهةً فى السماء وفى الأرض/ ونلهو بإعادة خلقنا حتى غدت جلودنا شفافةً وبلورية/ وتقطرت الدماء من أوردتنا، قطرةً تكسر قطرة».
لكن القلق الذى يظهر جليًا فى لغة الكتاب، ليس تعبيرًا عن اليأس أو المعاناة فى بعض مواضعه، بل هو، حسب تعبير كيركغارد، ضرورةٌ وجوديةٌ وإبداعية، وعندما يتعلق الأمر بالكتابة هو تحريضٌ يجعلنا فى تنقلٍ دائمٍ من حالة الغفلة إلى حالة البحث عن المعنى، وهو انعكاسٌ كذلك للتوتر الأبدى بين الفناء واللانهاية، بين الحرية والمسؤولية. ولعل أعمق صور للقلق تظهر فى قصة الخطيئة الأولى، وتتجلى هنا، فى نصوص القسم الثانى من الكتاب الشعري، فالحكاية كلها  تدور عن الندم، عن الفقدان، أو المكان الفردوسى الذى تحول إلى أثر لجرح:
«بوجهٍ تصدعت السنوات على جبينه/ عاد بضميرٍ لم ينجُ من ندمه/ بعينين يائستين ولسانٍ مرّ/ بشفتين متصلبتين كأثر جرحٍ قديم».
وفى نصوص القسم الثالث، وهو استعادةٌ للعنوان مرةً أخرى، فى محاولةٍ لتفكيك الصورة العائلية بوصفها المختبر الذى  ينبغى فيه فضّ الاشتباك بين الذات والآخر، وفيه محاولةٍ لإعادة ترتيبٍ تدريجيٍّ للحكاية كلها، حكاية الفرد الممحو داخل الاجتماع، حكاية الرغبة أمام التعقل، حكاية النفور أمام التآلف، رؤية الوجه فى المرآة مقابل التجمهر، أو العزلة بوصفها حريةً أمام الذوبان فى الكادر، وأيضًا القمع العائلى أمام دهشة المعرفة، او كما يعبر هايدجر عن القلق الوجودى بوصفه لحظة تصبح عندها الأشياء والأشخاص بلا معنى، تنهار التفاعلات اليومية العادية، ويجعل الإنسان فى مواجهة «اللاشيء».
«كان أعزلَ عندما رأى تمثالين فى الشارع يتبادلان قبلةً ساخنة/ أعادته يدٌ غريبةٌ محمولًا إلى البيت/ لم يقتله شيء/ وحدها رعشة الحب كادت أن تقتله».
والقسم العائلى من الكتاب ينطوى على أسئلةٌ متأخرةٌ ربما عن العلاقة بين الفرد بوصفه كيانًا مستقلًا، أو ذاتًا محكومةً بحريتها المفقودة، يواجه تجربة النفى عن ذاته وعن الآخر، وبين وجوده الإجبارى داخل صورتين وليست واحدة؛ الأولى هى لقطةٌ له فى تجمهرٍ كبيرٍ هو العالم، يبدو فيها غير مرئي، وأخرى داخل اجتماعٍ أصغر هو العائلة، ويظهر فيها ذائبًا، صورته لا يمكن الاستدلال عليها إلا فى انعكاسها فى صور الآخرين، ولا يمكن فتح نافذةٍ على ملامحها إلا من خلال الكلمات التى لا تحصل على التقدير الكافي. إنها حكاية الكتابة داخل هذا المختبر الكبير، والذى يعرض كلمةَ خسارةٍ كبيرةً ولامعة. الحب أحد تجليات هذا اللمعان، والكتابة شاهدٌ عليها، الشعر خاصةً وهو يقدم مرافعته التى تنطوى على سؤال العدالة والرغبة والحرية، وايضا سؤال الأنوثة، هُوِيَّةً بيولوجية وتَجْرِبة وُجودية مُركَّبة. او عِبئا يتعلق بالحُرِّيةِ والمَعنى.
«أخبرهم عن أمومة الشعر التى لا تنقطع/ فيسخرون من نصوصي/ ستمضى النهارات وأمضي/ لعلهم يدركون كيف يجعلك الشعر مهووسًا بالألم».
وتبقى فكرة الاغتراب هى الأكثر حضورًا لدى الذات الشاعرة فى النصوص، فهى تعرض علينا حالةً من الشعور بعدم الفهم، وعدم القدرة على التواصل، والذى يقود إلى عزلةٍ أساسها غياب المعنى فى الحب والاجتماع. إنها حالةٍ من العدمية، من علاماتها التمرد أحيانًا على كل الشروط المتعالية، أو الانكفاء فى حالاتٍ أخرى، هروبًا من المواجهة، وشعورًا دائما باللا جدوى.
«فى سنِ كان الأجدر بى أن أكونَ خفيفةً كجناح/ أنجبتُ سريعا مثل أنثى فيل إفريقي/ كلما لمحتُ فوهة بندقية فى الأفق/  استعجلت النسل خوفا من انقطاع الأثر».
 وعلى الرغم  من هذا الاغتراب  لا تظهر الذات الشاعرة فى بعض النصوص  داخل دائرة اليأس، ألبير كامو يصف هذا الاغتراب بأنه نتاج «اللامعقول»، وهو الصدام بين بحث الإنسان عن المعنى وصمت الكون، أما كيركغارد (الوجودى الدنماركي) فيربطه بانفصال الإنسان عن أصله الإلهي، وهو يشير بشكلٍ واضحٍ إلى حكاية الخليقة، والتى ظهرت فى نصوص هذا الكتاب فى مناطق عديدة. لكن سمة القسم الثالث فى هذا الكتاب هى انفراده لإدانة أو تفكيك التجربة الذاتية، فكانت النسيجة الفنية أكثر التصاقًا بأسئلةٍ تتعلق بسيرة الغريب فى عائلة. كائن لم يشعر بالألفة، إنها صورةٌ له بين آخرين: الأب والأم والإخوة، تنطوى على أحلامٍ مجهضة، وعلى الندم فى تجارب الحب، على الرغبة والخسران والهزائم، على الطفولة المحطمة، البحث عن الحب وتكراره دون الوصول إلى جوهرٍ يجيب على السؤال، وعلى الحذر من كل خطوةٍ، السلوك الناتج عن سوء الظن بالعالم بعد صمت العالم أمام الأسئلة. لكن القراءة بوصفها ممارسة تتأثر وتؤثر أيضا فى النص، تستقبل كل الهواجس فيه، ليس استهلاكا له بل الدخول معه  حسب  تعبير  (رولان بارت) حالة من «الضياع» إذْ تذوب الذات القارئة فى  كشوفاته، إنها المتعة، أو لحظة النعيم. نعيم القارئ.
«كلنا مصابيح فى شارع طويل/ تحت المطر الغزير/ نحترق ولا ننطفئ».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة