سى دى هات المواطن
سى دى هات المواطن


سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل

أخبار الأدب

الأحد، 31 مايو 2026 - 12:45 م

محمد جمال المغربى

قد يجد القارئ لقصص الكاتب «ممدوح عبد الستار» نفسه واقفاً أمام عتباتها متأملاً ولا يستطيع أن يعطى قراءة تحليلية دقيقة لمرتكزات نصوصها من الوهلة الأولى. لكى تعرف مغزى نصوصه ومراده والمعانى المسكوت عنها عليك معاودة قراءة النص لأكثر من مرة، فالنص الواحد يحتمل أكثر من تأويل.
«سى دى هات المواطن» مجموعة قصصية (دار زمكان) غارقة فى المشاهد القصيرة والمكثفة، والتى سعى فيها الكاتب إلى سردنة الواقع بطريقة غرائبية تجنح إلى الفنتازيا فى كثير من المقاطع ورغم غرابة أحداث القصص فإنها لا تخلو من الصدمة المدهشة التى تجعلك تعاود قراءة النص مرة أخرى باحثاً عن معانٍ قد تكون فقدتها أثناء قراءة النص الأولية.
المجموعة القصصية «سى دى هات المواطن» والتى تخلو من أية قصة تحمل هذا العنوان ولعلَّ مراد الكاتب منه الإشارة إلى فكرة التفكيك والتشرذم لحال المواطن الذى تدور حوله أحداث المجموعة القصصية.
قصة انتظار
فى هذه القصة يتحدث الكاتب عن النفس البشرية المكبلة التى تسعى للعيش بحرية وللخلاص من القيود والتحرر من تلصص وتجسس الآخرين عليها. ولهذه القصة أكثر من تأويل فالنظر إلى عورة الجسد يحمل رمزية الخطيئة التى دوما تستسلم لها النفس البشرية.
كلما خلع بطل القصة ملابسه وألقاها على الأرض ليبقى جسده عارياً هاجمته عيون المتلصصين لتكشف سوآته وهنا إشارة لإصرار البشر على الوقوع فى الخطيئة.
تعددت أصناف المتلصصين العاشقين لهذا الجسد المثير ما بين بنتين تحرشتا به وتنازعتا عليه وهنا الرمزية قد تكون لفكرة التواصل الجسدى أو فكرة البحث عن المعرفة الجسدية قبيل البلوغ.
لم يسلم بطل القصة من شرور المتلصصين حتى من أصدقائه وبعض الناس من ذوى الشهامة العاشقين لهذا الجسد؛ وهنا إشارة لإصابته بالعين الحاسدة من أقرب المقربين له.
لا ملاذ من خطر المتلصصين سوى على شاطئ البحر حيث يظل البطل عارياً بحرية، وشاطئ البحر هنا رمز الزحام والانشغال بهموم وأعباء نفسك حيث لا وقت للتلصص ولتأكيد ذلك كرر جملة «يظل يدور عاريا لا يزعجه أحد» مرتين فى نفس المقطع .
يختتم القصة بمرض البطل الشديد بالجرب وحكه لجلده حتى ظهرت عظامه ومات وفاحت رائحته وأشعلوا النار فى غرفته. بعدها فعلوا مثله وأصبحوا عرايا بأجسادهم التى تنتظر النار،  وهنا النار ترمز للتطهر والخلاص من الخطيئة.
قصة لم يكتبها الكاتب
القصة تحكى عن كاتب كبير مشهور مات وعقب إعلان وفاته فى وسائل الإعلام ذهبت مديرة أعماله لزيارة بيته وتسليم ابنه صندوقاً خاصاً بوالده مربوطاً بشريط أسود؛ مدَّ «أحمد» يديه بالصندوق لأمه التى هرولت إلى غرفتها باحثة عن شريط مسجل بنغمات راقصة وبدأت ترقص على نغماته بجنون، وطلبت من ابنها أن يرقص معها فوافقها على استحياء، فلم يكن يراها فى هذه الحالة أبداً.
هنا رمز الكاتب بالشريط المسجل عن شريط الحياة الزوجية الذى مرَّ سريعاً مع زوجته التافهة والتى لم يكن يهمها فى هذه الحياة سوى العيش فى حياة مترفة فقط.
احتفظ «أحمد» بالصندوق أربعين يوماً لكى يفتحه، وقبل أن يفتحه سأل أمه هل كان أبوه غنياً فأجابته بالإيجاب، وبشرته بأنه سيحصل أخيراً على تعويض عن حرمانه طوال حياته وعندما فتحه وجد به قلادة ذهبية ذات بريق اتضح أنها وسام العلوم والآداب ابتسم بسخرية تحمل شكاً فى ضياع أحلامه فى إرث أبيه الذى بات على المحك فأفرغ ما فى الصندوق بعصبية ليجد به رسالة. فكر فى أن يمزقها غيظاً لكنه فتحها فى النهاية ليجد فحواها (أحمد اعلم أنى تبرعت بمالى كاملاً؛ أنت الآن وحدك لا تملك غير نفسك كن صادقاً معها واخرج عن إطارك الذى صنعه لك الناس ولا تجعل سلطةً ما تحجبك عن ذاتك، أنت الآن سيد نفسك) وهنا الرسالة التى أراد الكاتب «ممدوح عبد الستار» إيصالها لقرائه: أن المال وسيلة وليست غاية وأن الغاية هى العلم وأن كينونة الإنسان تبرز فى شخصيته هو وليس كونه ابن الكاتب الكبير والسلطة التى حذره منها هى تحكم أمه الجاهلة بقيمة العلم والأدب فيه.
استخدم الكاتب فى ثنايا سرده بعض الكلمات التى تعمد أن يرمز بها بمعان أخرى فالصندوق هو الدنيا التى عاش فيها الكاتب ينشر علمه وما به من جوائز هو حصاد ثروته الحقيقية التى تركها إرثاً لابنه لا يقدر بثمن لكنه استهزأ بها، خاصة عندما قرأ الرسالة وهى وصية أبيه له. كذلك رقص الزوجة وابنها رمز للترف ورغد العيش فهو ممتع ومريح لكن متعته تزول سريعا مثل الرقص حين ينتهى يشعر الإنسان بالتعب والإجهاد بعده.
صاحبى
قصة صاحبى بطلها طفل طموح يسعى لمنافسة زملائه فى مباريات ومسابقات المدرسة. يتعرض الطفل الذى يلازمه صاحبه أينما ذهب للتهكم وللتشكيك فى قدراته من طفل آخر يتابعه هو وصاحبه أيضا. تراوده حالة من الشك وعدم الثقة فى نفسه يزكيها عدم اختيار المدرس له ضمن أعضاء الفريق والذى خسر المباراة فيتساءل: (ماذا لو أعطانى المدرس فرصة اللعب؟) فقد يعوض هزيمة زملائه وبينما هو يمتلك دوافع الفوز ويستعد للفوز بالمركز الأول، يشعر بأن صاحبه يضيق عليه ويحاول تأخيره للوراء فيتذمر من سلوكياته معه. لكنه يتذكر أنه صاحبه الملازم له الذى لم يتركه قط حتى بعد أن انتهى اليوم الرياضى خرج معه متأبطاً بصحبة أمه العجوز وهو يسأله متى ستبعد عني؟ فلا يجد رداَ لأن صاحبه «كرسى متحرك»، وهنا كانت الصدمة.
القصة تراجيدية ومؤثرة تجاه الطفل العاجز الذى يمتلك الطموح لكنه يعانى من التكبيل وعدم الثقة. القصة تحتمل أكثر من تأويل أراد الكاتب ممدوح عبد الستار من القارئ إخراج المسكوت عنه بنفسه فى ثناياها. فالطفل العاجز من ذى الهمم حقيقة موجودة. لكن يجب علينا دمجهم فى المجتمع، وعدم تجاهلهم. فقد يخرج منهم بطل رياضى يحرز ميدالية عالمية لبلده.
استخدم الكاتب «الكرسى المتحرك « كرمز للعجز ووصفه بالصاحب أى الملازم للعاجز، ورغم ضجره من ملاصقته له طيلة الوقت، فإنه وصفه بأنه لا يزال صاحبه فى إشارة من الكاتب أن العجز ليس إعاقة وإنما الإعاقة فى تأخير قرار المشاركة والانخراط مع الأسوياء حيث قال للمدرس (تعلم أن الانتظار يقتل الموهبة).

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة