سيد على اسماعيل
سيد على اسماعيل


د. سيد على: أكتب ما لا يُكتب.. وأنشر ما لم يُنشر

صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»

أخبار الأدب

الأحد، 31 مايو 2026 - 12:51 م

حوار: منى نور

قدم د. سيد على اسماعيل للمكتبة الأكاديمية العديد من الإسهامات النقدية في تاريخ المسرح، مما جعله من أهم النقاد المعاصرين الذين اهتموا بالمسرح وفنونه. 
بدأت اهتماماته البحثية في عالم المسرح عام ١٩٩٦، ليستمر حتى الآن في الكتابة النقدية لتاريخ المسرح، ما بين الكتابة العلمية المطبوعة والكتب النقدية والتوثيقية والمقالات التى تتناول جميع أوجه الكتابة المسرحية في مختلف الحقب الزمنية المتعاقبة، مروراً بالأجيال المسرحية الرائدة حتى العصر الحديث.
من مؤلفاته «تاريخ المسرح في العالم العربي ـ القرن التاسع عشر»، «حافظ نجيب ـ الأديب المحتال»، «محاكمة مسرح يعقوب صنوع»، «جهود القبانى المسرحية فى مصر»، «بداية المسرح التسجيلي فى مصر»، «الرقابة والمسرح المرفوض ١٩٢٣/ ١٩٨٨»، «مسيرة المسرح في مصر ١٩٠٠/ ١٩٣٥»، «أثر التراث العربى فى المسرح المصرى المعاصر». 
اعتبر د. سيد على نفسه حارسًا لفن المسرح ومدافعًا عما يتعرض له من خروج عن أصول وأساسيات هذا الفن وكيفية البحث والدراسة فيه. ومن خلال هذا الحوار نتعرض لبعض القضايا الفنية والبحثية التى أولاها جل اهتمامه فى تأريخ المسرح المصرى والعربى.

منذ أيام أصدرت أحدث مؤلفاتك «بدايات المسرح فى صعيد مصر ١٨٨١/١٩٤٤» هل يُعدّ ذلك باكورة لسلسلة مؤلفات لتأريخ المسرح المصري؟ ولماذا هذه الفترة تحديدًا؟
هذا الكتاب هو استكمال لسلسلة كتب أردت من خلالها تأريخ الحركة المسرحية فى أقاليم مصر، كون «جميع» الكُتب تؤرخ فقط للنشاط المسرحى فى القاهرة والإسكندرية! وقد بدأت هذا المشروع منذ عدة سنوات، وأصدرت كتبًا إلكترونية بأرقام إيداع وأرقام تسجيل دولية، منها: «بدايات المسرح فى بورسعيد»، و«بدايات المسرح فى طنطا»، و«بدايات المسرح فى شبرا»، و«تاريخ مسارح روض الفرج»، وكم أتمنى أن أجد الوقت لأكتب عن «بدايات المسرح فى المنصورة» كونها الإقليم الأكثر نشاطاً فى مجال المسرح تاريخياً. والمُلاحظ أن كل هذه الكتب - وأغلب كتاباتى ودراساتى الأخرى - تدور حول البدايات المسرحية وصولاً إلى عام 1952، أو بداية ظهور مسرح الستينيات، كون أغلب الدارسين والمؤرخين تبدأ كتاباتهم دائماً من مسرح الستينيات، بوصفه بداية التألق المسرحى فى مصر! لذلك اخترت الكتابة فى فترة «ميتة» يصعب على الدارسين الوصول إليها أو الحصول على معلوماتها، ومن هنا كثرت اكتشافاتى كونى أول من اهتم بهذه الفترة من تاريخ المسرح – كماً وكيفاً - بوصفها مشروعاً متكاملاً.

كيف تحول «الرقيب المسرحي» فى وثائقك من أداة قمع ومنع إلى ناقد يوجه أدب الطفل؟ وهل أنقذت الرقابة نصوصاً أهملها مؤلفوها؟
كنت أظن أن الرقابة المسرحية لا تراقب إلا نصوص الكبار من الناحية السياسية والأخلاقية.. إلخ الموانع الرقابية المعروفة، ولكن المفاجأة أننى وجدت نصوصاً مسرحية مكتوبة للأطفال تناولتها الرقابة من أجل الترخيص بتمثيلها، ووجدت تقارير الرقباء تُكتب بصورة نقدية إيجابية من أجل تنشئة الأطفال على الوطنية والأخلاق الحميدة والسلوك الإيجابي.. إلخ ما يفيد أطفالنا من خلال المسرح. وبناء على ذلك كتبت هذا الكتاب من خلال تقارير الرقباء الرسمية المكتوبة حول النصوص المسرحية الخاصة بالأطفال، والتى تم تمثيلها بالفعل، ولكنها لم تُنشر! وعندما تواصلت من بعض مؤلفيها، تفاجأت بأن أغلبهم لا يملكون النصوص كونها نصوصاً مخطوطة لم تُنشر. 

مفارقة غريبة.. كيف يفرط كاتب فى نصه التاريخى بينما تحتفظ به الرقابة؟
لهذا أيقنت من قيمة النصوص التى بين يدى والتى حصلت عليها من الرقابة المسرحية منذ ثلاثين سنة  والتى تبلغ أكثر من ألف نص، وقد أهديتها إلى المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية  وعندما اقترحت على بعض كُتّاب هذه النصوص نشر نصوصهم فى هذا الكتاب.. وافقوا ورحبوا بالفكرة، فخرج الكتاب بصورة نقدية، مع مجموعة نصوص تم إنقاذها من التلف والضياع.

فى احدى مؤلفاتك درست مسرح نجيب الريحاني، 
هل تجربة الريحانى المسرحية تؤسس لمدرسة فى العرض المسرحي؟
هذا مشروع ضخم يحمل عنوان «مسرح نجيب الريحانى .. النشأة والتطور والنصوص المسرحية»، ويقع فى خمسة أجزاء، صدر منه – خلال عامين الجزء الأول فى كتابين فى 700 صفحة، والجزء الثانى فى مجلد 500 صفحة، وباقى ثلاثة أجزاء تحت الطبع ليكتمل المشروع، الذى تبنته «دار مرايا للثقافة الفنون». وهذه الأجزاء تغطى تاريخ الريحانى المسرحى منذ عام 1908 وحتى وفاته عام 1949.. وكل جزء ينقسم إلى قسمين، الأول الدراسة التاريخية النقدية، والثانى النصوص المسرحية المُحققة! وفى كل جزء يتعرف القارئ على أدق التفاصيل لمسيرة الريحانى المسرحية، والتى تكاد تكون مجهولة حيث إنها لم تُنشر من قبل فى أية دراسة أو كتاب صدر عن الريحانى أو عن مسرحه، كونى أعتمد على مصدرين مهمين هما «الوثائق والدوريات»، وذلك وفقاً لمشروعى فى التأريخ ومنهجى فى التوثيق، وكل جزء يضم مجموعة من النصوص المسرحية المخطوطة التى اكتشفتها، وقمت بتحقيقها ودراستها تاريخياً، والتى تصل إلى ثلاثين نصاً مسرحياً، ونُشر منها حتى الآن مسرحيات: أم أحمد، العشرة الطيبة، أنت وبختك، الليالى الملاح، أيام العز، البرنسيسة، ليلة جنان، مملكة الحب، كشكش بك عضو فى البرلمان، أنا وأنت، مصر فى سنة 1929، أموت فى كده، الجنيه المصري، المحفظة يا مدام. وجدير بالذكر أن مسرحية «أنا وأنت» أنتجتها صوتياً عبر «البودكاست» دار «مرايا» ناشرة المشروع.

فى النص المسرحى، ثمة علاقة بين النقد والرقابة. لك دراسة تناولت هذه الإشكالية، فماذا تقول فيها؟
هذه الدراسة عنوانها «النص المسرحى بين النقد والرقابة .. تقارير فادية بغدادى نموذجاً» وقدمتها فى جلسات المهرجان القومى للمسرح المصرى فى الدورة 17 عام 2024. وأبنت فى بدايتها عن غرضى منها، قائلاً: من السهل معرفة أسماء نُقاد مسرح السبعينات أو الثمانينات فى مصر.. ومن السهل أيضاً نقد ما نشروه، لأن أسماء النقاد معروفة، وما كتبوه من نقد منشور ومتاح للجميع، ولكن هناك نُقاد مسرح رسميين وسريين فى مصر.. لا نعرف أسماءهم.. كتبوا نقداً مسرحياً رسمياً وسرياً لم يُنشر مطلقاً، ولم يقرأه أحد! وهذا النقد يُعدّ صادقاً لأن الناقد السرى كتبه بصفة رسمية، وهو يعلم جيداً أن ما سيكتبه من نقد لن يطلع عليه أحد، ولن يُنشر يوماً ما، ولن يحاسبه أحد على ما كتبه إلا فى أضيق الحدود الرسمية والوظيفية.
 أحصيت منهم أكثر من أربعين ناقداً وناقدة طوال عشرين سنة من عام 1968 إلى 1988، وكانوا طوال هذه السنوات يتحكمون فى جميع العروض المسرحية المصرية التى تُعرض على الجماهير، بل ولهم الحق فى التدخل فيما يسمعه الجمهور من حوار أو منعه أو تغييره! والأخطر من ذلك أن لهم الحق فى تغيير أو حذف أو إضافة أحداث للعرض المسرحي، ولا يملك المؤلف – أو المخرج – إلا الرضوخ لأوامرهم! 

هل أفهم من ذلك أن تاريخ المسرح المصرى كُتب بأقلام رقباء مجهولين وليس بصنّاعه؟
هؤلاء النقاد لن نجد أسماءهم منشورة مهما بحثنا عنها فى مجال تاريخ المسرح أو نقده، إلا فى كتاب واحد فقط، هو «الرقابة والمسرح المرفوض» الذى أصدرته عام 1997 .. وهكذا يتضح لنا أن النقاد الرسميين أو السريين هم «رقباء» إدارة الرقابة على المسرحيات، التابعة للإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية، ووصفهم بالرسميين راجع إلى كونهم موظفين حكوميين ونقدهم المسرحى نابع من وظيفتهم الرسمية، أما وصفهم بالسريين فهذا راجع إلى أن أسماءهم غير معروفة، ولا يحق لأى مسرحى معرفة اسم الرقيب الذى يراقب نصه أو بروفة عرضه أو عرضه فى ليلته الأولى، هذا بالإضافة إلى أن نقدهم المكتوب فى تقاريرهم الرسمية الوظيفية لا يُنشر، ولا يُحتفظ به إلا لفترة زمنية محدودة، ويتم التخلص منه بوصفه «دشتاً» أى «أوراق مهملة» ويشاء القدر أن أنقذ مجموعة من أوراق وملفات هذا «الدشت» تتعلق بالمسرحيات التى تناولتها الرقابة من عام 1968 إلى 1988، وكتبت من خلالها كتابى «الرقابة والمسرح المرفوض»، ومجموعة من الدراسات والمقالات حول الرقابة والمسرح، ورغم ذلك فهناك جوانب أخرى لم أتناولها، وهناك الجديد الذى لم أكتبه، ومن هذا الجديد دراستى هذه «النص المسرحى بين النقد والرقابة» متخذًا من تقارير الرقيبة فادية بغدادى نموذجاً للرقيب الموظف الرسمى والسرى.

تناولت فى دراساتك «المسرح فى فلسطين» فى أكثر من موضع، ماذا عن واقع المسرح الفلسطينى قبل النكبة؟
كتبت كثيرًا عن المسرح فى فلسطين، ولكن كتابى الأول «المسرح فى فلسطين قبل النكبة» له مكانة خاصة، فقد أسميته «كتاب العُمر»، وله قصة مفادها: أننى بدأت أنشر فى جريدة «مسرحنا» سلسلة مقالات عن المسرح فى فلسطين، وبعد المقالة الثانية تلقيت مكالمة من مكتب وزير الثقافة الفلسطينى الدكتور عاطف أبو سيف برغبة الوزارة فى نشر مقالاتى فى كتاب، والسبب راجع إلى أنهم لم يجدوا «توثيقاً» أدق مما جاء فى مقالاتي، وأيضاً وجدوا تاريخاً يسمعون عنه من الآباء والأجداد ولكنهم لا يملكون الوثائق الخاصة به، ووجدوا هذا فى مقالاتي.
وبالفعل أصدروا الكتاب فى طبعتين متتاليتين عامى 2021 و2022. وقد وضعت أهدافًا لهذا الكتاب، من أهمها توثيق تاريخ المسرح فى فلسطين؛ كونها دولة عربية لها نشاطها المسرحى الخاص بها، وقد تعاملت معها الفرق المسرحية المصرية الزائرة، كما تعاملت معها بقية دول الشام، حيث إن فلسطين كانت إحدى المحطات الرئيسية لأغلب الفرق المسرحية المصرية التى زارت بلاد الشام، واستطاعت هذه الفرق أن تُسهم بشكل أو بآخر فى ظهور النشاط المسرحى الفلسطيني، وأن تضع بذورًا أنبتت نشاطًا مسرحيًا فلسطينيًا كبيرًا، وهو نشاط ما كنت أتخيل وجوده بهذا الزخم وهذه الكثرة.
ومن أهدافى أيضًا كتابة تاريخ المسرح فى فلسطين قبل النكبة، ليظل هذا التاريخ شاهدًا على وجود دولة طبيعية اسمها فلسطين، عاشت حياة طبيعية قبل أن يُستبدل باسمها اسم آخر، وبشعبها بشعب آخر، وثقافتها بثقافة أخرى، ومسرحها بمسرح آخر .. لا علاقة له بفلسطين.
 فى هذا الكتاب سيطلع القارئ عن تفاصيل النشاط المسرحى داخل فلسطين قبل نكبة 1948. ومن أمثلة هذا النشاط الحديث عن المقاهى المسرحية، والنشاط المسرحى داخل المدارس والأندية والجمعيات، ناهيك عن الفرق المسرحية الفلسطينية، كذلك الفرق المسرحية المصرية التى زارت فلسطين، والتى وصل عددها إلى أكثر من عشرين فرقة، منها: فرقة سلامة حجازى، وفرقة منيرة المهدية، وفرقة رمسيس، وفرقة فاطمة رشدي، وفرقة على الكسار، وفرقة نجيب الريحاني.
كتب وزير الثقافة الفلسطينى تقديماً لهذا الكتاب، قال فيه: «كانت الحياة فى فلسطين عامرة مليئة بالبهجة والمحبة، وكانت المسارح فى فلسطين منتشرة فى المدن من جنوبها إلى شمالها، وخشبات تلك المسارح تزخر بالأعمال الفنية المترجمة والمؤلفة محليًّا. وكان حضور الفرق الفنية العربية إلى فلسطين لتعرض للجمهور الفلسطينى فى القدس ويافا وحيفا وعكا وغيرها من المدن جزءًا من بحث تلك الفرق عن تحقيق ذاتها عربيًّا. الحياة الثقافية فى البلاد التى أراد اللصوص سرقتها وحرمان أهلها منها كانت مزدهرة فى القطاعات كافة، من الإبداع الأدبى من قصة وشعر ورواية إلى المسرح والسينما والموسيقى والصحافة والإذاعة. لم يكن ينقص البلاد إلا الحرية التى سرقها منها الغزاة. 

قلت إن لك مشروعاً عن تأريخ المسرح العربي. ما هى ملامح هذا المشروع وأهم قضاياه؟ والحقبة التاريخية له؟
أنا أكتب ما لا يُكتب.. وأنشر ما لم يُنشر. هذا هو مبدأى فى الكتابة عموماً، وهو المنهج الذى استخدمه فى مشروعى عن تأريخ المسرح العربي، والذى أنتجت فيه أكثر من ستين كتاباً منشوراً حتى الآن فى مصر وفى البلدان العربية. وهذا يعنى أن هذا الإنتاج يُكتب لأول مرة ويُنشر لأول مرة. والسرّ فى ذلك – كما قلت سابقاً – أننى تخصصت فى التأريخ المسرحى منذ البدايات وحتى عام 1952، بحيث إننى أكتب فى المناطق التى أهملها التاريخ والمؤرخون، ولم يكتبوا عنها.
 كذلك ألقى الضوء على أعلام أهملهم التاريخ وضاعت إنجازاتهم، فأقوم بإعادة إحياء تاريخهم وأبرز ما قاموا به. وخير مثال على ذلك محمود مراد الذى نشرت عنه كتاباً أثبت فيه أنه «رائد المسرح المدرسى فى مصر»، وكان أول مندوب فنى للحكومة المصرية فى أوروبا عام 1923، وكتب تقريراً فى ستين صفحة لتطوير المسرح والموسيقى والحياة الفنية المصرية، وظل هذا التقرير مجهولاً لمدة مائة سنة تقريباً، حتى اكتشفته ونشرته فى الكتاب. 
كذلك الحال مع الكُتّاب المسرحيين: إسماعيل عاصم، ومحمد لطفى جمعة، وعباس حافظ، وحافظ نجيب. أما على مستوى المؤسسات فكان لى الحظ بأن أكون مؤرخ المعاهد المسرحية فى العالم العربي، حيث نشرت أربعة كتب أرخت فيها لهذه المعاهد، وهي: «تاريخ معهد فن التمثيل» و«المعهد العالى لفن التمثيل العربي»، و«تاريخ المعهد المسرحى فى الكويت» و«وثائق مركز الدراسات المسرحية فى الكويت».
أنت متهم بـ «اغتيال ريادة يعقوب صنوع» والوقوف ضد الإجماع النقدي.. على ماذا تستند فى هدم مذكراته وتجريده من لقب رائد المسرح المصرى؟
يعقوب صنوع وريادته المسرحية فى مصر، أصبحت إشكالية مصرية وعربية وعالمية، وكتبت عنها دراسات ضخمة ومتنوعة، منها على سبيل المثال كتبى: «محاكمة مسرح يعقوب صنوع» 2001، «مسيرة المسرح فى مصر: الجزء الأول» 2003، «ألبوم أبو نظارة يعقوب صنوع» 2008. وبحوثى: «الجهود المسرحية لليهود العرب» 2014، «نشأة المسرح العربى فى مصر» 2023 ... إلخ، وبعد هذه الكتابات ليس أمام الباحثين إلا طريقين: الأول طريق المتمسكين بريادة صنوع للمسرح دون تفكير أو إعمال للعقل، حيث أثبت فى كتبى وبحوثى عدم وجود أية أدلة واقعية ملموسة موثقة على هذه الريادة، أو على ما جاء فى مذكرات صنوع، لذلك يصدق هذا الصنف من الباحثين مزاعم صنوع دون بحثها أو التفكير فى منطقية حدوثها، رغم إنكارها من قبل المؤرخين والعلماء والمسرحيين ممن لم يذكروا صنوعاً أو ريادته المسرحية، لأنهم لم يعرفوه ولم يسمعوا عنه، والطريق الآخر، هو طريقي.. طريق البحث العلمى الرافض تماماً لإيقاف العقل عن العمل وتصديق كل ما جاء به صنوع فى مذكراته دون دليل، وكفى أننى أثبت أن كل من كتب عن صنوع كان مصدره الوحيد صنوع نفسه فى مذكراته ومقالاته، لأن صنوع كتب بنفسه عن نفسه. وحتى الآن لم ينجح أى باحث فى مخالفتى أو تفنيد نتائجى البحثية طوال ربع قرن.
وبهذه المناسبة سأبوح بسر - سيكون سبقاً لأخبار الأدب – وهو أننى أقوم حالياً بتحضير كتاب حول صنوع، سأعدّه الكتاب الأخير فى هذه القضية، كى أسلمه إلى الأجيال القادمة من الباحثين، سأجمع فى هذا الكتاب «جميع» مذكرات يعقوب صنوع، وسأطلق عليه اسم «مذكرات يعقوب صنوع الكاملة والمجهولة»، كونى وجدت لصنوع مذكرات لم تُنشر من قبل باللغة الفرنسية، وفى تقديمى لهذه المذكرات سأفجر مفاجأة كبيرة اكتشفتها وأشرت إليها فى إحدى دراساتى السابقة إشارة عابرة، ولكن هذه الإشارة العابرة اتضحت وتكاملت عندما قرأت مذكرات صنوع فى صورتها الكاملة، وهذه المفاجأة ستكون آخر احتمال يُمكن قبوله فى حالة تصديق مذكرات صنوع، بوصفه رائداً مسرحيًا.

كان عنوان أطروحتك للحصول على درجة الدكتوراه «أثر التراث العربى فى المسرح المصرى المعاصر» ما أهم النتائج التى توصلت إليها فى بحثك العلمي؟
لم أتوصل إلى نتائج مهمة، بل نتائجى كانت نتائج عادية ومكررة لطالب دكتوراه درس بصورة تقليدية، هذا بالمقارنة بنتائج أعمالى بعد الدكتوراه، فالدكتوراه هى شهادة تقول للباحث: تستطيع أن تبدأ بحوثك بنفسك وباجتهادك دون وصاية أو إشراف من أحد، وهذا بالفعل ما قمت به، فأستاذى ومشرفى المرحوم د. إبراهيم عبد الرحمن محمد أفادنى بنصائحه أكثر من إفادتى بعلمه، فبعد الدكتوراه سألته: أريد أن أكون أستاذاً جامعياً مرموقاً، فقال لي: أكتب فى الجديد دائمًا، ومن هنا رسمت منهجى فى البحث العلمي، بأن أكتب ما لم يُكتب، وأنشر ما لم يُنشر. وفى هذا الصدد أقول: بعض الدكاترة لم يكتبوا بحثًا واحدًا بعد حصولهم على الدكتوراه، والبعض لم يكتب شيئًا بعد حصوله على الأستاذية، بوصفها نهاية الطريق العلمي، أما أنا والحمد لله، فقد نشرت بعد الأستاذية أربعين كتابًا.

يثير الذكاء الاصطناعى حاليًا المخاوف من تأثيرات سلبية على الإبداع.. كيف ترى ذلك على مجال المسرح؟
أنا من الرافضين لما يُسمى «الذكاء الاصطناعي»، لأنه ضد منهجى فى البحث، فإذا كنت أتفاخر بأننى أكتب عن الجديد دائمًا، وهذا الجديد يُعد اكتشافاً بذلت فيه الجهد والتفكير الشديد والعصف الذهنى مع نفسي، حتى أخرج بفكرة جديدة مبتكرة، يا تُرى هل يستطيع الذكاء الاصطناعى فعل هذا والإتيان بالجديد المكتشف تاريخيًا؟ أكيد «لا» لأن الذكاء الاصطناعى معطياته ومعلوماته يأتى مما هو منشور بالفعل، ويقوم هذا الذكاء بتلفيق أو تجميع المعلومات ليخرج بما يناسب الإنسان الذى يطلب منه شيئًا ما.
وفى هذا الصدد يجب أن أعترف بأننى تعاملت مع الذكاء الاصطناعي، وكشفت ألاعيبه عندما رفضت نشر بحث علمى فى إحدى المجلات المُحكمة، عندما اكتشفت أنه مكتوب بالذكاء الاصطناعي، وكنت مُحكماً لهذا البحث، وأيضاً رفضت ترقية أحد الأساتذة – من بلد عربى شقيق – لأننى اكتشفت أن بحوثه كلها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي. هذا من ناحية البحوث العلمية والتأريخ، أما استخدام الذكاء الاصطناعى فى الإبداع فهذا أمر لم أبحث فيه، ولم يُعرض عليّ حتى الآن، وأظن مستقبلاً سيتم تحجيم هذا الذكاء الاصطناعي، وربما يُمنع من الاستخدام لخطورته على التفكير البشري، بل وعلى البشرية جمعاء.

كانت لك تجربة فى إلقاء محاضرات مسرحية فى أوروبا عام 2018، ما طبيعة هذه المهمة، وهل حققت أهدافها؟
كان لى الشرف أن أكون أول مصرى يلقى مجموعة محاضرات حول «المسرح العربى وتاريخه» على طلاب قسم اللغة العربية بمعهد الاستشراق بكلية الآداب جامعة ياجللونسكى بمدينة كراكوف فى بولندا، وذلك بدعوة من الدكتور «سبستيان جادومسكي». بخطاب رسمى جاء فيه: «.. بناء على مكانتك العلمية فى مجال تاريخ المسرح العربى وتوثيقه، تلك المكانة التى وصلت إلى أوروبا، وتحديداً فى بولندا، يسرنا دعوتكم للحضور إلى قسم اللغة العربية وآدابها – معهد الاستشراق بجامعة ياجللونسكى «كراكوف، بولندا» فى الفترة من 6 إلى 12 مايو 2018 لإلقاء مجموعة من المحاضرات العلمية حول تاريخ المسرح العربى ليستفيد منها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس».
 وبالفعل سافرت وألقيت المحاضرة الأولى وكانت بعنوان «كيف نشأ المسرح فى الوطن العربي؟» وكانت مخصصة لطلاب الفرقة الثالثة لأن هذا الموضوع يتناسب مع مستوى تفكيرهم وتمكنهم من اختيار الأطروحات العلمية المطلوبة منهم. والمحاضرة الثانية عنوانها «كيف عرف العرب المسرح الغربي؟ وكيف عرف الغرب المسرح العربي؟»، وكانت مخصصة لطلاب الفرقتين الأولى والثانية وهذا مستوى يتناسب مع الموضوع وإشباع فضول مستوى طلابه. أما المحاضرة الثالثة والأخيرة فكانت بعنوان «الصورة العامة للمسرح فى البلدان العربية»، وهو الموضوع الذى يتناسب مع مستوى طلاب مرحلة الماجستير، وهم أهم فئة مستهدفة ومؤهلة للتخصص فى المسرح العربى لمن سيشرع منهم فى كتابة أطروحته للدكتوراه مستقبلاً. وفى اليوم الأخير من زيارتى إلى بولندا، وبعد نجاح محاضراتى سلمنى الدكتور سبستيان خطابًا رسميًا من عميدة معهد الاستشراق الدكتورة باربارا، أهم ما جاء فيه إننى «أول أستاذ أكاديمى عربى ألقى محاضرات عن المسرح العربى فى معهد الاستشراق فى السنوات الأخيرة» وأننى قمت «بإلقاء هذه المحاضرات باقتدار كبير، ونلت إعجاب الطلاب، ونجحت فى تحقيق الهدف المنشود فى معرفة الطلاب بالمسرح العربى، وحثهم على دراسته مستقبلًا».

كنت أحد طرفى مناظرة مسرحية شهيرة تمت فى الجزائر، ولاقت رواجاً كبيراً ولكننا لم نجدها منشورة فى كتاب كما أُعلن حينها! ما تقييمك لهذه المناظرة ولماذا لم يُنشر كتابها حتى الآن؟
هذه المناظر كانت الأهم تاريخيًا فى مجال التوثيق المسرحي، فقد نشر المستشرق سادجروف نصًا مسرحيًا لشخص جزائرى اسمه أبراهام دانينوس فى تسعينات القرن الماضي، فأعاد أستاذ جزائرى نشر النص فى الجزائر، وادعى أن النص أسبق من نص «البخيل» لمارون النقاش، وبناء على ذلك ادعى ريادة المسرح العربى لدانينوس ونفاها عن مارون النقاش. فقمت بالرد عليه، فاستغلت إحدى الهيئات المسرحية هذه الردود وعرضت علينا إقامة مناظرة علنية أمام الجمهور - وقد حضرها المستشرق سادجروف - وكنت أنا طرف المناظرة المدافع عن ريادة مارون النقاش، والأستاذ الجزائرى الطرف الآخر المدافع عن ريادة دانينوس، وأقيمت المناظرة فى إحدى المدن الخليجية عام 2014، وكان التوفيق حليفي، ولكن الهيئة المنظمة كانت تضمر شرًا لريادة مارون، فحكمت بأن المناظرة تحتاج إلى مناظرة أخرى، وبالفعل أقامت هذه الهيئة مناظرة أخرى فى الجزائر عام 2017، ودعمت الأستاذ الجزائرى بكل أشكال الدعم العلنية والخفيّة من أجل انتصاره وإثبات ريادة دانينوس، ولكن هيهات أن يقف أى شىء أمام العلم والبحث العلمى، فقد كنت انتصرت بكل أشكال الانتصار البحثى والعلمي، وأصبحت هذه المناظرة حديث المسرحيين فى العالم العربى منذ أكثر من عشر سنوات وحتى الآن. وكان من المفترض أن تصدر هذه الهيئة كتابًا يحمل كل وقائع ومستندات المناظرة خلال عامين من حدوثها، ولكنها ماطلت ومازالت تماطل.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة