الفكرة لا تموت

مؤمن خليفة

الأحد، 31 مايو 2026 - 07:21 م

مؤمن خليفة

ما تزال حماس مستمرة فى القطاع لأن المقاومة فكرة والفكرة لا تموت والإيمان بالأرض والعرض هما السبيل الوحيد لتبقى الفكرة حاضرة على مر الزمان أجبرتنى عملية جراحية بسيطة على المكوث فى البيت لعدة أيام. لم يغادر ريموت الريسيفر يدى فجعلت أتنقل بين محطات الأخبار المحلية والعربية والدولية.. أستمتع بتحليلات خبراء السياسة والاقتصاد وتقريبا كانت آراؤهم واحدة ووجهات نظرهم أقرب للتوافق، فهناك شبه اتفاق على أن الحرب الأمريكية- الإيرانية لن تكتب نهايتها الآن وأن بنود الاتفاق بينهما المسربة وغيرها لا تنبئ عن شىء ما يلوح فى الأفق، فى حين أن الجيش الإسرائيلى يعربد ويدمر البلدات فى جنوب لبنان رغم تواجد الوفد اللبنانى فى واشنطن لتوقيع اتفاق سلام مع تل أبيب برعاية أمريكية ويتوسع فى احتلال المدن والقرى هناك أملا فى القضاء على مقاتلى حزب الله وإجبار الحزب على تسليم سلاحه ليصبح لإسرائيل اليد الطولى فى المنطقة وتعيش وهم الانتصار والقضاء على المقاومة التى هى فكرة لا تموت مهما واجهت من صعوبات.. نفس الشىء فى غزة التى دمرتها إسرائيل وسوَّت مناطقها بالأرض ما تزال حماس مستمرة فى القطاع لأن المقاومة فكرة والفكرة لا تموت والإيمان بالأرض والعرض هما السبيل الوحيد لتبقى الفكرة حاضرة على مر الزمان. منذ حوالى 15 عاما تقريبا سافرت إلى إسبانيا وتحديدا كنت فى بلدة (تورتوسا) أو طرطوشة بالعربية، وهى مدينة إسبانية عريقة تقع فى مقاطعة تاراجونا داخل إقليم كاتالونيا وعلى ضفاف نهر إيبرو، وتشتهر بتاريخها الغنى الذى يجمع بين الحضارات الرومانية والإسلامية. تعيش فى هذه المدينة جالية مغربية تبلغ حوالى 42 ألف شخص من أصل مغربى ويمثلون ثانى أكبر عدد من السكان ويعملون فى التجارة والمهن الحرفية ولهم أحياء مشهورة غرب نهر إيبرو.. بالصدفة حضرت هناك فى مسرح المدينة حفلا للمطرب اللبنانى مارسيل خليفة الذى غنى أشهر أغانيه (منتصب القامة أمشي) وفؤجئت أنا بمئات الحناجر تردد خلفه هذه الأغنية فكانوا يرددون المقاطع بلغة عربية سليمة والمفاجأة الأكثر أن من كانوا الغالبية فى الحضور شبان فى عمر العشرين أو أقل قليلا. كان هؤلاء الشباب يرددون خلف مارسيل خليفة الأغنية الوطنية ويحفظونها عن ظهر قلب: «منتصب القامة أمشى.. مرفوع الهامة أمشى.. فى كفى قصفة زيتون وعلى كتفى نعشى وعلى كتفى نعشى.. قلبى قمر أحمر.. قلبى بستان فيه العوسج فيه الريحان.. شفتاى سماء تمطر نارًا حينًا حبًا أحيان.. فى كفى قصفة زيتون وعلى كتفى نعشى وأنا أمشى وأنا أمشى». فى صباح اليوم التالى كنت أبحث عمن يفسر لى هذا المشهد الغريب لشباب لا يتكلم إلا «الإسبانية» حيث ولد وحيث يقيم ويتحدث العربية بلهجة مغربية ليست بنفس الكفاءة واكتشفت أن كثيرا منهم يتحدث عن فلسطين التى يعشقونها ويعيشون آلامها وأوجاعها وأنهم يتنقلون فى سائر أنحاء إسبانيا وطنهم وجنسيتهم أو فى أنحاء أوروبا كلما جاء إليهم أى حفل فنى أو مهرجان يتعلق بفلسطين. الفكرة لا تموت، وفكرة المقاومة فى قلوب هؤلاء الشبان حاضرة رغم آلاف الأميال التى تفصلهم عن الوطن العربى. أحد الفلسطينيين يدرس فى الجامعة هناك تعرفت عليه فى الحفل ويقيم مع عائلته الصغيرة هناك، شرح لى هذا المشهد وحجم التعاطف مع القضية الأهم لكل العرب والمسلمين أن كثيرا من الشباب العربى الذين يقيمون مع أسرهم فى البلاد الأوروبية يتابعون قضية فلسطين ويشاركون فى ندوات وملتقيات لنصرة الحق الفلسطينى، وأن ذلك كان سببا فى تغيير نظرة بعض هذه الدول إلى القضية الفلسطينية. وقال لى: لك أن تتخيل أن الرعيل الأول من هذه العائلات الذى وفد إلى إسبانيا ما زالوا يحافظون على التحدث بالعربية فى بيوتهم مع أولادهم لربطهم بالوطن الأم.