جزيرة فاروس تحتضن قلعة قايتباى
جزيرة فاروس تحتضن قلعة قايتباى


فوق زُرقة المتوسط جُزر تحرس الماضى وتصنع المستقبل

«فاروس».. جزيرة تأبى النسيان

د. أمنية حسني كُريم

الأربعاء، 03 يونيو 2026 - 06:17 م

بعيدًا عن صخب الكورنيش وضجيج المدينة، تقبع جزر الإسكندرية فوق صفحة المتوسط كقصائد قديمة نسيها الزمن، بعضها وُلد من رحم التاريخ، وبعضها صنعته يد الإنسان، لكنها جميعًا تحمل ملامح مدينةٍ عاشت دائمًا فى حضن البحر..

فاروس تهمس بأسرار الفنار الغارق، ونيلسون تستدعى صدى المدافع القديمة، وميامى تلوّح بهدوءٍ خافت، بينما تقف جزيرة أبو قير الصناعية كإعلانٍ عن مستقبلٍ جديد تُعيد فيه الإسكندرية تشكيل حدودها مع البحر.

وفى رحلة بين نيلسون وميامى وفاروس وأبو قير الصناعية، تسلط «أخبار الإسكندرية» الضوء على جزر لم تستغل، لاكتشاف عالمٍ خفى، لا يراه كثيرون رغم أنه يعيش فى قلب عروس المتوسط.

بين جزر طواها الزمان .. وأخرى تأبى النسيان.. تقف جزيرة فاروس كحالة استثنائية.. شهدت صخورها أمجادًا تاريخية.. وأضاء فنارها الآفاق واحتضنت أعماقها كنوزها البحرية.. وكانت هى الشرارة التى انطلقت منها الإسكندرية.. أيقونة العالم القديم.

وتروى الدكتورة منى حجاج، رئيسة جمعية الآثار بالإسكندرية «للأخبار» حكاية فاروس حجر الأساس لإنشاء مدينة الإسكندرية، قائلة: «فى البدء كانت فاروس جزيرة منفصلة عن الساحل كلسان صخرى منزوٍ يمتد من الغرب إلى الشرق ..

إلى أن لاحظها القائد الإسكندر الأكبر فوقع اختياره على هذا الموقع لبناء مدينته حيث أدرك أن ربط الجزيرة بالبر عبر جسر اصطناعى سيسمح بتشكيل ميناءين كبيرين للمدينة الجديدة، وهو ما تحقق بالفعل ليتشكل الميناء الشرقى الكبير والميناء الغربى.. وتولد الإسكندرية من رحم هذا العناق بين البر وجزيرة فاروس.

وتتوقف «د. حجاج» هنا لتؤكد أنه رغم ارتباط فاروس بالإسكندرية فهى لم تكن نبتة حديثة..

فقبل الإسكندر بأربعة قرون خلّد الشاعر الإغريقى «هوميروس» فى ملحمته «الأوديسة» وجود ميناء آمن تتزود فيه السفن بالماء والوقود، وهو ماعاد وكشفه المهندس الفرنسى «جونديه» عام 1910 حينما عثر على عمق ثمانية أمتار تحت سطح البحر على أرصفة ضخمة متوازية تشكل الميناء المستطيل الغارق الذى غنّى له هوميروس .

ونعود لنتابع :»عقب وفاة الإسكندر وتولى البطالمة حكم مصر بلغت الجزيرة ذروة شهرتها العالمية حيث قرروا تشييد «فنار الإسكندرية» فى طرفها الشرقى، وجاء الفنار كبناء فاخر شاهق الارتفاع بلغ 120 متراً يعلوه تمثال ضخم ليصل الارتفاع الإجمالى إلى قرابة 130 متراً.

وكان هذا البرج البناء الأول من نوعه فى تاريخ الإنسانية لإرشاد البحارة وإضاءة الميناء ليلاً لتأمين دخولهم وتجنب الاصطدام بالصخور ليصنف كإحدى عجائب العالم القديم السبع.

ورغم انهيار الفنار فى الزلزل الضخم الذى ضرب الإسكندرية فقد أبى الاندثار حيث أعيد استخدام صخرته الأم لبناء قلعة قايتباى بمنطقة بحرى بينما مازال قاع البحر فى تلك المنطقة غنيا بآلاف القطع من الآثار الغارقة ليشهد على ثراء الموقع بحضارته.

وتشير د.منى حجاج إلى الاستخدامات التاريخية لجزيرة فاروس فقد احتضنت الحياة والموت فضمت ترسانة سفن صغيرة خُصصت لبناء القوارب وإصلاح السفن لخدمة الحركة التجارية فى الإسكندرية القديمة فضلاً عن رسو أجزاء من الأسطول الحربى بها خلال العصر البطلمى.

كما كشفت التنقيبات عن مجموعتين من المقابر وهما مقابر الأنفوشى وهى موقع أثرى مفتوح للزيارة حالياً وتتميز بطابعها السكندرى الفريد وجدرانها المزينة برسوم ملونة تشكل جزءاً هاماً من تاريخ الفن السكندرى، ومقابر رأس التين ولكنها متاحة للزيارة، حيث يمتد تاريخ هاتين المجموعتين من القرن الثانى قبل الميلاد حتى نهاية العصر البطلمى مع استمرار استخدام بعضها فى العصر الرومانى.

ونتابع قصة الجزيرة التى جرت عليها آثار الزمان فتبدلت طبيعتها الجغرافية نتيجة للترسبات البحرية المستمرة لتتشكل مساحات واسعة من الأراضى اليابسة الصالحة للاستخدام، وخلال فترة الحكم العثمانى شُيد فوق هذه الأراضى الجديدة حيا «المنشية» و»الجمرك» اللذان تحولا لشريان الحياة التجارية للإسكندرية وحوض البحر المتوسط، وبهذا فقدت فاروس طابعها كجزيرة منفصلة وأصبحت متصلة اتصالاً تاماً بمدينة الإسكندرية.

وتلفت رئيس جمعية الآثار بالإسكندرية إلى أن الجزيرة شهدت أحداثا سياسية عاصفة أبرزها عام 1882 خلال قصف الإسكندرية على يد القوات البريطانية، حيث دمرت منطقة المنشية بالكامل إلى أن تم إعادة تعميرها لاحقًا لتحمل روح الإسكندرية القوية التى تأبى الهزيمة أو النسيان.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة