التراثية العريقة
التراثية العريقة


.. حتى تروى أسبلة مصر «العطشانين»

«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية

إيمان طعيمه

الأربعاء، 03 يونيو 2026 - 06:59 م

عوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة من ترويجها سياحيًّا

خطة لإحياء الأسبلة التاريخية وتزويدها بعناصر جذب إلكترونية

قوانين حماية الآثار تفرض قيودًا صارمة تمنع أى تعديلات  تمس أصالة المبنى

المسافرون من المصريين لبعض الدول العربية والإسلامية وخاصة تركيا والبوسنة وألبانيا وسوريا غالبا ما يشربون من أسبلة هذه البلدان التاريخية المنتشرة فى الميادين والأحياء التراثية العريقة، فى مصر الوضع مختلف هى أقرب لمبانٍ جميلة «صامتة» لا تسقى عطشان ولا تروى ظمآن، «محمد علي.. السلطان قايتباي.. أم عباس» وغيرها من الأسبلة التاريخية التى ظلت لسنوات طويلة تقدم عطاءها لجميع المصريين توزع بينهم الماء والخير والحياة، تحولت اليوم إلى آثار صامتة، يغلب عليها الإهمال والتعطيل، رغم ما تحمله من قيمة تاريخية ومعمارية، وما يمكن أن تمثله من فرصة حقيقية لدعم السياحة وتعظيم الموارد.

فى هذا السياق، تناقش «الأخبار» القضية مع عدد من المختصين، للوقوف على إمكانية إعادة إحياء الأسبلة وتوظيفها من جديد، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على قيمتها الأثرية، واستثمارها كمقصد ثقافى وسياحى يعيد إليها روحها المفقودة.

يقول د.محمود حامد الحصري، أستاذ الآثار واللغة المصرية القديمة المساعد بجامعة الوادى الجديد، إن الأسبلة التاريخية فى مصر تمثل أحد أرقى نماذج العمارة الخيرية فى الحضارة الإسلامية، إذ أُنشئت فى الأساس لتوفير مياه الشرب مجانا لعابرى السبيل، فى صورة من صور الصدقة الجارية التى ارتبطت بالمجتمع المصرى عبر العصور، موضحا أن هذه المنشآت لم تقتصر على هذا الدور الإنسانى فقط، بل تطورت لاحقا لتضم فى طابقها العلوى «الكتّاب» لتعليم الأطفال القراءة والقرآن، لتجمع بذلك بين خدمة الإنسان وخدمة العلم فى آنٍ واحد، وهو ما يعكس عمق البعد الحضارى والاجتماعى لهذه العمارة، وقد ازدهرت الأسبلة بشكل كبير فى القاهرة، خاصة خلال العصرين المملوكى والعثماني، حيث شهدت تلك الفترات طفرة معمارية واضحة فى إنشاء الأسبلة وتزيينها.

لمحة تاريخية

ويشير إلى أن من أبرز الأسبلة التاريخية فى مصر، سبيل وكتاب السلطان قايتباي، الذى يعد من أهم وأجمل الأسبلة، وقد تم تشييده سنة 1479م فى العصر المملوكي، ويعتبر من أوائل الأسبلة المستقلة التى لم تكن ملحقة بمسجد أو مدرسة، ويتميز هذا السبيل بزخارفه الحجرية الدقيقة وتخطيطه المعمارى المتكامل الذى يعكس براعة فنون العمارة فى تلك الفترة، كما يأتى سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا، الذى أنشئ سنة 1744م، ليقدم نموذجا واضحا لامتزاج الطراز المملوكى بالعثماني، حيث كان يؤدى وظيفته فى تقديم المياه بالطابق الأرضي، بينما خُصص الطابق العلوى للتعليم، ويقع فى أهم مناطق القاهرة التاريخية، ما يمنحه أهمية سياحية كبيرة.

ومن بين الأسبلة المميزة أيضا سبيل أم عباس، الذى شُيد سنة 1867م بأمر من الوالدة باشا «بمبة قادن» تخليدا لذكرى ابنها عباس حلمى الأول، ويعد من أجمل أسبلة القرن الـ19، حيث يتسم بالطراز العثمانى المتأخر ويزدان بزخارف رخامية مميزة ولمسات من طراز الروكوكو الأوروبي. كذلك يبرز سبيل خسرو باشا كأحد أقدم الأسبلة العثمانية الباقية فى القاهرة، إذ يرجع تاريخه إلى القرن الـ16، ويعكس انتقال التأثيرات المعمارية العثمانية إلى مصر عقب الفتح العثماني.

إعادة إحياء الأسبلة

وحول إمكانية إعادة إحياء الأسبلة كعنصر حى فى السياحة الثقافية، يؤكد د.الحصرى أن ذلك ممكن بالفعل، موضحا أن الأسبلة ليست مجرد مبانٍ أثرية صامتة، بل يمكن تحويلها إلى محطات حية ضمن مسارات القاهرة التاريخية، مضيفا أنه يمكن إدراجها فى برامج الزيارات السياحية المتخصصة، إلى جانب تقديم عروض رقمية تشرح وظيفة السبيل تاريخيا، وإقامة معارض صغيرة تسلط الضوء على أهمية المياه فى الحضارة الإسلامية، كما يمكن تشغيل بعض الأسبلة بشكل رمزى باستخدام تقنيات حديثة غير ضارة، لإعادة تجسيد فكرة توزيع المياه كما كانت فى الماضي، مع ربطها بمسارات المشى فى مناطق مثل شارع المعز والصليبة والدرب الأحمر، وهو ما يضيف بُعدا إنسانيا مهما لتجربة السائح، حيث يتعرف من خلاله على قيم التكافل التى سادت المجتمع المصرى قديما.

تحديات قانونية

كما يوضح أنه يمكن إدخال أنشطة حديثة داخل هذه الأسبلة، بشرط الالتزام بضوابط محددة، بحيث تكون الأنشطة خفيفة، غير دائمة، وقابلة للإزالة دون التأثير على المبنى الأثري. ويقترح فى هذا الإطار استخدام شاشات تفاعلية رقمية، وتوظيف إضاءة أثرية مدروسة، إلى جانب تقديم عروض صوتية تحكى تاريخ المكان، وتنظيم ورش لتعليم الخط العربى أو الزخرفة الإسلامية، فضلا عن إقامة معارض تصوير فوتوغرافى للتراث، مشددا على أن الأنشطة التجارية الصاخبة أو أى تعديلات إنشائية دائمة تعد مرفوضة تماما لما تمثله من تهديد مباشر للقيمة التاريخية والأثرية لهذه المنشآت.

وفى الوقت نفسه يؤكد أن هناك بعض التحديات القانونية والأثرية التى تمثل أحد أبرز العوائق أمام إعادة توظيف الأسبلة، مشيرا إلى أن قوانين حماية الآثار تفرض قيودا صارمة تمنع إجراء أى تعديلات قد تمس أصالة المبنى. كما أن الزخارف الرخامية والخشبية تتسم بحساسية شديدة تجاه الرطوبة أو الاستخدام المكثف، ما يتطلب تعاملا دقيقا معها. ويضيف أن هناك حاجة إلى إدارة متكاملة وتنسيق مستمر بين وزارتى السياحة والآثار والمحليات، إلى جانب أن بعض الأسبلة تقع فى مناطق مزدحمة تحتاج إلى تطوير حضرى شامل فى محيطها، بما يضمن الحفاظ عليها وإتاحة الاستفادة منها فى الوقت ذاته.

عناصر جذب سياحية

ومن جانبه، يقول د.حسين عبد البصير، عالم الآثار ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن الأسبلة فى مصر من أهم الشواهد العمرانية والاجتماعية التى تعكس عمق الحضارة الإسلامية فى القاهرة والمدن المصرية، مؤكدا أن الأسبلة من منظور علم الآثار وإدارة التراث، تمثل اليوم موردا ثقافيا غير مستغل بالشكل الكافى سياحيا، رغم ما تحمله من قيم جمالية وتاريخية ووظيفية قادرة على تحويلها إلى عنصر جذب -سياحى فعال داخل منظومة السياحة الثقافية فى مصر، منوها إلى أن تحويل الأسبلة إلى عنصر جذب سياحى يتطلب إعادة قراءة وظيفتها التاريخية فى ضوء معاصر، مع الحفاظ الكامل على أصالتها المعمارية ويمكن تحقيق ذلك من خلال عدة محاور متكاملة.

وأول هذه المحاور يتمثل فى إعادة التوظيف الثقافي، حيث يمكن تحويل بعض الأسبلة إلى مراكز تفسير تراثى صغيرة تقدم معلومات مبسطة للزائر عن تاريخ السبيل، ووظيفته الاجتماعية، وتقنيات إدارة المياه فى العصور الإسلامية، كما يلفت إلى أهمية الإضاءة والمعالجة البصرية، من خلال إبراز العناصر المعمارية الدقيقة مثل الرخام المنقوش، والزخارف الكتابية، والشبابيك النحاسية، عبر إضاءة ليلية مدروسة تجعل السبيل نقطة جذب بصرية داخل المدينة التاريخية، مضيفا أن السرد التاريخى التفاعلى يمثل عنصرا مهما، إذ يمكن ربط كل سبيل بقصة تاريخية عن الواقف أو الحى الذى يوجد فيه، ليصبح المبنى «حكاية حية» بدلا من كونه أثرا فقط، إلى جانب ضرورة دمج الأسبلة ضمن المسارات السياحية الواضحة، خاصة فى مناطق القاهرة التاريخية، بحيث تتحول إلى نقاط توقف رئيسية داخل الرحلة السياحية.

التجارب التفاعلية للسائح

وفيما يتعلق بطبيعة اهتمامات السائح، يوضح أن السياحة الثقافية الحديثة لم تعد تعتمد على المشاهدة السلبية فقط، بل تقوم على التجربة التفاعلية، حيث يبحث السائح المعاصر عن المشاركة لا التلقي، وعن القصة لا الحجر، وعن التجربة الحسية بدلا من العرض التقليدي، مؤكدا أن إدخال عناصر تفاعلية داخل الأسبلة، مثل الشاشات الرقمية الخفيفة أو التطبيقات الصوتية التى تشرح تاريخ السبيل، أو حتى إعادة تمثيل صوتى لأجواء السقاة قديما، من شأنه أن يرفع من القيمة السياحية لهذه المواقع بشكل كبير، لكنه يشير فى الوقت نفسه إلى أن هناك فئة من الزوار، خاصة الباحثين والأكاديميين، تفضل الزيارة التأملية الهادئة، ما يتطلب تحقيق توازن فى تقديم التجربة دون المساس بهيبة المكان.

ويستكمل أن أفضل الأفكار لتقديم تجربة مستوحاة من وظيفة السبيل قديما تتمثل فى إعادة إحياء هذه الوظيفة بشكل رمزى وتجريبي، دون الإضرار بالأثر، من خلال تشغيل تسجيلات صوتية خفيفة تحاكى صوت المياه وأجواء الشارع القديم، أو تقديم رمز بسيط للضيافة مثل كوب ماء مُعبأ بطريقة صحية حديثة خارج نطاق الأثر، تعبيرا عن الوظيفة الأصلية. كما يمكن تقديم عروض تفاعلية تشرح كيفية وصول المياه إلى الأسبلة عبر الشبكات التاريخية، وربط ذلك بتاريخ نهر النيل ونظم توزيع المياه فى القاهرة، بالإضافة إلى استخدام تقنيات الواقع المعزز لتمكين الزائر من رؤية السبيل كما كان فى القرون الماضية.

العوائد الاقتصادية

ويؤكد د. حسين عبد البصير أن إدراج الأسبلة ضمن برامج سياحية، مثل جولات شارع المعز لدين الله الفاطمى أمر بالغ الأهمية، حيث يمثل هذا الشارع متحفا مفتوحا للعمارة الإسلامية، وتأتى الأسبلة فيه كجزء من منظومة عمرانية متكاملة تضم المساجد والمدارس والبيمارستانات والوكالات التجارية. ويقترح تصميم مسار سياحى بعنوان «طريق الماء والحياة فى القاهرة الإسلامية»، بحيث تصبح الأسبلة نقاط تفسير رئيسية داخل التجربة.

كما يتحدث عن أن تطوير الأسبلة سياحيا لا يحقق قيمة ثقافية فقط، بل يحمل عوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، منها زيادة مدة إقامة السائح نتيجة تنوع التجارب، وتنشيط السياحة الثقافية المتخصصة التى تجذب فئات ذات إنفاق أعلى، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة فى مجالات الإرشاد السياحى وتصميم التجارب التفاعلية، فضلا عن إحياء المناطق التاريخية اقتصاديا من خلال تنشيط الحركة التجارية والخدمية المحيطة، وتعزيز صورة مصر عالميا كوجهة رائدة فى إدارة التراث الثقافى.

ضوابط ترميمها

وفى هذا الصدد، يرى عمرو مصطفى عبدالجواد، أخصائى الترميم بهيئة المتحف المصرى الكبير، وباحث دكتوراه فى الأنثروبولوجيا الثقافية بكلية الدراسات الإفريقية العليا، أن ترميم الأسبلة التاريخية يتطلب فى البداية مراجعة دقيقة للحالة الإنشائية لكل سبيل على حدة، قبل اتخاذ قرار إعادة التأهيل أو التشغيل، مشيرا إلى أنه بعد الانتهاء من أعمال التوثيق والترميم للأسبلة المختارة، يمكن طرح أفكار متعددة لتحديد الدور الجديد الذى يمكن أن تؤديه، بما يخدم المجتمع المحلي، مثل تحويلها إلى مكتبات عامة أو ملتقيات ثقافية لأبناء المنطقة، وهو ما يعيد إليها روحها الأصيلة فى خدمة الناس.

ويستشهد فى هذا السياق بتجارب ناجحة مثل بيت السحيمي، الذى تحول إلى مركز ثقافى تُقام فيه الندوات والفعاليات المختلفة.

ويؤكد أن هناك ضوابط أساسية يجب الالتزام بها قبل إعادة استخدام الأسبلة، من بينها وجود إشراف دائم من وزارة الآثار، مع رصد أى مخالفات بشكل مستمر، إلى جانب المتابعة الدورية لحالة السبيل من قبل الأثريين والمرممين، والتدخل الفورى فى حال ظهور أى تلف محتمل، فضلا عن ضرورة إجراء صيانة دورية للحفاظ على سلامة المنشأ. كما يشدد على أهمية وضع ضوابط واضحة لمواعيد الزيارة تحت إشراف الأثرى المسئول، بما يضمن حماية الأثر من الضغط الزائد.

تجربة دولية

ويضيف أنه من الضرورى أيضا تحديد السعة الاستيعابية لكل سبيل، بحيث لا تتجاوز أعداد الزائرين الحد الآمن، مع الابتعاد التام عن أى أنشطة قد تعرض الأثر للخطر أو تؤثر على سلامته، مشيرا إلى أن هناك تجارب دولية يمكن الاستفادة منها، مثل ما حدث فى تركيا، التى تضم عددا كبيرا من الأسبلة العثمانية، حيث كانت مهملة لفترات طويلة، قبل أن تنجح جهود الحكومة والمجتمع فى إعادة تأهيلها وإحيائها ضمن مشروعات الحفاظ على التراث، خاصة فى مدينة إسطنبول.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأثر وإعادة استخدامه يعتمد بشكل كبير على تفعيل المشاركة المجتمعية فى إدارة هذه المواقع، وهى نقطة بدأت العديد من الدول فى الالتفات إليها، لما أثبتته من نجاح فى الحفاظ على التراث الثقافي، موضحا أن إشراك المجتمع المحلى يجعل الأفراد يشعرون بأن هذه الآثار ملك لهم، ويعزز لديهم الإحساس بالمسئولية تجاه حمايتها وصيانتها، وهو ما يضمن استدامتها للأجيال القادمة.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة