الذكاء الاصطناعى سفينة نوح

يوسف القعيد

الخميس، 04 يونيو 2026 - 07:27 م

يوسف القعيد

فك شفرة الكون مسألة يجب على جيلنا الراهن محاولة القيام بها، وإنجازها على الوجه الأكمل كان هذا المانشيت الرئيسى على غلاف مجلة عالم الكتاب التى تصدر عن هيئة الكتاب، ويرأس تحريرها الزميل عزمى عبد الوهاب. يكتُب عزمى عبد الوهاب فى مقاله أنه عبر تاريخ يمتد لآلاف السنين راكمت البشرية معرفتها العلمية على ضوء جدل الفكرة والتجربة، حيث لم يغن التفكير والتأمل والاستدلال والاستنتاج والقياس والاستنباط والابتكار عن ضرورة التجربة وقابليتها للتكرار. وهو الحد الفاصل بين الأسطورة والعلم فى أرقى نظرياته وأعقدها. ويتوقف أمام كتاب فك شفرة الكون، كيف يفسر علم المعلومات الجديد كل شيء فى الكون، الذى ترجمه أيمن عيَّاد، ويؤكد أنه لا يمكننا الحديث عن جدية الفكرة العلمية دون إخضاعها للتجريب العملى أو اختبار صحتها مع قوانين العلم. وقد أدرك الإنسان حقيقة أن العلم هو الوسيلة الفعالة للتغلب على العقبات التى تجابه وجودنا ذاته ابتداءً من مقاومة الأمراض لتلبية احتياجاتنا، بالإضافة للكوارث الطبيعية والمخاطر التى تهدد حياتنا على كوكبنا. المقال يقدم رؤية شاملة لسعى الإنسان لتفسير الظواهر الطبيعية التى يقابلها والتغلب على الصعوبات التى يواجهها، فليس هناك متعة أكثر من حل ألغاز الكون، كيف بدأ؟ وكيف تشكَّل؟ ولماذا صارت الأمور على هذا النحو ومازالت تسير هكذا؟ وما القوانين التى تتحكم فى حركة أجزائه؟ يحاول المؤلف تقديم إجابات عن الأسئلة اعتمادًا على أحدث نظريات المعرفة الإنسانية المتمثلة فى نظرية المعلومات. وهى النظرية المعنية بتقديم تفسير بشرى لمظاهر الكون المرئى وظواهره، بل وللأكوان غير المرئية. حيث يرى المؤلف أن المعلومات تقدم تفسيرًا لوجود الكون، وأنها الأساس لنشوء الحياة على كوكب الأرض. ولا يستبعد وجود حيواتٍ أخرى فى أركان هذا الكون الشاسع، ويقدم تفسيرًا معقدًا لتكاثر الكائنات الحية كسبب لإعادة إنتاج هذه المعلومات نفسها وتفسيراتٍ أكثر تعقيدًا لمعنى الوجود. ووفقًا لما يراه المؤلف فإن مُجمل حضارتنا الإنسانية قد تكون فى سبيلها للاختفاء والزوال حسب ما تطرحه آخر نظريات العِلم المُعقدة، كما بشَّرت بذلك بعض الفلسفات القديمة، والفرق يكمن فى أن العلم عندما يطرح هذه المقولة فإنه يطرحها كحقيقة مجردة من أى وازع أو نوازع سوى البنية الداخلية التى تحملها المعادلات والقوانين العلمية الخالية من علاقة سببية بين وجودنا وغاية هذا الوجود وبين إدراكنا له. الأسئلة بعيدة عن الأوساط الشعبية، ربما فى العالم المتقدم وعالمنا الثالث، ومع هذا فلابد من طرحها والبحث عن إجاباتٍ لها. فالاهتمام بالمستقبل كان وما يزال وسيظل الركيزة الأساسية التى قامت عليها الدنيا وتقدمت من خلالها مما كانت عليه فى البدايات الأولى حتى الصورة التى نجدها الآن. فك شفرة الكون مسألة يجب على جيلنا الراهن محاولة القيام بها، وإنجازها على الوجه الأكمل. وفعلًا فإن العنوان الذى اختاره الزميل عزمى عبد الوهاب أن الذكاء الاصطناعى هو سفينة نوح الجديدة التى لا مفر من وجودها، وأنها هى التى ستُنقذنا مما نحن فيه، عنوانٌ دقيق وعلى البشرية محاولة إدراكه والوصول إليه والإحاطة بكل ما يعنيه. ولابد أن نشكر المركز القومى للترجمة بوزارة الثقافة الذى ترجم مُعظم هذه الكُتُب التى فتحت أعيننا على الزمن الآتى ويا ويلنا منه ومن كل ما يعنيه. إن مجلة عالم الكتاب التى تُصدِرها هيئة الكتاب لها السبق فى أنها اقتربت من هذا الموضوع رغم أن ذلك تم فى العدد 172، أى أنه سبقه 171 عددًا صدرت على مدار سنوات طويلة، ومع هذا مازالت قادرة على طرح الأسئلة الكُبرى المتصلة بالوجود الإنسانى الذى نعيشه.