محمد جابر
محمد جابر


الديوان| محمد جابر يكتب: حافلة الثانية ظهراً

الأخبار

الخميس، 04 يونيو 2026 - 07:54 م

صعدت إلى الحافلة المركونة علي جانب الطريق الإسفلتي، صرت كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالشمس التي أرسلت لهيبها المستعر على ظهور العباد جعلت هيكل الحافلة كما لو كان قطعة من الجمر، لم يكن السائق قد صعد بعد وكان الركاب يتأففون من سخونة الجو وراحوا يلوحون بأيديهم أمام وجوههم جلبًا لهواء مفقود، جلست بجوار رجل تجاوز السبعين من عمره، ضخم الجسد، أسمر البشرة، نزع عمامته البيضاء المعروقة من فوق رأسه، فبدا شعره الأبيض مهوشًا، تثاءب فبانت سنتان عتيقتان داخل فمه الخاوي، راح يمسح العرق الذي تصبب على جبهته العريضة دون أن ينطق بكلمة واحدة، على الكرسيين المجاورين كان يجلس شاب وفتاة، وفي الخلف تداخلت أصوات مجموعة من النساء مع صوت بكاء أطفال وسُعال رجل عجوز يبدو أنه مريض بالصدر، صعد السائق ومن بعده صعد المُحصِّل بيده مستطيل خشبي يضم تذاكر الرحلة، تحركت الحافلة بعدما امتلأت الكراسي والطرقة بالركاب، نظر جاري إلى الحقيبة الموضوعة أعلى قدمي وسألني:

- حضرتك دكتور....؟

- لا.. أنا محامي

- محامي جنايات، أسرة، مدني، عسكري، جُنح.. أصل المحاماة أنواع زي الدكتور، إما عيون أو صدر أو أسنان.

 كان صوت جاري عاليًا فاسترعى انتباه الشاب والفتاة المجاورين لنا فضحكا، 

- أنا محامي كل حاجة......يعني محامي شامل.. تمام

ولما توقفت الحافلة نزل بعض الركاب وصعد آخرون، وأثناء ذلك حدث بعض الهرج واختلطت أصوات الصاعدين مع أصوات الهابطين، بينما المُحصِّل يزيح الركاب بيديه داخل الطرقة الضيقة، زاد صراخ الأطفال وعلت أصوات النساء وأتي صوت الرجل مريض الصدر ضعيفًا بعد سعلات حادة،

- ياناس...كفاية كلام.. حرام..

 وواصل جاري فضوله وأسئلته: قوللي يا أستاذ....؟

..إيه

.. ليه بيسيبوا بياع الخمرة.. ويحبسوا بياع الحشيش..؟

كاد الزحام أن يخنقني، تأوهت.. حاولت أن آخذ نفسًا عميقًا وقلت:

- لاجريمة وعقوبة إلا بنص القانون.. 

نظر الرجل لي كالأبله... حانت مني نظرة تجاه الشاب والفتاة فلم أتبين ملامحهما بسبب الزحام.. لكزني جاري بكوعه:

- معايا يا أستاذ....؟

- أيوه

- أخويه أخد حقي في الميراث....

- ارفع قضية

- رفعتها من عشر سنين ولسه ماوصلتش لحل. 

وقبل أن أتكلم كان قد ضحك ضحكات عالية واهتز الكرسي الجالس عليه فاهتززت أنا بالتبعية.. أتاني صوت الفتاة الجالسة بجوار الشاب...

- دي حاجة صعبة قوى..

لمحت الشاب يربت على يديها بحنان: خلاص هانت.

علا صوت السائق زاعقًا في وجه رجل يقود عربة كارو كاد أن يصطدم بالحافلة، وعلت صيحات الركاب تحث السائق على زيادة السرعة.. كان جاري قد انتهي من مسح خيوط العرق المتجددة على وجهه واعتدل في جلسته استعدادًا لسؤالي من جديد، غير أن الحافلة توقفت في المحطة التي أريدها، ولما وجدني واقفًا تأهبًا للنزول، جذبني ناحيته ولكني أفلحت في الفكاك من قبضته مسرعًا. 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة