«بردي القراموص».. قرية تفوح منها روائح الفراعنة

منتجات حقول الشرقية

الجمعة، 05 يونيو 2026 - 03:06 ص

آخر ساعة

آمال‭ ‬ربيع فى قلب مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية تقف قرية القراموص كواحدة من أكثر القرى المصرية ارتباطًا بالتراث الفرعونى، بعدما نجحت فى تحويل نبات البردى من مجرد محصول زراعى إلى صناعة متكاملة يعيش عليها أهالى القرية بالكامل. القرية التى تخصص نحو 500 فدان لزراعة البردى تحولت بمرور الوقت إلى مركز لصناعة أوراق البردى والرسم عليها، لتصبح اسمًا حاضرًا على خريطة السياحة والحرف التراثية فى مصر. وترتبط صناعة البردى بتاريخ المصريين القدماء، الذين استخدموا النبات فى الكتابة لتسجيل تفاصيل حياتهم بدلاً من النقش على جدران المعابد والمسلات، ويتميز النبات بطبيعته المائية ونموه فى الأراضى الطينية الرطبة، ليظل رمزًا للحضارة المصرية القديمة عبر آلاف السنين. رحلة البردى صناعة البردى داخل القراموص تمر بعدة مراحل دقيقة، تعتمد بشكل أساسى على الخبرة اليدوية المتوارثة، حيث تبدأ الرحلة بحصاد النبات وتقطيع السيقان وفق المقاسات المطلوبة، ثم تشريحها إلى شرائح رفيعة متساوية السمك، وهى مرحلة تحدد جودة الورق النهائى. بعد ذلك تخضع الشرائح لمرحلة االتبتيسب داخل أحواض تحتوى على مادة البوتاس لتليين الألياف وإزالة المواد الزائدة، ثم تأتى مرحلة االكرولةب التى يتم خلالها رص الشرائح بشكل متقاطع يمنح الورق قوته المعروفة.  وبعد الكبس والتجفيف، يتحول البردى إلى لوحات فنية تُرسم عليها المشاهد الفرعونية باستخدام ألوان طبيعية وصناعية، لتخرج فى صورة منتجات يدوية تنافس فى الأسواق العالمية. هدايا سياحية استمرار العمل اليدوى والحفاظ على الطابع التراثى مع تنوع المنتجات بين اللوحات واللفائف والهدايا السياحية أكثر ما يميز بردى القراموص، كما لعب الموقع التاريخى لمنطقة أبو كبير دورًا مهمًا فى ارتباطها بالبردى، فقد كانت منطقة دفاعية تضم قلاعًا لحماية حدود شرق الدلتا، كما أنها قريبة من قرية هربيط التى كانت مركزًا لعبادة الإله حورس، وعلى مقربة من اأبو ياسينب حيث عُثر على توابيت الثيران المقدسة اكا أورب. هذه الخلفية الحضارية جعلت المنطقة بطبيعتها مهيأة لإحياء نبات البردى الذى ارتبط بالحضارة المصرية القديمة. يقول محمود عيد أحد أهالى القراموص إن أهالى القرية يعتمدون بالكامل على زراعة البردى والعمل به، موضحًا أنهم يجمعون النبات ويقطعونه وفق المقاسات المطلوبة باعتباره مصدر رزقهم الأساسى. صناعة تتوارثها الأجيال وتؤكد سماح الشبراوى - طالبة - أن جميع أفراد القرية يشاركون فى الصناعة دون حرج، مشيرةً إلى أنها تعمل مع والدتها فى مرحلة االتشريحب، مضيفة: انقوم بتثبيت خيط بلاستيك فى شجرة، والطرف الآخر مثبت بقطعة خشبية نستخدمها كسكين نقطع بها أعواد البردى إلى شرائح رفيعة بسرعة ومهارةب. أما أم سماح ربة منزل فتوضح أن يومها يبدأ منذ الفجر بين رعاية الماشية وتلبية متطلبات الأبناء، وبعد الإفطار تبدأ العمل فى تجهيز البردى للعمال، مؤكدةً أن إتقان المهنة احتاج منها وقتًا حتى تعلمت التقطيع بدقة. وتشرح كريمة عبدالفتاح مراحل صناعة أوراق البردى، مشيرة إلى أنه بعد مرحلة التشريح تأتى مرحلة التبتيس وفيها توضع شرائح البردى فى أحواض بها مادة البوتاس، ثم توضع فى الكلور لتوحيد لون النبات، ثم تقطيعها إلى شرائح متساوية وتسمى مرحلة الكرولة، ثم تأتى مرحلة االكبس والتنشيفب، وفيها توضع الشرائح تحت المكبس لتصفية المياه حتى تجف تمامًا، وتوضع بين طبقات البردى طبقات من القماش والكرتون، ثم يتم تغييرها من مرتين إلى 3 مرات وتكون جاهزة للتصدير. وتضيف: االمهمة صعبة ونتعب جدًا خاصة خلال الشتاء بسبب المياه والبرد القارس وأيدينا تنزف الدم، لكنه اأكل العيشب الذى تعتمد عليه الأسر فى القريةب. أعمال فنية وعن ابتكار أساليب التلوين والرسم الفنى على البردى وتحويل المنتج من خام تقليدى إلى سلعة فنية قابلة للتصدير يقول محمد حسان المتخصص فى طباعة وتلوين البردى إنه بعد الطباعة تأتى مرحلة التلوين بنفس أسلوب النقوش الموجودة فى المعابد والمقابر الفرعونية، حيث نبدأ باللون الأبيض ثم الذهبيات والبشريات وصولاً إلى التظليل ليبدو الجسم كأنه طبيعى، ثم وضع اللمسات الأخيرة االفنشب، مع الحرص الشديد على تجنب الأخطاء بسبب ارتفاع تكلفة الورق. وتؤكد ابنته مارى الطالبة بالصف الثانى الإعدادى أنها تعلمت التلوين من والدها وتجيد التظليل، وأصبحت تعمل على البردى بعد انتهاء يومها الدراسى. ويشير عبدالحكيم هاشم المتخصص فى الرسم على البردى إلى أن الصناعة تطورت من مجرد تجربة فنية إلى اقتصاد متكامل تعتمد عليه القرية بالكامل، وأصبحت كل أسرة تقريبًا جزءًا من سلسلة الإنتاج، مما خلق فرص عمل داخل القرية وقلل الهجرة للمدن.  وأوضح هاشم أن المنتجات اليدوية االهاند ميدب تلقى إقبالاً كبيرًا من السائحين الأجانب، وأحياناً يتم صناعة لوحات كبيرة مرسوم عليها المعالم السياحية التى تزين جدران الفنادق والمنتجعات السياحية، فيما يستخدم الورق الصغير عادة فى المنازل. تحديات ورغم نجاح التجربة يواجه العاملون فى البردى عدة تحديات, أبرزها ارتفاع أسعار المواد المستخدمة مثل االبوتاسب، وضعف التسويق الإلكترونى، وانتشار تقليد المنتجات، إلى جانب نقص الدعم الحكومى فى بعض الفترات. وتسعى مصر حاليًا إلى إدراج صناعة ورق البردى - خاصة فى قرية القراموص - ضمن قائمة التراث الثقافى غير المادى بمنظمة اليونسكو، باعتبارها حرفة تراثية مهددة بالاندثار وتحتاج إلى الحماية والتوثيق، حفاظًا على واحدة من أقدم الصناعات المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة. اقرأ  أيضا: سر «لبن الحمير» فى حمام كليوباترا!