بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية
الجمعة، 05 يونيو 2026 - 04:57 م
مروة العدوي
◄ 11 طائرة فانتوم نووية إسرائيلية كانت جاهزة لضرب مصر وسوريا في حرب أكتوبر
◄ المخابرات الأمريكية تخترق لجان مفتشي وكالة الطاقة بجوازات سفر رسمية
◄ اليورانيوم عالي التخصيب يصعب نقله من دولة لأخرى لأسباب السلامة النووية
◄ أمريكا تتدخل بصورة مباشرة في تعيين مدير عام وكالة الطاقة الذرية
◄ تقارير مفتشي الوكالة كذبت الإدعاءات الأمريكية حول العراق وكوريا الشمالية
◄ إيران أكثر دولة في العالم خضعت للتفتيش من قبل الوكالة الدولية
◄ التفتيش المكثف من قبل الوكالة لم يثبت برنامجاً إيرانياً عسكريا
◄ إسرائيل يمكنها استخدام أسلحة نووية تكتيكية لضرب دول الجوار دون أن تتأثر
◄ مفاعل ديمونة الإسرائيلي « ممنوع الاقتراب أو التفتيش» بأوامر أمريكية
◄ القوى النووية الكبرى تجاهلت التزاماتها بالتخلص التدريجي من ترساناته
◄ الوكالة الدولية تعاني ازدواجية واضحة في تطبيق المعايير النووية
في عالمٍ محكوم بموازين الرعب والردع، تظل الطاقة الذرية هي الورقة الأشد غموضاً وحسماً في مصائر الأمم. وبين كواليس المعاهدات الدولية والغرف المغلقة للرقابة، تبرز تساؤلات حادة حول طبيعة الدور الذي تلعبه المنظمات الأممية؛ هل أُنشئت لإقرار العدالة العلمية والسلمية، أم لإدارة النفوذ والضغط السياسي فوق جمر الصراعات الإقليمية؟
في هذه الحلقة الاستثنائية من برنامج «بودكاست +20» عبر منصات بوابة أخبار اليوم، نفتح الصندوق الأسود للملفات النووية في المنطقة مع قامة دولية وعلمية بارزة عاصرت أدق تفاصيل المشهد من الداخل؛ العالم الكبير الدكتور يسري أبو شادي، كبير مفتشي الطاقة الذرية الأسبق بالوكالة الدولية.
في هذا الحوار، يضع الدكتور أبو شادي النقاط فوق الحروف في مواجهة صحفية تتسم بالجرأة والمكاشفة؛ يبدأها بالإجابة عن فرضية صادمة حول اختفاء الوكالة الدولية، ويمر عبر الأسرار العسكرية المحجوبة لحرب أكتوبر 1973، وحقيقة الترسانة الإسرائيلية الصامتة، وصولاً إلى كواليس التفتيش المعقد في المفاعلات الإيرانية، وملف تسريب المعلومات الحساسة الذي لم يُحسم بعد... وإلي نص الحوار:
◄ ماذا لو استيقظ العالم واكتشف أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد اختفت تماماً من الوجود؟
سيحدث تخبط شديد جداً في العالم؛ ففي وقت إنشاء هذه المنظمة، لم يكن أحد يعلم بوضوح طبيعة الطاقة النووية التي اكتُشفت قبل ذلك بنحو عشرين أو خمسة وعشرين عاماً، إذ كان العالم يربطها فقط بـ"هيروشيما ونجازاكي"، متسائلاً: هل نمنح هذه الطاقة بطاقات سلمية أم نرفضها؟
وربما بسبب شعور أمريكي بتأنيب الضمير جراء ضرب هيروشيما ونجازاكي في عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية -وهو الضرب الذي لم يكن له معنى سوى الرغبة في فرض شروط استسلام قوية، وأدى لموت نحو نصف مليون ياباني بشكل مباشر وغير مباشر بالإشعاعات- جاء الرئيس الأمريكي إيزنهاور في عام 1953 وأعلن مبادرته الشهيرة الذرة في خدمة السلم، وبدأ يشجع بقوة على إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعقد المؤتمرات، حتى أُنشئت فعلياً عام 1957.
اقرأ ايضا| بودكاست «20 +»| يسري أبو شادي يكشف وقائع اختراق أمريكا الوكالة الذرية
وكانت الوكالة وقتها تضم تخصصات متعددة، ولم يكن غرضها الأساسي مقتصراً على التفتيش أو منع السلاح النووي، بل كان الهدف الرئيس هو التوسع في نشر التطبيقات السلمية النووية. وقد شُكلت الوكالة من عدة أقسام (خمسة أقسام على الأقل)، تشمل: المفاعلات النووية، استخدام النظائر المشعة، الأمان النووي لمنع الحوادث، وقسم "الضمانات" المعني بالتفتيش على الدول. في ذلك الوقت، لم تكن هناك معاهدات دولية عامة، بل اتفاقيات شخصية أو خاصة بدولة ما أو عبر طرف ثالث؛ حيث كانت الولايات المتحدة تقدم مفاعلات أبحاث لعدد من الدول (من بينها إيران بالمناسبة)، وتشترط أن تقوم الوكالة بالتفتيش عليها للتأكد من عدم استخدامها في أغراض غير سلمية، وكانت هذه هي البداية.
◄ كيف تطور هذا النظام الفردي إلى «فخ» المعاهدات الشاملة التي نراها اليوم؟
عندما انتشرت الطاقة النووية السلمية، وبصورة خاصة المفاعلات والمنشآت النووية، ودخل العالم مرحلة تخصيب اليورانيوم واستخلاص البلوتونيوم -وهي مواد حساسة قابلة للاستخدام السلمي والعسكري في آن واحد- أدرك المجتمع الدولي أن التفتيش الفردي مع كل دولة لم يعد مجدياً، ولا بد من آلية تنظيمية تحكمها معاهدة.
من هنا طُرحت معاهدة "منع انتشار الأسلحة النووية" عام 1968. وأثناء طرحها، وقعت عليها العديد من دول الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والعراق، وإيران، بينما رفضت إسرائيل التوقيع تماماً.
بدأ تنفيذ المعاهدة فعلياً في عام 1970 للتفتيش على جميع المنشآت النووية وضمان عدم استخدامها إلا في الأغراض السلمية. ولكي يصبح هذا الالتزام سارياً، لم يكن التوقيع كافياً بل استلزم تصديق البرلمان؛ ومصر لم تعتمد القرار برلمانياً إلا في عام 1981، حيث أحاله الرئيس السادات إلى البرلمان قبل وفاته بشهور قليلة واعتمدته الدولة لتبدأ زيارات المفتشين والالتزام بالاتفاقية. أما إيران والعراق، فقد وقعتا وصدقتا وبدأ التنفيذ فيهما منذ بداية السبعينيات.
هذا القسم الخاص بالضمانات كان حساساً للغاية؛ لأنه في مطلع السبعينيات كان هناك ما يقرب من أربعين دولة طموحة لامتلاك الطاقة النووية العسكرية، أو تمتلك برامج قائمة بالفعل، أو تفكر في تحويل برامجها السلمية إلى عسكرية (ومنها دول غريبة جداً).
ولا شك أن الوكالة قامت بدور مهم في تحجيم تلك الدول الطموحة للسلاح النووي. ورغم أن النجاح لم يكن بنسبة مئة بالمئة، إلا أنها نجحت إلى حد كبير في وقف سباق الانتشار النووي في المنطقة، ولولا ذلك لربما رأينا اليوم أربعين دولة على الأقل مسلحة نووياً، بينما لا نملك اليوم سوى تسع دول فقط؛ وهي الدول الخمس الكبرى، وثلاث دول لم توقع أصلاً على المعاهدة (منها باكستان وإسرائيل)، ودولة واحدة وقعت ثم انسحبت وهي كوريا الشمالية؛ هؤلاء هم التسعة المعروفون، مع وجود شكوك حول إيران، وحديث سابق عن العراق وأحداثه، وشكوك تحوم حول بعض الدول الأخرى.
لكن ما يؤخذ على الوكالة، أن تركيزها دائماً ينصب على الدول المعادية للسياسة الأمريكية (Anti-American) بصورة خاصة، وهذا ما يبرز في الإعلام ويظهر دائماً، مما يوجّه الانتقادات للوكالة بأن دورها يقتصر فقط على مجابهة الدول التي تعادي أمريكا، بينما يغيب هذا الدور فيما عدا ذلك. وبما أن الوكالة نشأت أصلاً بدعم أمريكي قوي ومبادرة من إيزنهاور، فقد اتسم دورها في البداية بالحياد التام بعيداً عن الضغوط السياسية لأن التركيز كان ينصب على نشر التطبيقات السلمية، وهو دور مشكور ومستمر حتى اليوم في هذا الجانب.
◄ دكتور يسري، ميثاق الوكالة لا ينص فقط على منع الدول الجديدة، بل يشترط أيضاً التخلص التدريجي للقوى القائمة من ترساناتها.. لماذا نرى عيناً حمراء تجاه الدول الطامحة، وعيناً مغمضة تماماً عن ترسانات الخمسة الكبار؟
لا حقيقةً، هذه واحدة من أكثر النقاط التي جاءت في شروط المعاهدة، عند صياغتها عام 1970، حددت مدتها بـ 25 عاماً لتنتهي في عام 1995، وعند حلول عام 1995، طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بصورة خاصة بمد المعاهدة إلى "ما لا نهاية"، وهو ما واجه معارضة شديدة جداً، وبصورة خاصة من مصر وسوريا.
◄ هل تعني جعل التوقيع والالتزام سارياً للأبد بلا سقف زمني؟
نعم، سارية إلى ما لا نهاية دون توقف، وليس المراجعة كل خمسة وعشرين عاماً أو كل خمس سنوات كما كان يطالب البعض. ورغم هذه المعارضة، فإن الدول العربية ودول الشرق الأوسط لم تكن موافقة؛ نظراً لأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لا هي موقعة على الاتفاقية، ولا تسمح بالتفتيش، ولا يعرف أحد عن منشآتها شيئاً، في حين أن من المعلوم امتلاكها لأسلحة نووية. وبالرغم من هذا، صدر قرار ثانٍ يشترط ضرورة موافقة جميع دول الشرق الأوسط وعمل معاهدة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وأضيفت لها بعد ذلك وأسلحة الدمار الشامل.
منذ عام 1995، واجهنا إخفاقاً في شرطين أساسيين؛ الشرط الأول يتعلق بالدول الكبرى: فالقوى الخمس تمتلك اليوم أكثر من 13 ألف رأس نووي، يتركز 90% منها في روسيا والولايات المتحدة، تليها الصين، وفرنسا، وبريطانيا بالترتيب الذي ذكرته. وحسب المادة السادسة من المعاهدة، كان يتعين على هذه الدول الخمس التفاوض "بحسن نية" للتخلص التدريجي من أسلحتها النووية، وهو ما لم يحدث. بل على العكس، هما يقومون اليوم بتطوير هذه الأسلحة وجعلها أكثر دقة وتدميراً، وهذا عيب خطير يثبت عدم التزام الدول الخمس الكبرى بتعهداتها.
أما الشرط الثاني، فهو إخلاء منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تعطل تماماً بسبب إسرائيل التي ترفض تماماً حتى يومنا هذا مجرد الكلام في الموضوع أو نقاشه. هذا الوضع يضع الوكالة في موقف حرج للغاية؛ فأنت تفتش على الدول التي لا تملك سلاحاً وتقول لهم ممنوع تعملوا سلاح، وفي نفس الوقت الدول التي عندها سلاح مش عايزة تتخلص منه، والدولة التي في المنطقة التي تمتلك السلاح ولم توقع إنت مش قادر تفتش عليها ولا قادر تعمل معاها حاجة. هذه ازدواجية واضحة جداً في المعاملة تفقد العمل عدالته وتجعل الناس تتساءل دائمًا: هل الوكالة عادلة أم لا؟
◄ بالحديث عن إسرائيل وتلك الازدواجية الفاضحة.. هل تتلقى الوكالة أوامر مباشرة من واشنطن لفرض تعتيم كامل على النووي الإسرائيلي؟
الأمر يعود قانونياً إلى أن إسرائيل ليست خاضعة لتفتيش الوكالة، صحيح أننا كمفتشين نذهب لمنشأة واحدة هناك تُدعى "نحال سوريك" بشكل صوري، كونها مفاعلاً أمريكياً أُنشئ قبل معاهدة الانتشار، لكن هذه زيارات شكلية بلا قيمة حقيقية، القيمة الحقيقية تكمن في مفاعل "ديمونة" الذي لم تطأه أقدام الوكالة طوال تاريخها، ونحن كمنظمة دولية لا نعلم شيئاً بشكل واضح عن إمكانات إسرائيل وأسلحتها.
الدور هنا سياسي بامتياز؛ إسرائيل تحتمي بكونها لم توقع معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية كدولة لا تملك أسلحة نووية، رغم أن العالم كله يدرك امتلاكها لترسانة هدد بها مسؤولوها أكثر من مرة؛ هددوا بها مصر وسوريا في حرب 1973، وهدد بها وزراء إسرائيليون متشددون غزة خلال السنتين الماضيتين حين قالوا إنه كان ينبغي استخدام القنابل الذرية لتدمير القطاع، وهناك تهديدات قائمة ضد إيران حتى الآن وهو احتمال وارد أيضاً.
لكن من يجرؤ على مواجهة إسرائيل في ظل الحماية الأمريكية المطلقة؟ بالأمس القريب، فشل مؤتمر معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك، ولم يصدر عنه أي قرار يجبر إسرائيل أو يدينها لكونها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط غير الموقعة على المعاهدة، مما يؤكد أنها تتمتع بحصانة كاملة من الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، والدول الغربية بالدرجة الثانية، حتى أصبحت اليوم قوة نووية هائلة تمتلك في رأيي الشخصي تقديراً يتراوح ما بين 200 إلى 300 رأس نووي.
◄ ولكن؛ هل يمكن لإسرائيل فعلياً استخدام هذا السلاح تدميرياً ضد جيرانها أو ضد إيران دون أن ترتد عليها آثار الغبار النووي والإشعاع بحكم القرب الجغرافي؟
هذه خدعة فنية يُروج لها لتبرير عدم الرد على إسرائيل إقليمياً، والادعاء بأنها مستحيل أن تضرب جيرانها خوفاً من التضرر بالإشعاع، والرد الفني البسيط؛ هل تأثرت طوكيو أو المدن اليابانية الأخرى حين ضُربت هيروشيما ونجازاكي رغم القرب الجغرافي؟ قطعاً لا؛ فالقنابل النووية تؤثر في محيط معين يمتد لبضعة كيلومترات، وحين نتحدث عن طهران، فهي تبعد عن إسرائيل نحو 2000 كيلومتر؛ فأين سيصل الإشعاع؟ هذا مجرد تبرير غير علمي لعدم قدرة دول المنطقة على الرد.
لقد كان الخطر النووي حقيقياً وشيكاً؛ ففي حرب 1973، وتحديداً ليلة الثامن من أكتوبر، كانت هناك 11 طائرة فانتوم إسرائيلية محملة بالقنابل الذرية وجاهزة للإقلاع لضرب مصر وسوريا، لو أن الجيش المصري واصل تقدمه وتجاوز منطقة الممرات، حيث كانت الطرق ستصبح مفتوحة تماماً نحو الحدود الإسرائيلية، ونفس الأمر لو أكمل الجيش السوري تقدمه عبر القنيطرة والجولان باتجاه تل أبيب.
اقرأ ايضا| مفتش دولي سابق: إيران تُخفي 500 كجم من اليورانيوم المخصب تحت الأرض استعدادًا للتصعيد
لولا التدخل الأمريكي العاجل بفتح الجسر الجوي لتعويض إسرائيل بالسلاح ووقف الهجوم، لكان استخدام النووي واقعاً في تلك الليلة. نحن نعيش في منطقة مهددة من دولة واحدة، وهذا هو الدافع الحقيقي وراء طموح دول المنطقة لامتلاك الطاقة النووية، بينما يعجز العالم حتى اليوم عن إلزام إسرائيل بمجرد التوقيع على المعاهدة.
◄ ذكرت يا دكتور مصطلح "الأسلحة النووية التكتيكية".. ما هي حقيقتها العلمية بعيداً عن اللغط الإعلامي؟
نعم، هي موجودة بالفعل، لكن بعض الإعلاميين يقدمونها بطريقة خاطئة؛ لقد استمعت مؤخراً لأحدهم يقول إنها ليست قنابل اندماجية بل نووية، علماً بأن الـ 13 ألف رأس التي يمتلكها الكبار هي قنابل اندماجية بالأساس ولا تندرج تحتها القنابل التكتيكية. القنبلة التكتيكية هي قنبلة نووية انشطارية في الغالب، وسُميت تكتيكية لأنك تستطيع التعامل بها للمسافات القريبة دون الحاجة إلى صواريخ باليستية عابرة لحملها، وتُستخدم في الحروب المحدودة، مثل ما يمكن للروس استخدامه في حرب أوكرانيا وقد هددوا بها فعلاً.
هذه القنابل محدودة المدى والمساحة التي تؤثر فيها، وفي أغلب الأوقات لا تستهدف هدم المباني والمنشآت بل تركز على إبادة الأفراد من خلال إطلاق غزارة من "النيوترونات" القاتلة؛ فهي قنابل نووية انشطارية تؤثر على النطاق الجغرافي الضيق الذي تُضرب فيه.
◄ بالانتقال إلى الملف الإيراني.. هل يعقل أن تعجز وكالة الطاقة الذرية عن حسم هذا الملف طيلة 20 عاماً كاملة؟
الفشل هنا نسبي ويعتمد على وجهة نظر من؛ فمن وجهة نظر أمريكا، الوكالة فشلت لأنها ما زالت تتهم إيران بوجود برنامج نووي عسكري لم تكتشفه الوكالة حتى الآن. ومن وجهة نظر ثانية مثل إيران أو المؤيدين لها يقولون: "هل أملك برنامجاً عسكرياً أصلاً لتكتشفوه؟". إيران هي أكثر دولة خضعت للتفتيش في تاريخ العالم؛ خُصص لها قسم مستقل في الوكالة يضم أكثر من 120 مفتشاً يتابعون الملف بصفة مستمرة، وإيران هي الدولة التي تستأثر بالحصيلة الأعلى من ميزانية وعدد مرات التفتيش وآلياته في العالم كله. وكان هناك نحو 10 مفتشين مقيمين من الوكالة هناك بصفة مستمرة يفتشون على كل الأماكن، حتى أنهم في بعض الأوقات كانوا يجرون تفتيشات مفاجئة على أماكن غير معلنة، وتحديداً في مصانع التخصيب.
ورغم كل هذا، هل قدمت الوكالة دليلاً مادياً حقيقياً واحداً يثبت أن إيران تخالف التعهدات وتبني برنامجاً عسكرياً؟ لا، لا يوجد. كل ما يستندون إليه ويخرجونه للإعلام هو ما يسمى "سوايب سامبل" (Swipe Sample) وهي عينات المسح البيئي، وتلك العينات لا يمكنها أبداً تأكيد وجود برنامج عسكري، لأننا نتعامل مع مايكروجرامات من التلوث الذي يمكن أن يأتي من أي شيء؛ من الأجهزة والمعدات أو حتى من المفتشين أنفسهم.
وبالتالي هذا ليس دليلاً مادياً قوياً يدل على أن إيران تمتلك شيئاً عسكرياً. لكن السؤال الحقيقي هو؛ هل تستطيع إيران من خلال برنامجها السلمي الحالي الخاضع للتفتيش أن تصنع سلاحاً نووياً؟ الإجابة: نعم، هذا ممكن تقنياً لو أنها أرادت ذلك وامتلكت القرار السياسي، ولكن هل اتُّخذ هذا القرار بالفعل أم لا؟ حتى الآن لا يوجد دليل.. وما حدث قبل الحرب الأولى في يونيو ومن قبل الحرب الثانية بعد ذلك هو موضوع آخر.
أما عن النصيحة التي كنت أريد توجيهها في هذا الصدد؛ الردع النووي أمر حيوي لحفظ السلام؛ فما الذي يمنع الهند وباكستان من ضرب بعضهما بعضاً حتى الآن؟ إنه الردع النووي المتبادل؛ كل طرف يدرك تماماً أن الآخر سيتسبب في تدميره لو بدأ بالهجوم، وهذا هو العامل الذي يحفظ السلام في تلك المنطقة. وإيران لو وصلت للسلاح النووي ستحدث توازناً حقيقياً في الشرق الأوسط، وهذا تماماً ما ترفضه أمريكا وإسرائيل، لرغبتهما في بقاء اليد العليا والسيطرة لإسرائيل وحدها في المنطقة.
◄ بحكم عملك السابق كرئيس قسم في الوكالة، هل اختراق الأرشيف النووي السري أمر ممكن ؟
مع الأسف، تحدث أحياناً تسريبات للمعلومات. وأنا إلى حد ما متأكد أن هذه التسريبات تتم عن طريق المفتشين بشكل شخصي، ولا أعتقد أن المفتش كمؤسسة هو من يفعل ذلك، ولكن التسريب يقع في النهاية. إيران اتهمت مدير الوكالة بصورة خاصة بأنه هو من سرب المعلومات، وأعلنت امتلاكها وثائق تثبت أن المعلومات المسربة وصلت إلى إسرائيل؛ حيث ذكرت طهران أنها عثرت على كنز من المعلومات والتقارير السرية المسربة من مدير الوكالة موجودة لدى الجانب الإسرائيلي، وحتى الآن لم يكشفوا عن تفاصيلها بسبب اندلاع الحرب مباشرة بعد ذلك، لكن هذه الاتهامات قائمة وموجودة فمحتمل جداً أن يكون حدث شيء من هذا القبيل.
والتسريب هنا لا يقتصر فقط على الجوانب العسكرية أو صناعة القنابل الذرية، بل يمتد إلى نواحي تجارية واقتصادية؛ فأنت تكشف في هذه التقارير عن تصميمات المفاعلات بدقة، وأبعادها، والوقود المستخدم فيها، ودرجات تخصيبه، وكل هذه معلومات تجارية حساسة للغاية تحرص الشركات والدول على سريتها التامة وعدم نقلها. هذه البيانات تُبعث للوكالة، والوكالة تمتلك أرشيفاً يُفترض أنه يخضع لتفتيش وحراسة دقيقة جداً؛ وهي غرف مخازن مخصصة للمعلومات والوثائق سواء كانت ورقية أو رسومات هندسية أو معلومات إلكترونية، وتخضع لرقابة مشددة.
وحين كنت رئيساً للقسم، كنت إذا أردت دخول هذه الغرف والاطلاع على أي وثيقة أو رسم بياني، يتوجب عليّ إبلاغ الحرس أولاً بالهدف من الدخول، وأظل تحت المراقبة اللصيقة من الموظف المسؤول ليتأكد من قراءتي للورق وإعادته لمكانه، ولا يمكنني أخذ نسخة إلا بإشراف رقابي صارم. إذن، هناك حراسة مشددة مفترضة لأن الوكالة تتدفق إليها معلومات هائلة الحساسية.
من ناحية أخرى، فإن النتائج التي تخرج من التفتيش الميداني يصيغها المفتشون في تقارير ويسلمونها للوكالة، ويتم التعامل مع هذه التقارير خطوة بخطوة للوصول إلى النتيجة؛ فإذا رصد المفتش أمراً غريباً أو غير طبيعي في المنشأة، يُعقد فوراً اجتماع لتقدير مدى أهمية هذه المعلومة. هذا النظام ينطوي على حساسيات معقدة جداً لأن المفتش بطبيعة عمله ينقل كل ما يراه.
◄ ختاماً دكتور يسري.. لو وضعنا عمل قسم الضمانات والمراقبة بالوكالة في ميزان المصداقية.. كم تمنحه نسبة مئوية؟
إذا استثنينا الأقسام الأربعة الأخرى وتحدثنا عن القسم الأهم وهو الضمانات والمراقبة؛ فإن لهم دوراً كبيراً ومقدراً في ردع طموحات الدول النووية، وإن لم يكن بنسبة مئة بالمئة بدليل أن العراق كان يبني برنامجاً عسكرياً وهو تحت التفتيش المستمر.
وعلى مستوى المفتشين في الميدان، أستطيع القول إن 90% منهم يتمتعون بالمصداقية وينقلون ما يرونه في تقاريرهم بأمانة؛ لكن حين نصل إلى الصياغة النهائية لتقارير الوكالة تجاه دول معينة، فالأمر يصبح مسيساً بلا شك. لذا، من الصعب جداً منح نسبة مئوية دقيقة وشاملة للمصداقية في هذا الجانب الحساس.