صناعة القدوة

المستشار طاهر الخولى وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب

الجمعة، 05 يونيو 2026 - 08:14 م

أخبار اليوم

بين ضجيج «الترند» وسرعة التكنولوجيا، تغيرت قواعد التأثير فى الأجيال المصرية الجديدة؛ فلم تعد الخطب الطويلة تصنع قدوة، ولا الشعارات وحدها تبنى وعيًا، بل أصبحت النماذج الحية هى اللغة التى يفهمها الشباب ويثقون بها، لذلك يواجه المجتمع المصرى اليوم تحديًا حضاريًا وتربويًا بالغ الأهمية: كيف ننقل قيم الأصالة والتراحم والمسئولية إلى جيل يمتلك أدوات ورؤية مختلفة تمامًا عمن سبقوه؟ الإجابة لا تكمن فى تكرار النصوص أو استدعاء قصص النجاح الخيالية، بل فى فهم سيكولوجية هذا الجيل الذى يبحث عن الإنسان الحقيقى الذى يجتهد، ويتعثر، ثم ينهض من جديد، وهنا تحديدًا تبرز قيمة «القدوة الحية». لقد أحدثت التحولات التكنولوجية المتسارعة تغييرًا جذريًا فى أسلوب التربية وصناعة الوعى، فلم تعد الأخلاق مجرد موروث نظرى يُلقّن، بل أصبحت ممارسة يومية يراها الشباب ويقيسون أثرها فى الواقع، ولأن هذا الجيل محكوم بمنطق «أرنى.. لا تعظنى»، فمن هنا تتجلى أهمية القدوة الإيجابية الحية الذى يقدمها اللاعب محمد صلاح، ليس فقط باعتباره لاعب كرة قدم عالميًا حقق نجاحات استثنائية، بل لأنه نجح فى الإجابة عن سؤال ظل يؤرق كثيرًا من شباب هذا الجيل: كيف يمكن أن أصل إلى العالمية دون أن أفقد هويتى؟ وكيف أحقق النجاح دون أن أتخلى عن قيمى وجذورى؟ لقد أعاد «صلاح» تعريف مفهوم النجاح فى وجدان الجيل؛ فالنجاح لديه ليس موهبة فقط، بل انضباط يومى، واحترام للوقت، والتزام بالتطوير المستمر للذات، وفى عصر الاستعراض الرقمى والبحث المحموم عن الشهرة السريعة، التى نعيشها يوميًا، يقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على الإنجاز الحقيقى، بعيدًا عن الضجيج والمبالغة. كما يقدم صلاح درسًا مهمًا فى الذكاء القيمى والاتزان النفسى؛ فمن خلال ضبط النفس، والترفع عن المعارك الصغيرة، والابتعاد عن الاستفزازات، فهو يمنح الشباب نموذجًا عمليًا لعزة النفس والاعتزاز بالهوية المصرية والانفتاح على العالم فى الوقت نفسه، دون تعصب أو انغلاق. فالمسئولية تفرض علينا إعادة النظر فى دور الإعلام وصناعة الوعى، فالإعلام التقليدى كثيرًا ما يقع فى فخ السطحية، حين يركز على بعض النماذج السلبية التى تسعى إلى الشهرة السريعة، الحقيقة الغائبة أن جيل اليوم لا يريد إعلامًا يكتفى بالاحتفاء بالبطل بعد نجاحه، بل يريدون أن يفهموا كيف تعامل مع الفشل، وكيف تجاوز الإحباط، وكيف حوّل العقبات إلى فرص للنمو والتقدم. إن «أنسنة النجاح» هى الجسر الحقيقى بين القدوة والشباب؛ فحين يرى الشاب أن الشخص الناجح مرّ بلحظات ضعف وإخفاق، ثم استطاع تجاوزها بالإصرار والعمل، يصبح النجاح هدفًا ممكنًا لا حلمًا بعيد المنال، كما أننا بحاجة إلى استراتيجية إعلامية جديدة تصنع «ترند» القدوة الإيجابية، بدلًا من منح المساحات الأكبر لنماذج العنف والبلطجة والسلوكيات السلبية. نحن بحاجة إلى إبراز العلماء والمبتكرين ورواد الأعمال الاجتماعيين والمتميزين فى مختلف المجالات، لكى نصل إلى جيل التكنولوجيا، يجب تحويل قصص هؤلاء إلى محتوى رقمى تفاعلى وقصص ملهمة تخاطب عقولهم بلغتهم البصرية السريعة، بعيدًا عن أسلوب الخطب التقليدية.