من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
الجمعة، 05 يونيو 2026 - 09:40 م
كرم جبر
من رحم الهزيمة يولد النصر، هكذا بدأت الصمود العظيم فى الأول من يوليو ١٩٦٧، بعد أسابيع قليلة من نكسة ٥ يونيو، حين ظنت إسرائيل أن الطريق بات مفتوحاً لانتهاك الكرامة المصرية، ولكن عند قطاع بورفؤاد، وتحديداً فى «معركة رأس العش»، تبدلت الحسابات تماماً.
قوة صغيرة من الجنود المصريين تتصدى لزحف الدبابات والمشاة الميكانيكية الإسرائيلية، وتلقن العدو درساً مبكرًا فى الصمود، وتجبره على التراجع، معلنة بقاء بورفؤاد تحت السيادة المصرية، بفضل بطولات قادها أبطال أشداء، حُفرت أسماؤهم فى وجدان الوطن.
حرب الاستنزاف لم تكن مجرد اشتباكات عابرة، بل بوابة العبور الحقيقية والبروفة الرسمية لمعركة استرداد الكرامة، وأثبت المصريون للعالم، أن نكسة يونيو لم تكن سوى حادث عابر فى مسيرة كفاحهم الطويل، وحوّل فيها الجيش والشعب الألم اليومى، إلى وقود لمعركة التحرير، مؤكدين أن الجسد المصرى قد ينزف لكنه لا ينكسر.
الأرض لم تكن وحدها تغلى، وانتفضت مياه البحر الأبيض المتوسط فى أكتوبر ١٩٦٧، لتكتب فصلا جديدا فى قصة الكبرياء، حين دمرت الصواريخ البحرية المصرية المدمرة الإسرائيلية «إيلات»، وحولتها إلى حطام فى قاع البحر، وكانت الرسالة حاسمة، لا أمان للعدو فى بر أو سماء أو بحر، وأن الثأر قادم لا محالة.
وتلاقت ملاحم البطولة مع تضحيات القيادة على خط النار، وحين استشهد الفريق أول عبد المنعم رياض فى ٩ مارس ١٩٦٨، وسط جنوده فى قطاع الجيش الثانى الميداني، كان ذلك إنذار شديد اللهجة لإسرائيل، بأن مصر لن تبخل بخيرة رجالها، حتى يتحرر كامل ترابها الوطنى.
نحن لا نتذكر النكسة لنبكى على الأطلال، بل لنستوعب الدروس، فالشعوب العظيمة هى التى تصنع من انكساراتها انتصارات، وكانت يونيو جولة فى صراع طويل، انتهى بعبور العقدة النفسية وتحرير سيناء حرباً وسلماً.
ولأن الحرب والتفاوض وجهان لعملة واحدة، أثبتت مصر أن المنتصر الحقيقى هو من يفرض شروطه فى قاعات الدبلوماسية، بقدر ما حققه من بطولات فى جبهات القتال، لتظل القضية الفلسطينية حية فى قلب هذا الصراع، تخرج من غياهب النسيان، لتذكر العالم بأن الاستقرار فى الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بحل عادل وشامل.
فى الأوقات الصعبة مثل التى نمر بها اليوم، نحن فى أشد الحاجة لاستدعاء روح التحدى، وذكريات الشعب الصامد الذى ربط الحزام، واقتطع من قوت يومه ليبنى جيشه ويستعد ليوم الحساب، ونذكر الأجيال الجديدة بأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالدم والتضحية والعمل الجاد، فالأمم لا تُقاس بكم خسرت من معارك، بل بكيف تنهض وتنتصر.
الشعوب التى تتعلم من انكساراتها هى التى تستحق الحياة، وستبقى القوات المسلحة الدرع والسيف، والحصن المنيع الذى يحفظ سلامة الوطن ويبدد المؤامرات، ليظل النصر حقيقة متجددة والكبرياء راية لا تسقط.