التدين الرقمي من الشيوخ إلى الشاشات.. فـتـاوى الـ«AI» تثير الجـدل

صورة تعبيرية

السبت، 06 يونيو 2026 - 05:19 ص

آخر ساعة

فى السنوات الأخيرة لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة للبحث أو تلخيص المعلومات، بل بدأ يتسلل تدريجيًا إلى مناطق أكثر حساسية وتعقيدًا فى حياة المستخدمين، مثل تفسير الأحلام وشرح الأحاديث والإجابة عن الأسئلة الوجودية والنفسية، وحتى تقديم تصورات دينية تبدو للكثيرين مقنعة وواثقة، ومع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعى داخل محركات البحث، مثل محرك البحث الأشهر جوجل، ومنصات المحادثة، برزت ظاهرة لافتة، وهى تحول خوارزميات جوجل AI بهدوء، وبدون إعلان مباشر، إلى وسيط جديد لفهم المعنى والدين والقلق الإنسانى. لم يعد المستخدم يسأل الآلة فقط عن الطقس أو الأخبار أو المعلومات العامة، بل بات يسألها عن مصيره، وعن دلالة حلم رآه، وعن تفسير حديث شريف، بل وعن الإجابة التى كان يلجأ سابقًا من أجلها إلى شيخ أو معالج نفسى أو مرجع متخصص، وهنا يبرز السؤال الأكثر عمقًا: كيف أصبح الذكاء الاصطناعى مرجعًا دينيًا ونفسيًا دون أن يعلن ذلك صراحة؟ هذه الظاهرة لا تتعلق فقط بالتطور التقنى، بل بتحول أعمق فى مفهوم االسلطة التفسيريةب داخل العصر الرقمى، فالإجابات التى تقدمها نماذج الذكاء الاصطناعى لا تأتى من فراغ، بل تُبنى على بيانات تدريب ضخمة وسياسات تقنية وآليات فلترة وتوجيه تضعها شركات التكنولوجيا العملاقة، ومع اتساع اعتماد المستخدمين على هذه النماذج يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث عندما تتحول شركات التقنية إلى وسيط غير مباشر لفهم الدين والمعنى النفسى والروحى؟ ومن يحدد طبيعة الإجابات التى يتلقاها المستخدم؟ وما نوع البيانات التى تدربت عليها هذه النماذج أو الأدوات؟ وهل يمكن أن تحمل هذه الإجابات انحيازات ثقافية أو دينية أو مذهبية دون أن يدرك المستخدم ذلك؟ ومن يقرر ما الذى يمكن للذكاء الاصطناعى قوله، وما الذى يجب أن يمتنع عن قوله؟ نحاول الاقتراب من هذه الأسئلة عبر تتبع الظاهرة نفسها، كيف نشأت؟ ولماذا تبدو إجابات الذكاء الاصطناعى مقنعة إلى هذا الحد؟ وكيف تمنح اللغة الواثقة والتفاعل السلس انطباعًا بالمعرفة والسلطة؟ كما يتوقف التحقيق عند التناقضات والأخطاء التى قد تظهر فى تفسيرات تقدمها نماذج مختلفة للسؤال نفسه، قبل الانتقال إلى السؤال الأهم: من يقف فعلًا خلف هذه الإجابات التى بات ملايين المستخدمين يتعاملون معها بوصفها مصدرًا للفهم والتفسير؟ وبين الثقة التقنية والحاجة الإنسانية إلى المعنى، يفتح هذا الملف واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا فى زمن الذكاء الاصطناعى: هل أصبح الإنسان المعاصر يمنح الخوارزمية دور االسلطة التفسيريةب دون أن ينتبه؟ الدكتور محمد العربى أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو المنظمة العالمية للأزهر الشريف يقول إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى تفسير الأحلام أو إصدار الفتاوى لا يمكن اعتباره مصدرًا موثوقًا أو نهائيًا، موضحًا أن عملية الإفتاء فى الأساس تقوم على الاجتهاد وفهم الواقع والمقاصد الشرعية، وهى أمور ـ بحسب وصفه ـ لا تستطيع الخوارزميات تحقيقها. ويضيف أن المفتى الحقيقى لا يكتفى بحفظ النصوص أو جمع المعلومات، بل يجب أن يكون عالمًا وأمينًا ومدركًا للمتغيرات والمستجدات وطبيعة السائل نفسه، لأن نمط شخصية السائل يتوقف عليه جزء من طبيعة الفتوى. جناح طائر وفيما يتعلق بتفسير الأحلام يحذر من تحويل الرؤى إلى مادة جاهزة للإجابة الآلية، مستشهدًا بالحديث الشريف: االرؤيا على جناح طائر متى أُوِّلت وقعتب، معتبرًا أن تفسير الأحلام لا يجوز أن يُترك لخوارزمية لا تملك العلم أو الأمانة أو القدرة على فهم السياق الإنسانى والدينى لصاحب الرؤيا، كما أنها لا تمتلك مهارة كشف وتتبع المعلومات المغلوطة والمضللة. أخطاء تاريخية ويشير العربى إلى أنه رصد بنفسه أخطاء وصفها بـاالجسيمةب أثناء استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى فى موضوعات تتعلق بالإعجاز العلمى والتاريخ الإسلامى، موضحًا أن بعض النماذج قدمت له تواريخ غير صحيحة ابطريقة مندسة داخل نصوص صحيحةب تتعلق بفتح مصر والهجرة الإسلامية. ويقول إن الخطورة لا تكمن فقط فى الخطأ نفسه، بل فى الطريقة التى تُقدم بها الإجابة، إذ تبدو للمستخدم اواثقة ومقنعةب، وهو ما قد يدفع غير المتخصصين، خصوصًا الشباب، إلى التعامل معها باعتبارها معلومات موثوقة، بل ويقومون ببناء نتائج فكرية أو دينية عليها.  النص الدينى ويحذر من اتساع الفجوة اللغوية والمعرفية لدى الأجيال الأصغر سنًا، معتبرًا أن بعض المستخدمين قد لا يتمكنون من التمييز بين النصوص الحقيقية والصياغات المصطنعة إذا قدمت إليهم بلغة دينية أو بلاغية مقنعة. ويضيف: اإذا استمع شاب إلى كلام منمق وقيل له إنه من القرآن فقد يصدقه، لأنه لم يعد يمتلك أدوات الفرز اللغوى والمعرفى الكافية لاكتشاف الجملة المدسوسة داخل النص الحقيقىب. ولا يقتصر القلق ـ بحسب حديثه ـ على أخطاء المعلومات فقط، بل يمتد إلى طبيعة الجهة التى تنتج هذه الإجابات أصلًا، والبيانات التى تدربت عليها هذه النماذج الأجنبية، وما إذا كانت تحمل انحيازات ثقافية أو دينية أو مذهبية تؤثر على المحتوى المقدم للمستخدم العربى والمسلم. ويستشهد بقول الله تعالى: افاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمونب، موضحًا أن كلمة اأهلب تعنى كل ذى عقل وهيئة علمية أو جماعة علمية، ولا يُقصد بها مطلقًا أدوات أو تكنولوجيا. ويطرح تساؤلًا حول دور الحكومات والمؤسسات العلمية العربية والإسلامية فى إنشاء قواعد بيانات ومنصات ذكاء اصطناعى تستند إلى التراث العربى والإسلامى، بدلًا من ترك المجال بالكامل إلى نماذج أجنبية لا تعكس بالضرورة الخصوصية الثقافية والدينية للمنطقة. ويجب أن نتحد لإنشاء وخلق ما يشبه القواعد الضخمة للذكاء الاصطناعى، بقواعد ضخمة خاصة بالتراث العربى والإسلامى الذى لم يترك شاردة أو واردة إلا حكاها، وكأننا نعيش العصر العباسى والأموى، بل والعصر الإسلامى كله. فإقحام الذكاء الاصطناعى فى كل المسائل الحياتية والدينية أمر غير مباح، وظاهرة قراءة الأحاديث عن طريق تحويل النصوص إلى فيديو يتحكم فى إنتاجه وإخراجه الذكاء الاصطناعى، تخلق جملًا وكلمات مخالفة لمقصود المتحدث، وتسبب ضياع ضبط الكلم فى الحديث الشريف.  أمن قومى ويذهب العربى إلى أن الفوضى الرقمية المتعلقة بالمحتوى الدينى تتطلب ـ من وجهة نظره ـ تدخلًا تنظيميًا وقانونيًا أكثر وضوحًا، معتبرًا أن المعلومات الدينية يجب أن تُعامل باعتبارها جزءًا من الأمن القومى الفكرى والثقافى. ويرى أن دور المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية لها دور استشارى فقط، وينبغى الآن أن يمتد دور الحكومات بعقولها المختلفة وصفوة المفكرين فيها وصفوة العلماء إلى وضع ضوابط واضحة لتنظيم المحتوى الدينى المنشور عبر المنصات الرقمية، حتى لا تتحول الفتاوى والمعلومات الدينية إلى مساحة مفتوحة للفوضى أو التضليل. ورغم انتقاده الواسع لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى الفتوى والتفسير الدينى، فإنه يميز بين الاستخدام االمباحب والاستخدام االمحظورب، موضحًا أن الاستفادة من هذه الأدوات فى التوثيق وتصنيف الأبحاث وخدمة الباحثين أمر مقبول، بشرط أن يبقى تحت إشراف أشخاص مؤهلين علميًا. ويختتم حديثه قائلًا: كما لا يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعى وحده لإجراء عملية جراحية أو تصميم هندسى كامل، فينبغى أيضًا عدم الاعتماد عليه فى إصدار الفتاوى والأحكام الدينية بهذه الطريقة... وكما يتم حجب المعلومات العلمية لغير المختصين، يجب أن يتم حجب الفتاوى وتفسيرات الأحلام والأحاديث الشرعية عن عموم الناس ولغير المختصين.   اقرأ  أيضا: خالد الجندي: عصر «التزييف الرقمي» يفرض علينا حسن الظن