الدبلوماسى والبواب

عمرو جلال

السبت، 06 يونيو 2026 - 06:25 م

عمرو جلال

إذا وقعت فى ضائقة مالية، فلا تذهب إلى باريس أو نيويورك أو طوكيو لتشكو حالك أو تبحث عن الفرج. مؤشر قياس الكرم والعطاء على مستوى العالم يؤكد أن الكرم لا علاقة له برصيد البنك، بل برصيد آخر مختلف.. التقرير السنوى للمؤشر الذى صدر منذ أيام يقول إن الفقير فى الدول منخفضة الدخل يتبرع بضعف ما يجود به الغنى فى الدول المتقدمة وفى بعض الأحيان ثلاثة أضعاف عند قياس التبرع كنسبة مئوية من دخل الفرد!! فى المؤشر تربع السُّمر «الجدعان» فى قارتنا الإفريقية على عرش السخاء العالمي، واحتلت القارة السمراء المركز الأول كأكرم قارات الأرض. وجاءت نيجيريا فى المركز الأول عالميًا، تلتها غانا ثم مصر المحروسة فى المركز الثالث بنسبة تبرع بلغت ٢.٣% من دخلهم وهى نسبة قريبة جدًا من نسبة الزكاة ٢.٥%.. أما فى التبرعات المباشرة للمحتاجين، فقفزت مصر إلى المركز الثانى بنسبة ١.١% من الدخل، وهو رقم له دلالة قد تشير إلى تراجع ثقة بعض الناس فى الجمعيات الخيرية، أو على الأقل إلى رغبتهم فى أن تصل صدقاتهم مباشرة إلى من يعرفون حاجتهم بأعينهم وهو ما يبرر أيضا انتشار ظاهرة المتسولين المدعين فى شوارعنا.. التقرير لم يدهشني، فالمواطن المصرى بطبعه مستعد أن يقتسم «اللقمة» الحاف مع عابر سبيل، ثم يجلس ليحمد الله. فى المقابل، كشف التقرير عن بخلٍ «فاخر» يعيش فى عواصم الضباب والعطور فالأوروبيون الذين يصدعون رءوسنا بحقوق الإنسان، تبرعوا بنسبة لا تتعدى 0.64%، وجاءت دول مثل فرنسا وألمانيا وفنلندا فى ذيل القائمة، بينما فى قعر القائمة جاءت اليابان بنسبة 0.16% فقط لا غير! ويبدو أن أبناء الساموراى احتفظوا بالجلدة وباعوا للعالم السوشي!! الخلاصة.. إذا وقعت فى ضائقة مالية، فلا تذهب إلى باريس أو نيويورك أو طوكيو لتشكو حالك أو تبحث عن الفرج بل اذهب إلى حارة فى «مصر» أو قرية فى «نيجيريا» هناك فقط ستجد من يقتسم معك عشاءه، وهو يبتسم لك.. وبسبب الأزمة الاقتصادية رصد مؤشر الكرم والعطاء تراجعا طفيفا فى نسبة المتبرعين عالميًا إلى 61% مقارنة بـ 64% فى تقرير 2025، مع استمرار القارة الإفريقية فى صدارة القارات الأكثر سخاءً بنسبة 1.6% من الدخل.. وواضح أن الفقراء يعطون أكثر من الأغنياء. وهى ظاهرة موثقة اجتماعيا تسمى «مفارقة الكرم» فالأقرب إلى الألم أكثر تعاطفًا.. المؤشر يرصد أن الناس يكونون أكثر سخاءً عندما يشعرون بأنهم جزء من مجتمع ما. فالأشخاص الذين يشعرون بانتماء قوى لمجتمعهم ودينهم هم أكثر عرضة للعطاء، ويعطون أكثر بكثير. أحد الدبلوماسيين الأجانب المقيمين فى القاهرة أخبرنى ذات مرة أنه يتعجب كل يوم من بواب عمارته.. رجل بسيط، أب لخمسة أطفال، يتقاسم مع زوجته وأبنائه غرفة واحدة فى بدروم البناية. لا يملك ما يملكه كثيرون، ومع ذلك، كل يوم يمر يجد الدبلوماسى البواب يُحييه بابتسامة لا تفارق وجهه وشنب مشذب وجلباب نظيف.. ابتسامة حقيقية لا تصطنعها الكاميرات ولا منصات الإيه آى، والأكثر من ذلك شاهده مرة يُخرج من جيبه أموالا ليضعها فى يد سيدة تسأل بعض المال!! سألنى الدبلوماسى كيف يكون هذا الرجل سعيدًا؟! الرجل لا يملك ما يملكه من عاشرهم من الأثرياء! أصدقاء يسكنون الفيلات ويقودون السيارات الفارهة، ولم ير الابتسامة على وجوههم يوما.. تعساء دائمًا، يشكون من كل شيء وعندهم كل شيء. سر العراق طالما تساءلتُ عن سر ذلك الانجذاب العجيب بين قلبين عربيين كبيرين؛ فأهل العراق يذوبون شوقًا نحو مصر، والمصريون يحنّون إلى بغداد والبصرة وكأنهم منجذبون إلى أصل قديم غامض. وظلّت هذه الحيرة ترافقنى حتى قرأت كلمات المفكر الجغرافى العبقرى الدكتور جمال حمدان فى كتابه الأشهَر «شخصية مصر». تحدَّث حمدان عن رابط عميق وغير مباشر يجمع بين الشعبين فكلاهما نبت على ضفاف التاريخ، وعجنته المياه والطمى والصبر. وإذا كانت مصر هبة النيل، فإن دجلة والفرات هما هبة العراق. هما حضارتان شربتا من النهر فتشابهت روحاهما فى الكرم والعطاء والتعلق بالأرض، حتى تعارفت القلوب بينهما قبل أن تتعارف الأجساد. وخير شاهد على هذا الرابط الأصيل، صديقى العراقى «مراد» وزوجته «زينة»، اللذان عاشا فى مصر وعشقا تفاصيلها. ورغم ظروف قذفت بهما بعيدًا نحو الهجرة لأمريكا، إلا أن قلبيهما لا يزالان يعيشان فى شوارع القاهرة ومع ناسها. هما ينويان العودة يومًا ليفيا بوعد الحب، وأنا على يقين أن القاهرة تنتظرهما بذات الدفء الذى ينتظر به كل مصرى أشقاءه من بلاد الرافدين فهؤلاء الناس معطاؤون بفطرتهم، والعطاء دائمًا يعرف العطاء.