لبنان.. اختبارات صعبة أمام الاتفاق الهش لوقف المواجهات

آثار إحدى الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان

السبت، 06 يونيو 2026 - 07:15 م

الأخبار

محمد الزهيرى أقيمت الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل وخرجت بمؤشرات على إمكانية تحقيق تقدم فى مسار التهدئة بين الجانبين، لكنها فى الوقت نفسه كشفت حجم التحديات الكبيرة التى ما زالت تعترض طريق أى اتفاق دائم سواء بسبب استمرار العمليات العسكرية على الأرض أو نتيجة الخلافات السياسية داخل لبنان ومستقبل الدور الذى يلعبه حزب الله فى الجنوب. وانتهت المحادثات التى جرت برعاية الولايات المتحدة بالإعلان عن اتفاق جديد لتنفيذ وقف لإطلاق النار فى خطوة اعتبرتها واشنطن محاولة لاحتواء المواجهات المستمرة منذ أشهر على الجبهة اللبنانية، وجاء الاتفاق بعد جولة تفاوض استمرت يومين وشارك فيها وفدان من لبنان وإسرائيل وسط جهود أمريكية لتقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف للوصول إلى تفاهمات أوسع خلال الفترة المقبلة.. ووفقا للبيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية فإن الاتفاق يقوم على وقف إطلاق النار، لكنه يرتبط بشرط أساسى وهو الوقف الكامل لإطلاق النار من جانب حزب الله بالإضافة إلى انسحاب جميع عناصره من منطقة جنوب الليطانى، كما تضمن الاتفاق إنشاء مناطق أمنية جديدة يتولى الجيش اللبنانى السيطرة الكاملة عليها مع استبعاد أى جهات مسلحة غير تابعة للدولة. ورأت الأطراف المشاركة فى المفاوضات أن هذه الخطوات يمكن أن تمهد الطريق أمام اتفاق أشمل يتعلق بالأمن والاستقرار فى المنطقة، كما اتفق الجانبان على مواصلة المفاوضات المباشرة خلال الفترة المقبلة لمعالجة الملفات العالقة وبحث سبل الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً. وسياسيا، يمثل الاتفاق تقدما مقارنة بالمحاولات السابقة التى لم تنجح فى وقف المواجهات أو تثبيت التهدئة على الحدود، كما أنه يعكس رغبة أمريكية واضحة فى دفع المسار التفاوضى إلى الأمام خاصة مع استمرار التوترات فى المنطقة وارتباط الملف اللبنانى بتطورات إقليمية أوسع. لكن بالرغم من ذلك فإن المشهد على الأرض يختلف إلى حد كبير، فبعد ساعات قليلة من انتهاء المفاوضات استمرت الغارات الإسرائيلية على مناطق فى جنوب لبنان كما أعلن الكيان الصهيونى أنه سيواصل عملياته العسكرية ولن يسحب قواته من المناطق التى يسيطر عليها حالياً، وأسفرت الغارات عن سقوط قتلى وجرحى كما أصدر الجيش الإسرائيلى إنذارات لسكان عدد من البلدات والقرى فى جنوب لبنان لإخلائها وهو ما تسبب فى موجات نزوح جديدة وزاد من المخاوف بشأن تطبيق الاتفاق أو قدرته على الصمود. وفى المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عمليات ضد قوات إسرائيلية فى الجنوب مؤكداً استمرار المواجهة العسكرية وهو ما أظهر أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع فعلى على الأرض، حيث يبدو أن أحد التحديات الكبرى أمام الاتفاق يتمثل فى موقف حزب الله نفسه فالحزب لم يكن طرفاً مباشراً فى المفاوضات التى جرت فى واشنطن، لكنه الطرف المعنى بتنفيذ أحد أهم بنود الاتفاق المتعلقة بوقف إطلاق النار والانسحاب من جنوب الليطانى. وقد أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفضه للاتفاق، ووجه انتقادات حادة للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل معتبراً أنها لا تحقق المطالب اللبنانية الأساسية، كما شدد على أن الحزب يطالب بوقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلى كامل من الأراضى اللبنانية مؤكداً استمرار المقاومة ما دام الاحتلال قائماً فى موقف يعكس حجم الانقسام داخل الساحة اللبنانية بشأن كيفية التعامل مع الأزمة الحالية، فبينما ترى الحكومة أن التفاوض يمثل الطريق الأقل كلفة للخروج من دائرة الحرب، تنظر قوى أخرى داخل لبنان إلى الاتفاق باعتباره غير كافٍ ما دام لا يتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً ووقفاً شاملاً للعمليات العسكرية. وجاءت تصريحات رئيس الوزراء اللبنانى نواف سلام بعد يوم واحد من سريان الاتفاق لتعكس موقف الحكومة من المفاوضات، فقد أكد أن لبنان اختار طريق التفاوض لأنه الأقل كلفة على البلاد وعلى المواطنين، وأشار إلى أن سكان الجنوب يدفعون ثمن حرب لم يختاروها وقرارات لم يشاركوا فى اتخاذها، وأوضح سلام أن المفاوضات ما زالت مستمرة لكنه شدد فى الوقت نفسه على أن التفاوض وحده لا يكفى طالما استمرت العمليات العسكرية على أرض الواقع، كما دعا اللبنانيين إلى تغليب المصلحة الوطنية والعمل من أجل حماية البلاد من مزيد من الخسائر. ولم تقتصر رسائل رئيس الوزراء اللبنانى على الداخل فقط بل امتدت إلى الخارج أيضاً، حيث وجه انتقادات لإيران ودعاها إلى عدم التعامل مع الجنوب اللبنانى باعتباره ورقة تفاوض فى صراعات إقليمية أخرى وأكد أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لتبادل الرسائل بين القوى المتنافسة أو ميداناً لحروب الآخرين. وتكشف هذه التصريحات حجم الضغوط التى تواجهها الحكومة اللبنانية فى هذه المرحلة، فإلى جانب استمرار المواجهات العسكرية تجد الدولة نفسها أمام انقسام سياسى داخلى بشأن الاتفاق فضلاً عن التأثيرات الإقليمية المرتبطة بالدور الإيرانى وعلاقة طهران بحزب الله. وفى غضون ذلك ظهرت بعض المؤشرات التى تعكس وجود محاولات للبحث عن حلول وسط، فقد أشار رئيس مجلس النواب اللبنانى نبيه برى إلى إمكانية بحث انسحاب حزب الله من جنوب الليطانى بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى اللبنانية ووقف شامل لإطلاق النار، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتقريب المواقف وإيجاد أرضية مشتركة يمكن البناء عليها فى المرحلة المقبلة.. لكن مع ذلك فإن نجاح الاتفاق ما زال مرتبطا بعدة عوامل أبرزها قدرة الأطراف على الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وإمكانية وقف العمليات العسكرية المتبادلة بالإضافة إلى نجاح الجهود السياسية فى معالجة الخلافات القائمة داخل لبنان وحول مستقبل الوضع الأمنى فى الجنوب، كما أن ارتباط الملف اللبنانى بالتطورات الإقليمية يجعل فرص النجاح أو الفشل مرتبطة بعوامل تتجاوز حدود لبنان نفسها خاصة فى ظل الحديث عن دور إيران وتأثير المفاوضات الجارية بينها وبين الولايات المتحدة على مسار الأحداث فى المنطقة. فى نهاية الأمر، يرى مراقبون أن الجولة الأخيرة من المحادثات فى واشنطن حققت تقدماً سياسياً مهماً من خلال التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار واستمرار الحوار المباشر بين لبنان وإسرائيل، إلا أن هذا التقدم لا يزال يواجه اختبارات صعبة تجعل مستقبل التفاهمات السياسية الحالية غير مضمون.