قيادات مأزومة 2| الرئيس الإيرانى.. التغريد خارج السرب والمطالبة بالمكاشفة
جانب من الاحتجاجات الشعبية فى يناير الماضى
السبت، 06 يونيو 2026 - 07:25 م
الأخبار
ياسمين هانى
يبدو أن مصير العالم مرتبط بثلاثة أشخاص مع تباين فى قدرات كل منهم ودورهم فى تسيير الأمور فى الأزمة الأخيرة التى خرجت من إطارها الثلاثى بين إيران وأمريكا وإسرائيل وهم الرئيس الأمريكى ورئيس الوزراء الإسرائيلى وإلى حد ما الرئيس الإيرانى مع شعور عام بحجم التعقيد المحيط بالملف وصعوبة تحديد مساراته من كل منهم.
ولعل الرئيس ترامب هو صاحب الدور الأهم الذى يعيش وسط ضغوط لم يتعرض لها رئيس أمريكى من قبل، بعد أن اتخذ قرارا غير مسبوق بالهجوم على إيران على عكس مسار العلاقات المأزومة بين البلدين طوال أكثر من أربعة عقود، بدون دراسة لكافة أبعادها ودون الاهتمام بآراء حتى المحيطين به من كبار المسئولين فى إدارته على قناعة بأن خوض الحرب سهل وسيتم حسمها خلال أسابيع قليلة فقط خاصة أنه كان يعيش فى أجواء ما حققه فى فنزويلا الذى نجح فى تغيير نظامها فقط باستهداف رئيسها وإلقاء القبض عليه دون إدراك بأن إيران لم تكن ولن تكون فنزويلا.
لم يكتف ترامب بذلك فطرح مجموعة من الأهداف المستحيلة بسقف عال حيث فرضت عليه تطورات الأزمة التراجع وأصبحت كل أحلامه أن يتوصل إلى اتفاق متقدم وأفضل من اتفاق ٢٠١٥ الذى تم التوصل إليه فى عهد أوباما كما أنه يحاول إثبات أنه أفضل من سابقه بايدن وأنه مختلف عن كل رؤساء أمريكا السابقين، ومع مرور الوقت اكتشف أنه يخوض المعركة وحيدا دون مساعدة من أقرب حلفائه فى أوروبا، مع تزايد الرفض الداخلى للحرب ولعل التصويت فى مجلس النواب الأخير عكس أزمة ثقة بين الكونجرس والبيت الأبيض خاصة أن رفض منح ترامب لم يعد مقصورا على الديمقراطيين فقط بعد أن انضم إليهم أربعة نواب من الجمهوريين.
أما نتنياهو فقد يعيش فى أجواء من يخوض معركته الأخيرة، صحيح أنه نجح فى دفع ترامب إلى الحرب إلا أنه مع الوقت يستشعر تدهور العلاقات بينهما، ولعل المكالمة الهاتفية الأخيرة نموذج لذلك حيث تحول ترامب إلى العائق الأكبر لمخططاته فى لبنان على الأقل، وكذلك الانتهاء من خطر إيران وعلى المستوى الداخلى يعانى من ضغوط من حلفائه بالخروج من عباءة ترامب مع استشعار بوطأة استمرار محاكمته وقرب إجراء انتخابات الكنيست الذى قد يكون إعلانا بنهاية درامية لمسيرته السياسية التى استمرت عقودا على قمة السلطة فى تل أبيب..
ونأتى إلى الرئيس الإيرانى الذى يمثل حالة مختلفة فى مسار الأحداث فى ظل تعدد مراكز القرار فى إيران وتقلص دوره لصالح المتشددين فى الحرس الثورى وهو الصوت الوحيد الذى يحذر من تداعيات الأزمة الاقتصادية الخانقة ويلمح إلى وجود خلافات داخلية فى ظل مخاوف من انفلات الأمور فى الشارع وفى الخلفية أن ترامب استغل الاحتجاجات الشعبية التى عاشتها إيران نتيجةً ارتفاع الأسعار والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية وانهيار سعر العملة.
ويظل السؤال، حول مسار الأحداث، ومن يساعد ترامب على النزول من على الشجرة، ومن ينقذ نتنياهو من أزماته، ومن يسمع لتحذيرات بزشكيان؟
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى ٢٨ فبراير الماضى، بدت الجبهة الإيرانية الداخلية متوحدة خلف هدف واحد وهو الصمود أمام أقوى جيش فى العالم.. إن لم تتحقق هزيمته، فعلى الأقل تظل إيران أمامه: دولة، صامدة، قادرة على إلحاق الألم به.
وحتى الآن، بدت الجبهة الداخلية الإيرانية متماسكة رغم الآلام التى يخلفها الحصار الأمريكى على مضيق هرمز. وكان هذا التماسك هو عنوان فشل الرهان الأمريكى على الإيرانيين للتحرك ضد نظامهم..
وهو ما كشفته صحف أمريكية فى وقت سابق، بينها واشنطن بوست، التى كانت ذكرت أن الإدارة الأمريكية كانت تراهن على تحرك الإيرانيين لإسقاط نظامهم وبالتالى تستكمل أهداف الحرب بزوال نظام الجمهورية الإسلامية.
ومن أجل المعركة، توحد الصوت داخل إيران طول الفترة الماضية قبل أن يقاطع هذا التوحد السياسى صوت الرئيس مسعود بزشكيان الذى بدا وكأنه يغرد خارج السرب.
وكان معظم المراقبين والمحللين قد أجمعوا على أن الولايات المتحدة هى التى فى عجلة من أمرها لتنهى الحرب، وأن إيران قد لا تمانع فى استمرار الحرب رغبة فى إرساء قواعد للتعامل معها ومع قضايا الخلاف مستقبلا على أن تستبعد هذه القواعد الخيار العسكرى. وبينما بدت إيران تقاوم الضغوط الأمريكية بقوة، كشف الرئيس بزشكيان عن صوت مكتوم لمعاناة الإيرانيين. وكانت التقارير الغربية ترصد منذ بداية الحرب التداعيات الاقتصادية المؤلمة على البلاد، لكن تصريحات بزشكيان الأخيرة والمتواترة قد أعطت مصداقية لهذه التقارير كما لفتت النظر إلى أثمان غالية يتكبدها الإيرانيون من جراء الحرب.
وقبل أيام، صرح بزشكيان بأن البلاد تمر بظروف استثنائية ومعقدة تتطلب إدارة قائمة على الحوار واتخاذ قرارات دقيقة ومسئولة، مشيراً إلى أن القيود والضغوط الخارجية التى تؤثر على الوصول إلى الموارد الاقتصادية ساهمت فى تعقيد إدارة شئون الدولة. وأضاف أن المشكلات الاقتصادية الحالية تعود جزئياً إلى هذه القيود الخارجية وجزئياً إلى الضغوط الناتجة عن الأوضاع الراهنة، مؤكداً أهمية مصارحة الشعب بالحقائق لتمكينه من المشاركة فى مواجهة التحديات، ومشدداً على أن تجاوز الأزمات الكبرى يستلزم تحمل الصعوبات، وأن استمرار البلاد فى مسارها بثبات يتطلب توضيح الواقع والحقائق للمواطنين.
أما آخر الأرقام، فقد كشفها تقرير بصحيفة التليجراف البريطانية والذى ذكر أن الحياة فى إيران تصل إلى نقطة الغليان.
فمعدل التضخم السنوى بلغ 57.7٪ فى مايو وهو الأكبر للشهر الثالث توالياً خلال 8 عقود. وفى المقابل، فإن معدل التضخم الفعلى الذى تشعر به الأسر هو 84٪. وقال التقرير إن 26 مليون شخص يعيشون فى فقر مدقع «30٪ من السكان». فلماذا قرر بزشكيان أخيرا التطرق لهذا الأمر..؟
فى البداية يمكن القول إن تصريحات بزشكيان قد وضعت الرجل فى مواجهة سياسية مع الجناح السياسى المقابل الذى أو يتهمه بالتعتيم على الوقائع التى يجب للإيرانيين أن يعرفوها..
وقد يبدو ذلك هو السبب الأول لتصريحاته.. فبزشكيان، الإصلاحى، الذى انتخب بوعود اقتصادية بالأساس، وقد أثار ترشحه حماس حشود ضخمة من الناخبين الذين كانوا عزفوا فى وقت سابق عن المشاركة، يعتبر أن هؤلاء هم من أتوا به إلى السلطة وأنه يجب أن يكون لهم صوت فيما يحدث ومقعد على طاولة تحديد مصير البلاد. فالحصار الأمريكى على مضيق هرمز قد وصل ألمه إلى جيوب الإيرانيين، كما انه يهدد أسس ومرتكزات اقتصادية أساسية قد يصعب التعامل معها بعد نهاية الحرب، ومن ثم فإنهاء الوضع الراهن بأسرع وقت هو الحل لإنقاذ مستقبل البلاد.
والحصار البحرى الذى تفرضه القوات الأمريكية فى الخليج العربى منذ 13 أبريل، يخنق صادرات النفط التى تموّل الاقتصاد ويقطع خطوط الإمداد التى تعتمد عليها المصانع والمستوردون الإيرانيون. ومع إعادة السفن القادمة من الموانئ الجنوبية الإيرانية وتباطؤ التجارة إلى حدها الأدنى، ارتفعت تكلفة كل شىء تقريباً الغذاء والوقود والأدوية والنقل ودخلت البلاد دوامة تضخم خرج عن السيطرة، يلتهم الأجور والمدخرات بسرعة تفوق قدرة الأسر على التكيف..
وبديهى أن ذلك الضغط الاقتصادى وارتفاع الأسعار وتسريحات العمال والموظفين، سيستمر حتى إذا ما انتهت الحرب وقررت ايران الشروع فى عمليات إعادة الإعمار. وهى أمور تخلق مشهدا بالغ التعقيد أمام صناع القرار فى وقت لاحق..
أما السبب الثانى فقد يكون التوقيت..
فترامب المهتم بإنهاء الحرب الآن بينما يستعد لموسم سياحى مع بطولة كأس العالم لكرة القدم «١١ يونيو» وانتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر، قد يكون أكثر مرونة واستعدادا الآن لتوقيع اتفاق سلام، ومن ثم فتقديم تنازل من جانب طهران يتعلق بالتخلى عن طلب تحصيل رسوم فى مضيق هرمز قد يؤدى نهاية إلى رفع الحصار عن المضيق..
وربما يرى بزشكيان أن «طلب تحصيل رسوم» لا يستحق الثمن الذى يدفعه الإيرانيون الآن.. فتحصيل الرسوم لا يتساوى مع أساسيات عند إيران كالبرنامج النووى والصاروخى مثلا..
لا شك أن الإيرانيين يعانون منذ بداية الحرب، لكن إقرار الرئيس علنا بهذه المعاناة هو صيحة احتجاج على مسار التفاوض والتشدد من جانب الحرس الثورى المفاوض بالأساس.. لكن أيضا احتجاج على توزيع حقوق اتخاذ القرارات المصيرية داخل مؤسسة الحكم فى إيران.