صور .. مكتب الإحصاء الأوروبى «يوروستات»
صور .. مكتب الإحصاء الأوروبى «يوروستات»


أوروبا.. الشعوب تدفع ثمن الأزمة

محمد عبدالفتاح

السبت، 06 يونيو 2026 - 07:30 م

لم يكن الأوروبيون قد تعافوا بعد من الندوب التى خلَّفتها موجة التضخم العاتية فى أعقاب الحرب الروسية- الأوكرانية، حتى وجدوا أنفسهم أمام صدمة جديدة تهدد ما تبقى من مكاسبهم المعيشية، فمنذ اندلاع الأزمة بمضيق هرمز وما تبعها من ارتفاع حاد فى أسعار النفط والغاز، عادت القدرة الشرائية لتتراجع فى معظم أنحاء القارة العجوز، لتُذكِّر الأوروبيين بأن أمنهم الاقتصادى لا يزال رهينة للتقلبات الجيوسياسية التى تتجاوز حدودهم.

وتكشف البيانات التى نشرها مكتب الإحصاء الأوروبى «يوروستات» خلال الأسبوع الاخير من شهر مايو، أن التضخم فى منطقة اليورو بلغ 3.2٪ على أساس سنوى، وهو مستوى يفوق بوضوح وتيرة نمو الأجور المتوقعة هذا العام، والمقدَّرة بنحو 2.6٪ وفق المؤشر الذى يعتمده البنك المركزى الأوروبى لقياس نتائج المفاوضات الجماعية بشأن الأجور.

وراء هذه الأرقام الجافة، تكمن حقيقة أكثر قسوة: فالمواطن الأوروبى الذى بدأ أخيرًا يستعيد جزءًا من قدرته الشرائية المفقودة يجد نفسه مجددًا أمام أسعار ترتفع بوتيرة أسرع من دخله، وبعبارة أخرى، فإن ما تتحصل عليه الأسر من زيادات فى الرواتب تلتهمه فواتير الطاقة والنقل والسلع الأساسية.

وكانت الأعوام 2022 و2023 و2024، قد شهدت واحدة من أعنف موجات تآكل الأجور الحقيقية منذ عقود. وبعد فترة قصيرة من التحسن النسبى، عاد المسار لينعكس من جديد، ففى الربع الثالث من عام 2025، لم تتمكن سوى نصف دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من استعادة متوسط مستويات الأجور التى كانت سائدة قبل انفجار الأزمة التضخمية، أما فى منطقة اليورو، فقد ظلت الأجور الحقيقية أدنى بنحو 2٪ من مستواها المسجل نهاية عام 2021، بينما بلغت الفجوة فى فرنسا نحو 1٪.

وتشير غالبية التقديرات الاقتصادية إلى أن المسئول الأول عن هذا الانتكاس الجديد هو الارتفاع الحاد فى أسعار الطاقة، فمنذ اندلاع العدوان الأمريكى – الإسرائيلى على إيران، فى 28 فبراير، قفزت أسعار النفط والغاز إلى مستويات قاربت ضعف ما كانت عليه سابقًا، وفى مايو وحده ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 10.9٪ على أساس سنوى، مقابل تضخم بلغ 2.4٪ فقط فى بقية قطاعات الاقتصاد.

ويقول إميل جانيا، الخبير الاقتصادى بشركة إدارة الأصول «كاندريام»، إن أوروبا تواجه اليوم صدمة أسعار حقيقية لم تكن فى الحسبان، ويوضح:
«قبل اندلاع النزاع كنا نتوقع تضخمًا يقترب من 2٪ هذا العام فى منطقة اليورو، أما اليوم فقد أصبح أقرب إلى 3.5٪، وهذا يعنى عمليًا اقتطاع نحو 1.5٪ من القدرة الشرائية للأسر».

ولا يتوقع جانيا، أى تحسن ملموس فى الأجور الحقيقية خلال العام الجارى، مرجحًا دخول الأجور مرحلة من الجمود، أما فلورانس بيزانى، كبيرة الاقتصاديين بالشركة نفسها، فتذهب أبعد من ذلك، حيث تتوقع أن تصبح الأجور الحقيقية فى فرنسا بقيمة سالبة خلال عام 2026 مقارنةً بالتضخم.

وفى الواقع، تبدو فرنسا إحدى أكثر الدول الأوروبية تأثرًا أمام هذه التطورات، فقبل اندلاع الأزمة الحالية كانت سوق العمل الفرنسية قد بدأت بالفعل تفقد زخمها، وقد ارتفع معدل البطالة إلى 8.1٪ خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 0.7 نقطة مئوية مقارنةً بالعام السابق، ما يضعف موقف العمال فى مفاوضات الأجور، ويمنح أصحاب العمل قدرة أكبر على مقاومة المطالب بزيادات تعوض ارتفاع الأسعار، هذا فضلًا عن التباطؤ الواضح فى حركة القطارات والمترو داخل العاصمة باريس على مدار الأيام الماضية، ربما ترشيدًا لاستهلاك الوقود.

لكن العامل الأكثر حساسية يتمثل فى محدودية قدرة الدولة الفرنسية على التدخل، فالعجز المرتفع فى المالية العامة يُقيِّد هامش المناورة لدى الحكومة، التى اكتفت حتى الآن بإجراءات دعم محدودة استهدفت بعض الفئات الأكثر تضررًا، مثل المزارعين والصيادين وكبار مستخدمى السيارات.

وفى المقابل، اتخذت دول أوروبية أخرى، تدابير أكثر جرأة، فقد خفَّضت إسبانيا، ضريبة القيمة المضافة على البنزين إلى النصف، بينما اعتمدت ألمانيا وإيطاليا برامج دعم ضريبى مشابهة هدفت إلى امتصاص جزء من الصدمة وحماية القوة الشرائية للمستهلكين.

وفى تعليق يعكس هذا التباين الأوروبى، قال كلاوس فيستيسن، الخبير فى مؤسسة «بانثيون ماكروإيكونوميكس»، لصحيفة «فايننشال تايمز»:
«فرنسا لا تخفِّض الضرائب لأنها لا تملك الموارد المالية الكافية لذلك، وبالتالى يتحمل المستهلك الفرنسى الجزء الأكبر من الصدمة».

غير أن الأزمة الراهنة لا تمثل سوى فصل جديد من قصة اقتصادية أطول وأعمق، فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، تعيش أوروبا ما يشبه العصر الذهبى الضائع للأجور، فرغم النمو الاقتصادى المتقطع وانخفاض البطالة فى بعض الفترات، بقيت الزيادات فى الدخول أقل بكثير مما اعتادت عليه الأجيال السابقة.

وتظهر هذه الظاهرة بوضوح خاص فى المملكة المتحدة، التى تصفها جوليا دينيز، الخبيرة الاقتصادية فى مؤسسة «ريزولوشن فاونديشن»، بأنها تقف اليوم على أعتاب «فترة رابعة من تراجع الأجور الحقيقية» منذ الأزمة المالية العالمية.

وتوضح دينيز، أن الأجور البريطانية لو واصلت النمو بالوتيرة التى كانت سائدة قبل عام 2008، لكانت أعلى اليوم بنحو الثلث، وبمعنى ملموس بالنسبة للأسر، فإن ذلك يمثل خسارة تراكمية تعادل نحو 1200 جنيه إسترلينى شهريًا من القدرة الشرائية، مقارنةً بما كان يمكن أن تكون عليه مستويات المعيشة.

وترى الخبيرة البريطانية، أن هذه الأرقام لا تفسِّر فقط الضغوط الاقتصادية المتزايدة، بل تساعد أيضًا على فهم التحولات السياسية العميقة التى تشهدها البلاد، وتقول:

«إنها تفسر إلى حد كبير حالة السخط على الصعيدين السياسى والاقتصادى بالمملكة المتحدة».

وتكاد الملاحظة نفسها تنطبق على أجزاء واسعة من أوروبا، حيث تغذى سنوات الركود المعيشى الطويلة، شعورًا متناميًا بالإحباط تجاه النُخب السياسية والاقتصادية، وتوفر أرضية خصبة لصعود الأحزاب الشعبوية وأحزاب أقصى اليمين التى تقدم نفسها بوصفها صوت الفئات المتضررة من العولمة والأزمات المتلاحقة.

أما فى الولايات المتحدة، التى طالما بدت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات بفضل حيوية اقتصادها، فقد بدأت المؤشرات تدل هى الأخرى على تآكل تدريجى فى القوة الشرائية، ففى أبريل الماضى بلغ التضخم 3.8٪، بينما لم تتجاوز الزيادة السنوية فى الأجور بالساعة 3.6٪.

وقد تبدو الفجوة محدودة للوهلة الأولى، لكنها تعكس واقعًا مألوفًا على ضفتى الأطلسى: فعندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور، تصبح الطبقات الوسطى والفقيرة أول مَن يدفع ثمن الأزمات الجيوسياسية البعيدة.

وهكذا، بينما تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز وإلى مآلات التوتر بالشرق الأوسط، يواجه ملايين الأوروبيين سؤالًا أكثر مباشرة وإلحاحًا: إلى متى ستواصل دخولهم التراجع أمام موجات التضخم المتعاقبة؟ فبالنسبة لكثيرين منهم، لم تعد الأزمة مجرد أرقام فى تقارير اقتصادية، بل واقع يومى يُقاس عند محطات الوقود، وفى فاتورة الكهرباء، وعلى أرفف المتاجر التى تخلو فجأة من بعض السلع الأساسية الغذائية.

فى إحدى عربات مترو الخط الرابع بالعاصمة الفرنسية باريس، تجاذبت أطراف الحديث مع مسن فرنسى قارب الثمانين، وبعدما أبدى الرجل تبرمه من غلاء المعيشة، أظهر لى كيسًا مُمتلئًا بالأدوية وقال: «رغم كل ذلك فإننى أصلى شكرًا للرب يوميًا لأننى لا أزال أحصل على علاجى الشهرى هذا مجانًا.. هل لك أن تُخمِّن كم تتحمل خزينة الدولة لكى أحصل على هذا الكيس بدون مقابل؟ «

لم ينتظر الرجل أن أجيب بأى رقم تقريبى، بل أجاب هو على الفور: «أكثر من خمسة آلاف يورو»، فطلبت منه ألا يتوقف عن الصلاة قبل أن يلقى عليَّ التحية مغادرًا إلى وجهته.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة