طوابير طويلة من الناخبين فى العاصمة أديس أبابا
إثيوبيا.. انتخابات منقوصة وشرعية مُعَلَّقة
السبت، 06 يونيو 2026 - 07:56 م
سميحة شتا
مع بدء فرز الأصوات فى الانتخابات البرلمانية الإثيوبية، تتجه الأنظار إلى النتائج النهائية المتوقع إعلانها فى 11 يونيو الجاري، وسط توقعات واسعة بفوز جديد لحزب الازدهار الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبى أحمد، غير أن أهمية هذا الاستحقاق لا تتوقف عند حجم المقاعد التى قد يحصل عليها الحزب الحاكم، بل تمتد إلى الأسئلة المتعلقة بشرعية العملية الانتخابية نفسها فى ظل غياب التصويت عن إقليم تيجراى بالكامل وأجزاء من إقليم أمهرة، واستمرار النزاعات المسلحة والتحديات الاقتصادية التى تواجه ثانى أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان.
وبحسب المجلس الوطنى للانتخابات الإثيوبي، تنافس نحو 10 آلاف و934 مرشحًا يمثلون 47 حزبًا سياسيًا على 547 مقعدًا فى البرلمان الفيدرالي، فيما سجل أكثر من 54 مليون ناخب للمشاركة فى الاقتراع، وتؤكد هذه الأرقام ضخامة العملية الانتخابية من الناحية الإجرائية، لكن هذا المشهد يخفى خلفه واقعًا أكثر تعقيدًا، إذ أعلنت رئيسة المجلس الانتخابى ميلاتورك هايلو، قبل أيام من الاقتراع أن الانتخابات لن تُجرى فى 46 دائرة انتخابية، تشمل جميع الدوائر الثمانى والثلاثين بإقليم تيجراي، وثمانى دوائر أخرى بإقليم أمهرة بسبب الأوضاع الأمنية، مع تأجيل التصويت فيها إلى موعد غير محدد.
هذا الغياب يضع علامات استفهام حول مدى قدرة الانتخابات على التعبير عن الإرادة الوطنية الشاملة، خصوصًا أن تيجراى وأمهرة تمثلان ثقلًا سكانيًا وسياسيًا كبيرًا داخل إثيوبيا، وان استبعاد هذه المناطق قد يؤثر على مصداقية العملية الانتخابية ويحد من قدرتها على تحقيق إجماع سياسى واسع أو توفير شرعية لا خلاف عليها، حتى لو أسفرت النتائج عن فوز واضح لحزب الازدهار.. وتزداد أهمية هذه الملاحظة إذا ما أُخذت فى الاعتبار الخلفية السياسية للنزاع فى تيجراي، فالإقليم الذى يقطنه نحو ستة ملايين نسمة لا يزال يعيش تداعيات الحرب التى خاضتها الحكومة الفيدرالية ضد جبهة تحرير شعب تيجراى بين عامى 2020 و2022، وهى الحرب التى قَدَّر وسطاء الاتحاد الإفريقي، أنها أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتسببت فى أزمة إنسانية واسعة، ورغم توقيع اتفاق بريتوريا للسلام فى نوفمبر 2022، فإن العلاقات بين أديس أبابا وقيادة تيجراى شهدت توترات متصاعدة خلال العامين الأخيرين بسبب الخلافات حول تنفيذ بنود الاتفاق، والوضع القانونى لجبهة تحرير شعب تيجراى، وترتيبات الحكم بالإقليم.
كما أن استبعاد تيجراى من الانتخابات جاء فى وقت تشهد فيه المنطقة خلافات سياسية متجددة، بعد أن أعادت جبهة تحرير شعب تيجراي، تفعيل مؤسسات الحكم السابقة وانتخبت ديبريتسيون جبريميكائيل لقيادة الإقليم، فى خطوة اعتُبرت تحديًا مباشرًا للحكومة الفيدرالية، وفى هذا السياق، حَذَّر ماجنوس تايلور، الباحث فى مجموعة الأزمات الدولية، فى تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (بى بى سي)، من أن التوترات القائمة قد تُعيد شبح الصراع فى الشمال إذا لم تُفتح قنوات حوار فَعَّالة بين الطرفين.
ولا تبدو الصورة أفضل كثيرًا فى إقليم أمهرة، حيث تستمر المواجهات بين القوات الحكومية ومقاتلى «فانو» الذين يسيطرون على أجزاء واسعة من الريف منذ عام 2023، وقد أقرت اللجنة الانتخابية بتعذر إجراء التصويت فى عدد من الدوائر داخل الإقليم بسبب الوضع الأمني، كما أشارت تقارير مؤسسة «أكليد» المعنية برصد النزاعات، إلى أن العنف فى أمهرة وأوروميا أسفر عن مقتل أكثر من 9400 شخص خلال عام 2024 وحده، وهو ما يعكس حجم التحديات الأمنية التى تُواجه البلاد.. ورغم هذه الظروف، من المرجح أن يحقق آبى أحمد، فوزًا جديدًا، فحزب الازدهار الذى أسسه بعد حل الائتلاف الحاكم السابق، حقق فى انتخابات عام 2021، فوزًا كاسحًا بحصوله على 410 مقاعد من أصل 484 مقعدًا جرى التنافس عليها آنذاك، كما أن المعارضة تبدو اليوم أكثر تشتتًا وأضعف تنظيمًا، وهو ما دفع بعض الشخصيات المعارضة، مثل البروفيسور ميريرا جودينا من مؤتمر أورومو الفيدرالي، إلى وصف الانتخابات الحالية بأنها الأقل تنافسية فى تاريخ إثيوبيا الحديث، وفق ما نقلته «بى بى سي».
غير أن الفوز الانتخابى المتوقع لا يعنى بالضرورة انتهاء أزمات البلاد، فالتحدى الحقيقى أمام آبى أحمد لا يتمثل فى الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية، بل فى كيفية توظيف هذا التفويض لمعالجة الانقسامات الداخلية المتزايدة، وقد أظهرت التجارب السابقة أن الحلول الأمنية وحدها غير قادرة على إنهاء الأزمات المعقدة التى تشهدها البلاد، وأن المطلوب إطلاق حوار سياسى أكثر شمولًا يضم مختلف القوى السياسية والعرقية.
اقتصاديًا، تحاول الحكومة تقديم سجلها باعتباره أحد أبرز عناصر القوة فى هذه الانتخابات، فوفق بيانات البنك الدولي، تعد إثيوبيا من أسرع الاقتصادات نموًا فى إفريقيا، كما دعمت مؤسسات مالية دولية، مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولي، برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى تبنته حكومة آبى أحمد، والذى شمل تحريرًا جزئيًا لسوق الصرف وإجراءات لإعادة هيكلة الديون وتحفيز الاستثمار، وتشير التقديرات إلى ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى من نحو 641 دولارًا عام 2016، إلى أكثر من 1100 دولار متوقع خلال عام 2026.
لكن هذه المؤشرات لا تلغى حجم الضغوط الاقتصادية التى تُواجه المواطنين، فالبلاد لا تزال تعانى من التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات، فضلًا عن عبء الدين العام الذى بلغ 36.5 مليار دولار وفق بيانات البنك الدولى لعام 2024، كما أن استمرار النزاعات المسلحة بأقاليم رئيسية يعرقل التنمية ويحد من قدرة الحكومة على الاستفادة الكاملة من معدلات النمو المسجلة.
وتبدو هذه التحديات أكثر وضوحًا فى المناطق المتضررة من الصراعات، خصوصًا فى تيجراى التى لا تزال تعانى آثار الحرب والدمار والنزوح، وفى أجزاء من أمهرة وأوروميا التى تأثرت الأنشطة الزراعية والتجارية فيها نتيجة المواجهات المستمرة، ولذلك فإن أى نجاح اقتصادى على المستوى الوطنى سيظل هشًا ما لم تتمكن الحكومة من إعادة الاستقرار إلى هذه الأقاليم وإدماجها مجددًا فى العملية السياسية والاقتصادية.
تبدو الانتخابات الإثيوبية الحالية أقرب إلى اختبار لقدرة الدولة على إدارة أزماتها المتراكمة أكثر من كونها مجرد منافسة انتخابية تقليدية، فحتى لو أسفرت النتائج المُنتظر إعلانها فى 11 يونيو عن فوز مريح لحزب الازدهار، فإن غياب التصويت فى تيجراى وأجزاء من أمهرة يجعل هذه الانتخابات موضع تساؤل من حيث الشمولية والتمثيل السياسي، وبينما تمنح صناديق الاقتراع، آبى أحمد فرصة جديدة لترسيخ مشروعه السياسي، فإن شرعية هذا المشروع ستظل مرتبطة بقدرته على معالجة جذور الصراعات الداخلية، وإعادة بناء الثقة بين مكونات الدولة المختلفة، وتحويل الإنجازات الاقتصادية المعلنة إلى استقرار سياسى واجتماعى شامل فى بلد لا يزال يبحث عن معادلة متوازنة بين الوحدة الوطنية والتعددية العرقية والسياسية.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
عدوان على سماء الخليج| إيران تستهدف الكويت والبحرين بـ7صواريخ بعد إسقاط مسيراتها
غارات دامية وانتقادات غير مسبوقة لحزب الله وطهران
يديعوت أحرونوت: تل أبيب تخسر الدعم حتى بين الحلفاء
أمريكا - بريطانيا - أستراليا| تحالف ينقل المواجهة مع الصين إلى أعماق البحار
بورتريه| رومان غوفمان اختيار استثنائى لقمة الموساد
أوروبا.. الشعوب تدفع ثمن الأزمة
قيادات مأزومة 3| الرئيس الأمريكى.. «توبيخ سياسى» وصراع تحت السطح مع الكونجرس
قيادات مأزومة 2| الرئيس الإيرانى.. التغريد خارج السرب والمطالبة بالمكاشفة
قيادات مأزومة 1| رئيس الوزراء الإسرائيلى.. عندما انتقل مركز القرار العسكرى للبيت الأبيض









