نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
السبت، 06 يونيو 2026 - 09:02 م
نوال مصطفى
سبعة أرواح رحلت فى لحظة. سبعة مواطنين خرجوا ربما إلى أعمالهم أو مدارسهم أو أحلامهم الصغيرة، ثم انتهى كل شيء فى مياه ترعة المريوطية، بعدما سقطت السيارة التى تقلهم فى الترعة، لأن الطريق ـ ببساطة وصراحة موجعة ـ بلا أسوار حماية تمنع الكارثة قبل وقوعها.
ليست هذه المرة الأولى التى نسمع فيها عن طريق يحصد الأرواح، ولا عن حفرة تبتلع سيارة، ولا عن ترعة تتحول إلى فخ موت مفتوح. لكن ما يجعل حادث المريوطية أكثر إيلاما وإثارة للغضب هو أن الحديث هنا لا يدور عن خطر مجهول أو أزمة مفاجئة أو كارثة طبيعية، بل عن مشكلة معروفة ومعلنة منذ سنوات.
الأمر الغريب هو أن الرئيس عبد الفتاح السيسى كان قد وجه قبل سنوات بضرورة تطوير هذا الطريق وإصلاحه وتأمينه، بعدما تكررت الحوادث عليه. السؤال الذى يفرض نفسه بقوة: ماذا حدث بعد التوجيهات؟ ولماذا ظلت المشكلة قائمة؟ ومن الذى لم يقم بدوره؟ وهل تحولت التوجيهات المهمة إلى مجرد أوراق محفوظة فى الأدراج؟
حين تقع كارثة بهذا الحجم، لا يكفى أن نحزن على الضحايا أو نقدم التعازى لأسرهم، رغم أهمية ذلك وإنسانيته. المطلوب قبل كل شيء أن نسأل: من المسئول؟
المسئولية هنا ليست كلمة عامة ومطاطة تضيع بين الجهات المختلفة. هناك جهة تنفيذية، ومتابعة، ومحليات، وهيئات طرق وكبار مسئولين. كل حلقة فى سلسلة التقصير يجب أن تراجع بدقة. لأن أرواح البشر يجب ألا تصبح مجرد أرقام تضاف إلى إحصاءات الحوادث.
المؤلم أكثر أن المصريين اعتادوا بعد كل حادث أن يسمعوا كلمات متشابهة: «فتح تحقيق»، «مراجعة الموقف»، «إزالة أسباب الخطورة». ثم تمر الأيام، ويأتى حادث جديد، وكأننا ندور فى دائرة لا تنتهى من النسيان المؤقت حتى تقع الفاجعة التالية.
إن أخطر ما فى الإهمال أنه لا يقتل مرة واحدة، بل يقتل بالتقسيط. يقتل حين يتأخر تنفيذ قرار، وحين يتباطأ مسئول فى متابعة ملف، وحين يرى موظف خطرا واضحا ويؤجل التعامل معه. وفى النهاية يدفع المواطن الثمن من حياته وأمانه.
المطلوب اليوم ليس فقط إنشاء سور حماية على طريق المريوطية، رغم أن هذا حق بديهى ومتأخر، وإنما مراجعة شاملة لكل الطرق المشابهة التى تمر بمحاذاة الترع والمجارى المائية، حتى لا نستيقظ غدا على مأساة جديدة بالعنوان نفسه والدموع نفسها.
كما أن القضية تستحق متابعة جادة من نواب البرلمان، ليس عبر بيانات التعاطف وحدها، بل عبر أدوات الرقابة والمساءلة: من المسئول عن تعطل تنفيذ التطوير؟ ومن أهمل؟ وهل ستتم محاسبة حقيقية هذه المرة؟ أم أن الملف سينضم إلى قائمة طويلة من الوقائع التى تنسى بعد أيام من وقوعها؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: كيف لا يتحرك بعض المسئولين لحماية أرواح البشر إلا بعد وقوع الكارثة؟
ولماذا ننتظر الموت كى نكتشف أن الوقاية كانت ممكنة؟ سبع ضحايا فى ترعة المريوطية ليسوا خبرا عابرا.. بل جرس إنذار يجب أن يتردد صداه بقوة، قبل أن تبتلع الطرق المزيد من الأبرياء.